إنهاء تعليق اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا: بمَ يفيد؟

الكاتب: أحمد علي
لا تُقاس التحولات السياسية الكبيرة دائماً بحجم الضجيج الذي يرافقها. أحياناً يأتي القرار هادئاً في صياغته، لكنه يفتح باباً كان موصداً لسنوات.. قرار مجلس الاتحاد الأوروبي إنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون مع سوريا ينتمي إلى هذا النوع من القرارات. لا يقدّم خبزاً أرخص في صباح اليوم التالي، ولا يعيد المعامل إلى العمل بمجرد صدوره، لكنه يغيّر الإطار الذي تتحرك داخله العلاقة بين دمشق وبروكسل، وهذا ليس تفصيلاً صغيراً في بلد يحاول الخروج من عزلة طويلة.
اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا وعودة المعنى القانوني
اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي في 11 أيار 2026 قراراً أنهى التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون الموقعة بين الجماعة الاقتصادية الأوروبية والجمهورية العربية السورية. وبذلك ألغى القرار الأوروبي القرار رقم 2011/523/EU، الذي علق أجزاء من الاتفاقية في أيلول 2011، ثم جرى توسيع التعليق في شباط 2012، على خلفية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها سلطة بشار الأسد آنذاك.
الاتفاقية الأصلية تعود إلى عام 1977، وكانت الإطار القانوني المنظم للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين. التعليق لم يلغ الاتفاقية كلها، لكنه عطل أحكاماً تجارية مهمة، خاصة ما يتعلق بإزالة القيود الكمية على واردات بعض المنتجات السورية إلى الاتحاد الأوروبي، ومنها النفط والمنتجات النفطية والذهب والمعادن الثمينة والماس.
القرار الجديد يعيد التطبيق الكامل للاتفاقية. هذه العودة تحمل معنى مزدوجاً. فهي قانونياً تنهي حالة استثناء استمرت منذ 2011، وسياسياً تقول إن الاتحاد الأوروبي بات مستعداً لإعادة التعامل مع سوريا الجديدة عبر أدوات رسمية، بعد سقوط سلطة الأسد في كانون الأول 2024، وبعد القرار الأوروبي في أيار 2025 برفع العقوبات الاقتصادية مع إبقاء قيود ذات طابع أمني أو مرتبطة بأفراد وكيانات محددة.
لكن هذا لا يعني أن العلاقة عادت إلى طبيعتها كاملة. القرار يفتح إطاراً، ولا يضمن وحده تدفق الاستثمار أو المصارف أو الصادرات. بين النص القانوني والواقع الاقتصادي مسافة واسعة، وفي سوريا هذه المسافة لا تزال مليئة بالأسئلة.
ماذا يفيد سوريا؟
الفائدة الأولى سياسية. في الاقتصاد، لا تكفي الإشارة السياسية وحدها، لكنها ضرورية. عندما ينهي الاتحاد الأوروبي تعليقاً استمر خمسة عشر عاماً تقريباً، فإنه يرسل إلى الشركات والمصارف والمؤسسات رسالة مختلفة عن الرسالة التي حكمت سنوات الحرب. الانخراط مع سوريا لم يعد موضوعاً مغلقاً، بل بات ممكناً بشروط جديدة.
هذه الإشارة قد تساعد دمشق في التفاوض مع الشركاء الخارجيين، وفي فتح قنوات للتجارة والدعم الفني والتمويل التنموي. لكنها لن تلغي حذر المستثمرين. رأس المال لا يدخل لمجرد صدور قرار أوروبي. يدخل عندما يرى بيئة قانونية واضحة، ومصارف قادرة، وجمارك مفهومة، وقضاء يمكن اللجوء إليه، وعقوداً قابلة للتنفيذ.
الفائدة الثانية تجارية. عودة التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون تسمح نظرياً بحركة أوسع بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وتزيل عائقاً قانونياً كان يحد من بعض الواردات السورية إلى السوق الأوروبية. لكن السؤال العملي يبقى أقسى. ماذا تستطيع سوريا أن تصدر اليوم؟ وهل تملك المصانع والزراعة والخدمات القدرة على المنافسة والجودة والكمية؟
رفع القيد الخارجي لا يكفي إذا بقي الإنتاج الداخلي ضعيفاً. فالسوق الأوروبية لا تقبل المنتج لأنه سوري فقط، بل لأنه مطابق للمواصفات، مستقر في التوريد، قابل للتتبع، ومنافس في السعر. لذلك تصبح الاستفادة الحقيقية مرتبطة بالكهرباء، والتمويل، وشهادات الجودة، وسلاسل النقل، وقدرة المنتجين على العودة لا مجرد حقهم في البيع.
الفائدة الثالثة تتصل بإعادة ربط سوريا بالاقتصاد الدولي. أوروبا ليست سوقاً فقط. هي أيضاً مصدر للمعايير، وللخبرة التنظيمية، ولبرامج الدعم الفني، ولشركات يمكن أن تدخل في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والصحة والتعليم المهني. إذا أُدير الملف بجدية، يمكن أن يتحول القرار إلى مدخل لشراكات محددة، لا إلى خبر دبلوماسي عابر.
وماذا يفيد السوريين؟
السوري العادي لن يشعر بأثر القرار مباشرة. لا تنخفض الأسعار لأن مجلساً أوروبياً أنهى تعليق اتفاقية، ولا تظهر الوظائف في اليوم التالي. لكن الأثر الممكن يأتي عبر مسار أطول. إذا ساعد القرار على جذب مشاريع إنتاجية، فقد تنشأ فرص عمل. وإذا حسن التجارة، قد تنخفض بعض تكاليف المعدات والمواد. وإذا فتح الباب أمام تمويل أو دعم فني، فقد تظهر نتائجه في الكهرباء والمياه والنقل والخدمات.
هذه المنافع ليست تلقائية. قد يستفيد كبار التجار أولاً إذا لم تكن هناك سياسة داخلية واضحة. وقد يتحول الانفتاح إلى استيراد واسع يضغط على المنتج المحلي، إذا لم ترافقه حماية ذكية للإنتاج. وقد تبقى الفوائد محصورة في المدن الكبرى أو في قطاعات ضيقة إذا غابت العدالة في توزيع الفرص.
لذلك يصبح السؤال السوري الداخلي أهم من القرار الأوروبي نفسه. كيف يمكن تحويل الانفتاح إلى منفعة عامة؟ كيف يمكن أن يخدم المنتج الصغير، والعامل، والمزارع، والشاب الباحث عن فرصة، لا فقط من يملك رأس المال والعلاقات؟
الجواب يبدأ من الأولويات. سوريا تحتاج إلى استيراد معدات إنتاج لا سلع استهلاكية فقط. تحتاج إلى دعم الصادرات المحلية، لا فتح باب الاستهلاك وحده. تحتاج إلى تدريب المنتجين على المواصفات الأوروبية، ومساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول سلاسل توريد جديدة. عندها فقط يبدأ المواطن بالشعور أن القرار الخارجي صار جزءاً من تعاف داخلي.
ما الذي لا يعنيه القرار؟
لا يعني القرار نهاية كل القيود. الاتحاد الأوروبي أبقى عقوبات مرتبطة باعتبارات أمنية، وبأفراد وكيانات محددة. كما أن المصارف الأوروبية ستظل حذرة في التعامل مع سوريا، لأن سمعة المخاطر لا تزول بسرعة. ستسأل الشركات عن الاستقرار، وعن التحويلات، وعن سعر الصرف، وعن حماية الملكية، وعن سلامة الدفع والتعاقد.
كذلك لا يعني القرار أن أوروبا منحت الحكومة السورية شيكاً مفتوحاً. الخطوة الأوروبية جاءت ضمن خطاب دعم انتقال سلمي وشامل، واحترام حقوق الإنسان، والتعافي الاقتصادي. أي إن الانفتاح سيبقى مراقباً ومشروطاً إلى حد بعيد. إذا تعثر المسار السياسي، أو ضعفت الضمانات، أو ظهرت انتهاكات واسعة، يمكن أن يعود التردد الأوروبي من جديد. بمعنى آخر، القرار يفتح الباب، لكنه لا يلغي الامتحان.
إنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا خطوة مهمة لأنها تنهي حالة استثناء بدأت عام 2011، وتعيد العلاقة الاقتصادية إلى إطار قانوني أوسع. لكنها ليست حلاً سحرياً. قيمتها الحقيقية ستتحدد بما ستفعله سوريا داخلياً، لا بما قررته بروكسل وحدها.
إذا استُخدم القرار لبناء إنتاج، وجذب استثمار شفاف، وتحسين المواصفات، وربط التجارة بالتشغيل والخدمات، فقد يستفيد السوريون تدريجياً. وإذا بقي في حدود الخطاب السياسي، أو تحول إلى انفتاح تجاري يخدم قلة ضيقة، فسيبقى أثره ضعيفاً في حياة الناس.
اقرأ أيضاً: سوريا في معادلة “حماية الممرات”: ما الذي تكسبه/تخسره من حديث أوروبا عن تأمين البحار؟









