المجتمع السوري

إنزيمات الخبز: سوق عالمي يتنافس على أجود الأنواع.. فأين سوريا منه؟

بقلم هلا يوسف

لطالما كان الخبز غذاء الشعوب الأساسي حول العالم، بالرغم من اختلاف أشكاله وأنواعه، إلا أنه بالمجمل يعتمد على مادة أساسية لا يستطيع الإستغناء عنها وهي الخميرة. فعندما نعود بالذاكرة إلى الوراء، نتذكر نحن السوريون جودة الخبز الرديئة التي كانت تصل للمواطنين، والتي كان سبب معظمها توزيع خميرة فاسدة على المخابز. ومن هنا يمكننا استنتاج أهمية هذه المادة البسيطة في صناعة الخبز. فالكثير منا يعتقد أن صناعة الخبز عملية بسيطة لكن الحقيقة مختلفة تماماً. فكل تفصيلة صغيرة في هذه العملية يمكن أن تغير النتيجة النهائية. من حرارة الجو، إلى نسبة الرطوبة، ونوع القمح، وحتى طريقة العجن، كلها عوامل تجعل الخبز أحياناً ينجح وأحياناً لا يعطي نفس الجودة.

لهذا ظهرت فكرة محسنات الخبز “الإنزيمات”، وهي حلول تُضاف إلى العملية لتساعد الخباز على التحكم في هذه التغيرات. والهدف منه ليس تغيير طبيعة الخبز، بل جعله مستقراً أكثر، بحيث تحصل على نفس الجودة تقريباً في كل مرة، حتى لو اختلفت الظروف.

تمنح محسنات الخبز نوعاً من الراحة لصانع الخبز، لأنها تقلل المفاجآت التي قد تحدث أثناء التخمير أو الخبز، وتساعد على تحسين القوام والطراوة وحجم الرغيف، وتجعله متساوي الجودة في كل الدفعات.

الإنزيمات… العامل الذي يعمل داخل العجين دون أن نراه

إذا أردنا أن نفهم ما يحدث داخل العجين بشكل أعمق، فسنصل مباشرة إلى الإنزيمات. هذه المواد الطبيعية الموجودة في الكائنات الحية، وهي في الأساس بروتينات تعمل كمحفزات للتفاعلات الكيميائية. بمعنى أبسط هي تساعد التفاعلات أن تحدث بسرعة وبكفاءة أكبر دون أن تتغير هي نفسها.

توضح فيرنيتا دالي، المستشارة العلمية في شركة ماكس بيرفورمانس، أن الإنزيمات تعمل بطريقة دقيقة جداً، فهي تتعامل مع مواد محددة، وتغيرها بشكل منظم، ثم تنتقل للعمل على مواد أخرى، وكأنها فريق عمل منظم يعرف تماماً ماذا يفعل داخل العجين.

وفي صناعة الخبز تقوم الإنزيمات بأدوار مختلفة. بعضها يعمل على النشويات الموجودة في الدقيق ويحولها إلى سكريات أبسط، وهذا يساعد الخميرة على العمل بشكل أفضل ويحسن عملية التخمير. وبعضها الآخر يعمل على البروتينات، مما يساعد على بناء شبكة الغلوتين التي تعطي الخبز مرونته وشكله المعروف. وهناك إنزيمات تساعد أيضاً على تحسين الطراوة وإطالة مدة بقاء الخبز طري.

ومع توسع صناعة الخبز على نطاق صناعي، تم تقليل وقت التخمير بشكل كبير، وهذا أدى في الماضي إلى استخدام مواد كيميائية لتحسين جودة العجين مثل برومات البوتاسيوم وADA، لكن مع تطور العلم بدأت الإنزيمات تحل مكان كثير من هذه المواد لأنها أكثر طبيعية وأقرب لآلية عمل الغذاء نفسه.

سوق عالمي ينمو بسرعة لسبب بسيط

عندما ننظر إلى حجم هذا المجال، سنجد أنه لم يعد يقتصر على تطوير بسيط في الغذاء، بل أصبح صناعة ضخمة. فقد بلغت قيمة سوق الإنزيمات العالمية حوالي 15.2 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 28.5 مليار دولار بحلول عام 2035، بحسب تقارير Global Market Insights Inc.

هذا النمو الكبير يعود إلى أن الإنزيمات أصبحت تدخل في كل شيء تقريباً، من الغذاء إلى الأدوية إلى الزراعة وحتى الصناعات البيئية. ويعود السبب الأساسي وراء انتشارها إلى أنها تجعل العمليات أكثر كفاءة، وتقلل الحاجة إلى المواد الكيميائية، وتساعد في تقليل التكلفة والهدر.

كيف تعمل الإنزيمات في حياتنا اليومية؟

لا يقتصر استخدام الإنزيمات على الخبز فقط، بل له دور في أنواع مختلفة من الأغذية مثل تحسين منتجات الألبان والعصائر. وفي الزراعة تساعد على تحسين الأعلاف وزيادة استفادة الحيوانات من الغذاء، مما ينعكس على الإنتاج بشكل أفضل. وفي الصناعة تُستخدم في عمليات صديقة للبيئة مثل معالجة النفايات وتبييض الورق والمنسوجات بطريقة أقل ضرراً على الطبيعة.

وأيضاً تدخل في المجال الصحي عبر التشخيص والعلاجات والأدوية، مما يساعد على تطوير طرق علاج أكثر دقة وفعالية. وأكثر ما يميزها فعلاً هو أنها تعمل بكفاءة عالية، لكنها في الوقت نفسه صديقة للبيئة لأنها تقلل الحاجة إلى مواد كيميائية قاسية.

أنواع مختلفة… وكل نوع له وظيفة دقيقة

الإنزيمات ليست نوعاً واحداً، بل مجموعات متعددة لكل منها وظيفة خاصة. هناك إنزيمات تعمل على الكربوهيدرات، وهي الأكثر استخداماً في صناعة الخبز لأنها مسؤولة عن تحويل النشويات إلى سكريات. وهناك إنزيمات البروتياز التي تتعامل مع البروتينات وتستخدم في الأغذية والمنظفات وحتى الصناعات الدوائية.

كما توجد إنزيمات الليباز والإستراز التي تعمل على الدهون وتساعد في تحسين النكهات وإنتاج بعض المركبات الصناعية الحيوية. وهناك إنزيمات الأكسدة والاختزال التي تستخدم في مجالات بيئية وصناعية مثل معالجة المياه والمنسوجات. وأيضاً هناك إنزيمات متخصصة يتم تصميمها خصيصاً لعمليات دقيقة في الصناعات الطبية والكيميائية.

الخبز في قلب صناعة ضخمة

رغم كل هذه التطبيقات، يبقى قطاع الأغذية والمشروبات هو الأكثر اعتماداً على الإنزيمات، خصوصاً في صناعة الخبز. لأن هذا القطاع يمثل أكثر من ثلث السوق العالمي تقريباً. لذلك هناك شركات عالمية مثل Novonesis وDSM-Firmenich وKerry Group وBASF SE وCorbion وAjinomoto وAmano Enzyme تعمل على تطوير هذه التقنيات بشكل مستمر، وتقديم حلول تساعد المخابز على إنتاج خبز أفضل.

لماذا كل هذا الاهتمام بالإنزيمات؟

السبب ببساطة أن العالم يتجه نحو الغذاء الطبيعي والمستدام. إذ أن الناس تريد اليوم منتجات صحية لا تتدخل فيها الكيماويات بشكل كبير، وفي الوقت نفسه هناك حاجة لتقليل التكاليف وزيادة الإنتاج وتحسين الجودة. وبالتالي الإنزيمات تحقق هذه المعادلة الصعبة بطريقة ذكية، لأنها تعمل داخل الغذاء نفسه بدلاً من إضافة مواد خارجية.

اختلاف الأسواق حول العالم

عندما نكمل الحديث عن عالم الإنزيمات في صناعة الخبز، سنكتشف أن الصورة لا تتوقف عند المختبرات أو المخابز فقط، بل تمتد إلى خريطة العالم كله. فهذه الصناعة اليوم أصبحت عالمية بامتياز، ولكل منطقة دورها الخاص في تطويرها ونموها.

إذا بدأنا من أمريكا الشمالية، سنجد أنها واحدة من أهم المناطق التي تقود هذا المجال. إذ يرتبط نمو سوق الإنزيمات بشكل مباشر بصناعة الأغذية والمشروبات، إلى جانب قطاع الرعاية الصحية والصناعة بشكل عام. وأكثر ما يلفت الانتباه في هذه المنطقة هو أن المستهلكين أصبحوا يميلون أكثر إلى المنتجات الطبيعية، وهذا ما دفع الشركات إلى استخدام الإنزيمات بدلاً من المواد الكيميائية التقليدية. كما أن القوانين الصارمة هناك تشجع على تقليل المواد الصناعية والاعتماد على المواد الطبيعية، مما جعل الإنزيمات الخيار المثالي، خصوصاً في الأغذية والتشخيصات الطبية والصناعات الحيوية.

وكذلك للإنزيمات سوق كبير في أوروبا وصلت فيه إلى حوالي 3.9 مليار دولار في عام 2025. إذ أن المستهلك الأوروبي يميل إلى المنتجات العضوية والطبيعية، مما زاد الطلب على الإنزيمات النباتية والميكروبية. وهناك دول مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة يعدون من اللاعبين المهمين في هذا المجال بفضل البحوث العلمية والتكنولوجية الحديثة التي يمتلكونها.

أما منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فهي تمثل قصة نمو سريعة ومتواصلة. فمن المتوقع أن ينمو سوق الإنزيمات هناك بمعدل كبير يصل إلى أكثر من 6% سنوياً خلال السنوات القادمة. هذا النمو يعود إلى التوسع الكبير في صناعة الأغذية، وزيادة عدد السكان، وتطور الصناعات الحيوية.

باختصار، يمكن القول إن رغيف الخبز الذي يصل إلى يدك اليوم هو نتيجة جهود متكاملة بين العلم والابتكار والتصنيع، وهذه الجهود ممتدة عبر القارات والشركات والأبحاث، والهدف النهائي لها هو تناولك رغيف خبز جيد وطبيعي وغير ضار. لذلك تبقى على الجهات الحكومية في سوريا أن تختار نوع جيد من القمح والتأكد من عملية التصنيع حتى نحصل على جودة عالية من الخبز، وربما الأهم تنويع مصادر توريد الإنزيمات والخميرة، فهو جزء من الحرب التجارية العالمية اليوم بين العالم الغربي والصين.

اقرأ أيضاً: تخفيض وزن ربطة الخبز في سوريا.. المؤشرات الاقتصادية والتداعيات المتوقعة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى