سياسة

إلى ما بعد روسيا.. دمشق تعيد رسم خريطة الطاقة؟!

الكاتب: أحمد علي

أبلغت دمشق مسؤولين أميركيين استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بصورة كبيرة، وفق ثلاثة مصادر تحدثت إلى وكالة «رويترز Reuters» في 4 آب 2026. جاء التعهد خلال مناقشات رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي آخر تسمية أميركية كبرى ما زالت تقيد انفتاح البلاد المالي والتجاري بعد إنهاء برنامج العقوبات الشامل. لم تعلن الحكومة السورية القرار، ولم تحدد المصادر موعد الخفض أو حجمه أو الدول التي ستعوض الكميات الروسية.

يصل إلى سوريا حالياً نحو 60 ألف برميل يومياً من الخام الروسي، بعد ارتفاع الشحنات بنحو 75% خلال 2026، ما جعل موسكو المورد الرئيسي للسوق السورية. تخفيض هذه الكمية يغير أحد أهم مسارات الإمداد التي نشأت بعد توقف النفط الإيراني وسقوط السلطة السابقة، لكنه لا يضمن انتقالاً سريعاً إلى مورد أميركي أو غربي. تحتاج المصافي إلى خام ملائم، وتحتاج الدولة إلى عقود وتمويل وتأمين وشحن منتظم قبل أن تتمكن من إبعاد ناقلة روسية من دون ترك نقص في الوقود أو رفع الكلفة على المستهلك.

النفط الروسي تحت المراجعة

اعتمدت سوريا على النفط الروسي بعد كانون الأول 2024 لأنها فقدت التوريد الإيراني الذي موّل تشغيل مصفاتي بانياس وحمص خلال سنوات الحرب. كانت البلاد قد تحولت من منتج ومصدر قبل 2011 إلى سوق تعاني نقصاً مزمناً، بعدما انخفض إنتاج النفط والسوائل من نحو 383 ألف برميل يومياً قبل العقوبات إلى قرابة 40 ألفاً في 2023 وفق التقديرات الدولية المتاحة آنذاك. تغيرت السيطرة على عدد من حقول الشرق خلال 2026، لكن الإنتاج المحلي لم يصل بعد إلى مستوى يغطي حاجة المصافي والسوق.

استوردت سوريا نحو 16.8 مليون برميل من النفط الروسي خلال 2025، ثم ارتفع المتوسط إلى نحو 60 ألف برميل يومياً في الأشهر الأولى من 2026. ليست هذه الكمية كبيرة في حساب الصادرات الروسية العالمية، لكنها أساسية لسوريا، لأنها تغطي جزءاً معتبراً من الخام الذي تحتاجه المصافي وتصل عبر شبكة تجارية استطاعت العمل رغم القيود المصرفية والتأمينية. استخدمت بعض الشحنات ناقلات خاضعة لعقوبات أميركية، ما أتاح التوريد لكنه أبقى دمشق داخل شبكات يصعب دمجها في التجارة الغربية النظامية.

المحادثات مع واشنطن وضعت هذا الاعتماد داخل ملف سياسي أوسع. أبلغ الرئيس دونالد ترامب الكونغرس في 8 تموز بنيته رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبدأت بذلك مهلة إخطار مدتها 45 يوماً. قالت مصادر «رويترز» إن المسؤولين الأميركيين طلبوا وحصلوا على التزام سوري بتقليص النفط الروسي، بينما نفى مسؤول في البيت الأبيض وجود رابط رسمي بين المسألتين. وقال مصدر سوري إن الجانب الأميركي أوضح أن وقف المشتريات سيحسن فرص إنجاز الرفع بسرعة ومن دون تعقيدات.

لا يثبت ذلك وجود مقايضة مكتوبة. القرار الأميركي الخاص بالقائمة يعتمد قانونياً على تقييم سلوك الدولة في دعم الإرهاب وعلى ضمانات تتعلق بالمستقبل، ولا يظهر النفط الروسي ضمن الشروط القانونية المعلنة. لكن السياسة الأميركية تجاه دمشق توسعت خلال الأشهر الأخيرة لتشمل تقليص نفوذ موسكو وتشجيع التعامل مع شركات تعدها واشنطن موثوقة، إلى جانب بحث مستقبل القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم. يدخل النفط هنا بوصفه أداة نفوذ وتمويل وحضور يومي، لا مجرد سلعة تستوردها سوريا لسد العجز.

احتفظت موسكو بعلاقة عملية مع دمشق الجديدة رغم فقدانها الحليف الذي بنت عليه تدخلها منذ 2015. استمرت شحنات الخام والقمح، وتفاوض الطرفان على مستقبل القواعد العسكرية، وظهرت خطط روسية لإقامة مركز تجاري ولوجستي في جزء من منشأة طرطوس. نفت هيئة المنافذ والجمارك السورية وجود مشروع نهائي من هذا النوع، لكن النقاش نفسه يوضح أن روسيا تحاول نقل ثقلها من الحماية العسكرية المباشرة إلى التجارة والإمدادات والخدمات اللوجستية.

تستفيد دمشق من فتح المنافسة بين الموردين، لأن الاعتماد على دولة واحدة يمنحها قدرة على التأثير في السعر وشروط السداد واستمرارية التوريد. لكن التخفيض السريع يحمل مخاطرة معاكسة. قال مسؤول في قطاع الطاقة السوري لـ«رويترز» إن تغييراً جذرياً متوقع وإن البحث عن موردين جدد بدأ، فيما لم تقدم المصادر أي تفاصيل عن عقود بديلة. إذا سبق القرار السياسي وصول الشحنات البديلة، قد تنخفض مخزونات الخام وتتراجع طاقة المصافي أو ترتفع كلفة الشراء الفوري.

البدائل قبل الخفض

لا تعني عودة الشركات الأميركية إلى قطاع الطاقة أن الولايات المتحدة ستصبح مورداً مباشراً للخام. وقعت الشركة السورية للبترول في حزيران عقداً مع «كونوكو فيليبس ConocoPhillips» و«نوفاتيرا إنرجي NovaTerra Energy» لتطوير حقول الغاز القائمة واستكشاف حقول جديدة. يستهدف المشروع زيادة إنتاج الغاز وتحسين إمدادات محطات الكهرباء، وقدّر مسؤول سوري سابقاً إمكان إضافة أربعة إلى خمسة ملايين متر مكعب يومياً خلال عام. هذه الكميات، إذا تحققت، تخفف استهلاك الفيول والمازوت في التوليد، لكنها لا تعوض فوراً النفط الخام الروسي الداخل إلى المصافي.

يتحرك المسار الغربي أيضاً في البحر. وقعت الشركة السورية للبترول في أيار مذكرة مع «توتال إنرجيز TotalEnergies» و«قطر للطاقة QatarEnergy» و«كونوكو فيليبس» لتقييم البلوك البحري رقم 3 قرب اللاذقية. قال الرئيس التنفيذي لـ«توتال» باتريك بويانيه Patrick Pouyanné في تموز إن المنطقة البحرية السورية لم تُستكشف بصورة جدية وإن الشركة تبحث الانتقال من المذكرة إلى عقد، لكنه أكد أن الوضع الأمني لا يسمح حالياً بالعودة إلى العمل النفطي البري. أي اكتشاف بحري يحتاج سنوات من المسح والحفر والتطوير قبل أن يدخل السوق.

المصدر الأسرع نظرياً هو شراء الخام من دول أخرى، وخصوصاً العراق أو منتجين في الخليج والأسواق المتوسطية. قدرة سوريا على ذلك ترتبط برفع ما تبقى من القيود الأميركية، لأن البنوك والتجار وشركات التأمين تتعامل بحذر مع الصفقات السورية حتى بعد إنهاء العقوبات الشاملة. ما زالت قائمة الدول الراعية للإرهاب وبعض ضوابط التصدير الأميركية ترفع كلفة الامتثال وتحد من تمويل العقود والمعدات، وهو ما يفسر قول المسؤولين السوريين إن تنويع الموردين يحتاج أولاً إلى إزالة التسمية.

فتح العراق مساراً عملياً عبر الأراضي السورية، لكنه بدأ حتى الآن كطريق تصدير لا كبديل مباشر للسوق المحلية. منذ نيسان تنقل مئات الصهاريج الفيول العراقي إلى مصب بانياس، ثم يُحمّل على ناقلات متجهة إلى أسواق خارجية. وصلت ثلاث شحنات من هذا المسار إلى الولايات المتحدة أو اتجهت إليها بين حزيران وتموز، وكانت الأولى تحمل نحو 716,600 برميل. تستفيد سوريا من رسوم العبور وتشغيل الميناء والخزانات، غير أن المادة عراقية والوجهة خارجية، ولم تعلن الحكومة اقتطاع كميات منها للاستهلاك المحلي.

تمنح حركة الترانزيت دمشق خبرة وإيراداً وعلاقة تجارية مع السوق الأميركية، كما تعيد تشغيل مرافق بقيت معطلة أو منخفضة الاستخدام. لكنها لا تلغي الفرق بين مرور النفط وامتلاكه. تغطية نقص 60 ألف برميل يومياً تحتاج عقد شراء مستمراً ومصدراً يقبل شروط الدفع السورية، إضافة إلى اختبار مواصفات الخام داخل المصفاة وتوفير ناقلات لا تتعرض لعقوبات أو رفض من شركات التأمين.

البديل الأكثر أهمية على المدى المتوسط هو إعادة خط كركوك–بانياس. وقعت سوريا والعراق في 18 تموز مذكرتي تفاهم لإحياء المسار خلال اجتماعات عقدت في الولايات المتحدة، ورحبت الخارجية الأميركية بالمشروع باعتباره ممراً يصل النفط العراقي بالبحر المتوسط. الخط التاريخي يستطيع، بعد إعادة البناء والتأهيل، نقل كميات تفوق ما يمكن حمله بالصهاريج وخفض كلفة النقل والحوادث، لكنه ليس جاهزاً الآن. تحتاج أجزاؤه المدمرة إلى مسح وتمويل واتفاق على التعرفة والأمن والكميات المخصصة للتصدير أو التكرير داخل سوريا.

يستطيع العراق أن يصبح مورداً وشريك عبور في الوقت نفسه. يمكن لجزء من الخام أن يدخل مصفاة بانياس، بينما يعبر الباقي إلى التصدير، وهو ترتيب يمنح بغداد منفذاً بديلاً عن الخليج ويمنح دمشق إمداداً ورسوم ترانزيت. لم تنشر مذكرتا التفاهم الصيغة المالية أو موعد التشغيل، ولذلك يبقى هذا السيناريو احتمالاً اقتصادياً يحتاج إلى عقود تنفيذ، لا مورداً يمكن الاعتماد عليه عند اتخاذ قرار فوري بخفض الشحنات الروسية.

تجري إعادة تأهيل مصفاة بانياس لاستعادة طاقة تكريرية تتجاوز 130 ألف برميل يومياً بحلول كانون الأول 2026 وفق مسؤولين في الشركة السورية لنقل النفط. رفع الطاقة الفنية من دون ضمان الخام يترك وحدات التكرير جاهزة ولكن غير مستغلة، بينما تؤدي زيادة الاستيراد من مصدر مرتفع الكلفة إلى تشغيل المصفاة مع ضغط إضافي على أسعار البنزين والمازوت. لهذا ينبغي أن يتزامن إصلاح المصفاة مع عقود إمداد متعددة، لا أن يسبقها أو يتأخر عنها.

أصبحت كلفة الاستيراد أكثر اتصالاً بالسعر الذي يدفعه المواطن. أنشأت وزارة الطاقة لجنة دائمة لمراجعة أسعار المشتقات، ثم اعتمدت نشرة يومية تربط التعديل بأسعار النفط العالمية وسعر الصرف وكلفة الاستيراد والشحن والتشغيل. خُفضت بعض الأسعار بين 14% و20% في حزيران، وتبع ذلك خفض آخر في أواخر تموز. يعني هذا النهج أن الانتقال إلى خام أغلى أو شحن أصعب قد يظهر في السوق المحلية بسرعة أكبر مما كان يحدث تحت التسعير الإداري المتباعد.

الطاقة في ميزان النفوذ

تبحث دمشق عن ثلاثة مكاسب متداخلة. الأول هو التخلص من آخر القيود الأميركية التي تعطل المصارف والاستثمار والتكنولوجيا. والثاني هو تقليل اعتمادها على روسيا من دون قطع العلاقة معها، لأن موسكو ما زالت مورداً للنفط والقمح وطرفاً في مجلس الأمن وصاحبة وجود عسكري على الساحل. والثالث هو تحويل الموقع السوري إلى ممر للطاقة بين العراق والمتوسط، بدلاً من بقاء البلاد مستورداً فقيراً ينتظر ناقلة ممولة سياسياً.

لا تتطلب هذه الأهداف انتقالاً كاملاً من موسكو إلى واشنطن. تستطيع سوريا توزيع العقود بين شركات أميركية وأوروبية وخليجية وعراقية، مع الاحتفاظ بجزء من الواردات الروسية عندما تكون الشروط مناسبة ولا تتعارض مع العقوبات. التنويع الحقيقي يقاس بعدد البدائل القابلة للاستخدام في الوقت نفسه، وليس باستبدال مورد مهيمن بمورد واحد جديد. كما أن شراء الخام من دولة عربية لا يمنع شركة أميركية من تطوير الغاز أو شركة فرنسية من استكشاف البحر.

سيخسر الجانب الروسي إذا فقد السوق السورية جزءاً من نفوذه الاقتصادي، لكنه لن يخرج من سوريا تلقائياً. النفط الروسي يشكل مساراً واحداً ضمن علاقة تشمل الحبوب والنقل والديون والقواعد العسكرية. وقد تستخدم موسكو الأسعار والتسهيلات أو التعاون في ملفات أخرى للحفاظ على حصتها. لا توجد معلومات معلنة عن موقف روسي من التعهد السوري، ولم تجب وزارتا الطاقة والخارجية الروسيتان عن أسئلة «رويترز»، لذلك لا يمكن الجزم بأن الخفض سيقود إلى أزمة سياسية بين البلدين.

تستفيد الولايات المتحدة من انتقال العقود إلى شركاتها ومن إبعاد تجارة سورية عن ناقلات وشركات روسية معاقبة. كما يمنحها الانفتاح الاقتصادي وسيلة تأثير لا تعتمد على العقوبات الواسعة التي أضرت بالسكان وأضعفت الاقتصاد. لكن مطالبة دمشق بخفض الإمداد القائم من دون توفير بدائل قابلة للتمويل قد تحول السياسة إلى ضغط على المستهلك السوري. واشنطن قالت إنها تشجع التعامل مع شركاء موثوقين، ولم تعلن ضماناً لخام بديل أو تسهيلات ائتمانية تغطي المرحلة الانتقالية.

ينعكس القرار على علاقة دمشق بمحافظات الشرق أيضاً. تملك سوريا أكبر حقولها البرية في دير الزور والحسكة، واستعادتها إلى إدارة الدولة خلال مسار دمج «قسد» تفتح إمكان رفع الإنتاج المحلي وإعادة الخام إلى المصافي. غير أن الحقول تعرضت للتخريب والإنتاج البدائي ونقص الصيانة، وتحتاج إلى استثمارات وأمن واتفاق واضح على توزيع العائدات. زيادة الإنتاج المحلي هي البديل الأقل تعرضاً للابتزاز الخارجي، لكنها تحتاج وقتاً ورأس مال قبل أن تخفض فاتورة الاستيراد.

يظهر الغاز هنا كجزء من خريطة النفط. كل زيادة في الغاز المخصص لمحطات الكهرباء تقلل الحاجة إلى حرق الفيول والمازوت، وتحرر كميات للنقل والصناعة أو تخفض الاستيراد. لهذا قد يكون عقد «كونوكو فيليبس» أكثر تأثيراً على ميزان الطاقة من صفقة خام قصيرة الأجل، رغم أنه لا يعوض البراميل الروسية مباشرة. نجاحه يعتمد على الحقول الداخلة في العقد وسرعة التأهيل وحماية المنشآت وخطوط النقل.

تحدد الأشهر المقبلة ما إذا كان الحديث تحولاً فعلياً أم ورقة تفاوض. المؤشرات القابلة للقياس هي انخفاض وصول الناقلات الروسية، وإعلان عقود جديدة للخام، ورفع اسم سوريا من القائمة الأميركية، واستقرار تشغيل مصفاة بانياس، وعدم ظهور نقص في المحطات. كما سيظهر أثر التحول في فاتورة الاستيراد وأسعار المشتقات وساعات الكهرباء، وهي نتائج لا يمكن إخفاؤها خلف تغير أسماء الشركات أو أعلام الناقلات.

قد تمنح إزالة التسمية الأميركية دمشق وصولاً أوسع إلى المصارف والتأمين والتكنولوجيا، لكنها لا تضمن تلقائياً أسعاراً أقل أو استثمارات سريعة. الشركات الغربية تطلب عقوداً واضحة وأمناً وقدرة على تحويل الأرباح، بينما تحتاج الحكومة إلى حماية المصلحة العامة ومنع تحويل الحقول والممرات إلى امتيازات مغلقة. ويجب نشر شروط العقود والكميات والتعرفة بقدر يسمح بمعرفة ما تكسبه الخزينة وما تتحمله السوق.

تستطيع سوريا إعادة رسم خريطة الطاقة إذا جمعت بين زيادة الإنتاج المحلي وتنويع الواردات وإحياء الترانزيت وتحسين الغاز والكهرباء. خفض النفط الروسي وحده يعيد رسم الخريطة السياسية للموردين، لكنه قد يترك العجز نفسه إذا لم تصل كميات بديلة. التعهد المقدم لواشنطن يفتح باباً، ولا يشكل حتى الآن خطة إمداد.

المسار الآمن يبدأ بعقود بديلة قبل تقليص الشحنات القائمة، وبمخزون يحمي السوق خلال الانتقال، ثم بخفض تدريجي يواكب تشغيل الحقول والخطوط. خلاف ذلك سينقل كلفة التحول إلى سعر الوقود وتوافره. دمشق تملك فرصة للخروج من اعتماد سياسي قديم، لكن نجاحها سيتحدد بقدرتها على بناء سوق متعددة المصادر، لا بمقدار المسافة التي تعلنها عن موسكو.

اقرأ أيضاً: هل أعاد الاجتماع الروسي السوري ترتيب أوراق موسكو ودمشق؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى