بعد إفراغ 87 مخيماً.. هل عادت الحياة إلى النازحين أم تغيّر مكان المعاناة؟

بقلم: ديانا الصالح
عائلات سورية كانت تتقاسم الخيام مع المطر والرياح لسنوات طويلة، نراها اليوم تجمع أغراضها متجهة إلى منازلها أو ما تبقى منها، ربما في كفرزيتا أو اللطامنة وغيرهما الكثير، على أمل إغلاق مخيمات النازحين واستعادة حياة فقدوها منذ اندلاع الحرب.
ومع تزايد هذه المشاهد، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إفراغ 87 مخيماً بالكامل ودمج 183 مخيماً آخر، وهذا ما يمثل مرحلةً جديدة لملف المخيمات، ما يجعل الأمل أكبر بإغلاق واحدة من أطول أزمات النزوح الداخلي في سوريا.
إفراغ 87 مخيماً والهدف إغلاق مخيمات النازحين
كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن إفراغ 87 مخيماً في مناطق الشمال، وبينت الوزارة أنه نتيجة انخفاض أعداد القاطنين، أُعيد هيكلة المخيمات مع دمج 183 مخيماً لتحسين إدارة الموارد ورفع كفاءة الخدمات، مؤكدة أهمية تكامل الجهود لدعم العائدين وتوفير المقومات لضمان استدامة الاستقرار.
وأكدت الوزارة أن قوافل العودة الإنسانية مستمرة مع رغبة الأهالي في الاستقرار، رغم التحديات وضعف الخدمات والبنية التحتية، مع استمرار الجهود لتقديم الدعم المناسب لهم وضمان الاستقرار المستدام.
المخيمات في سوريا وتحديات العودة
على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي تعكسها الأعداد المتزايدة للنازحين العائدين وإغلاق عشرات المخيمات، إلا أن أزمة النزوح الداخلي لم تنته بعد، حيث أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الأخير، أن هناك أكثر من 1.8 مليون نازح عادوا إلى مناطقهم، لكن هناك 1126 مخيماً لا يزال قائماً في شمالي البلاد وهذه المخيمات تضم ما يقارب 700 ألف نازح.
وكشف التقرير عن الأوضاع السيئة التي يعاني منها النازحون، نتيجة نقص الخدمات الأساسية وضعف البنية التحتية، فضلاً عن الفيضانات التي أغرقت عدة خيام خلال شباط الماضي، بالتالي لا بد من توفير بيئة آمنة ومستمرة للأهالي العائدين لضمان عدم تكرار النزوح.
خطوة نحو الإغلاق
مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب أحلام الرشيد، أعلنت عن عودة 174 ألف عائلة من المخيمات إلى بلداتها وقراها بعد التحرير، حيث كان هناك 266 ألف عائلة متوزعين على 1146 مخيماً قبل التحرير، لينخفض العدد الآن إلى 91 ألف عائلة متوزعين في 700 مخيم.
هذا الإعلان يرتبط مباشرة بإفراغ 87 مخيماً في مناطق الشمال ودمج 183 مخيماً آخر، لتحسين إدارة الموارد ورفع الخدمات الأساسية المقدمة.
توزيع النازحين المتبقين وأسباب بقائهم
وفقاً لمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، فإن 39% من الذين بقوا في مخيمات إدلب هم من نازحي المحافظة أنفسها، كما أن أغلبهم من الريف الجنوبي فيما تتوزع النسب الأخرى على باقي المحافظات 30% من حماة، 19% من حلب، 4.7% من حمص، 2.2% من اللاذقية، ومحافظات أخرى.
أما السبب الرئيسي لبقاء الكثيرين في المخيمات هو الدمار الكبير الذي خلفته الحرب وآثارها على المنازل إلى جانب أسباب أخرى.
أرقام قياسية وتعهدات حكومية
أكدت الرشيد أن ما تم بناؤه ورممه منذ التحرير يمكن اعتباره رقماً قياسياً، حيث رُمّم نحو 620 مدرسة في محافظة إدلب، بالإضافة إلى مستوصفات وأفران ومنشآت حكومية، وبينت أن البنية التحتية المدمرة وإعادة تأسيسها هو أولوية لدى الحكومة.
وكشفت عن خطة لتقديم قسائم شرائية أو مالية لما يزيد عن 35 ألف عائلة، وذلك على مدار 6 أشهر مقدمة من برنامج الأغذية العالمي، مما سيساعد في تقديم العون إلى جزء كبير من النازحين للعودة إلى قراهم وبيوتهم.
كما أن الحكومة تستجيب لاحتياجات الفئات الأكثر هشاشة في المخيمات، حيث تُقدم الوجبات الغذائية والمبالغ المالية والرعاية الصحية، ومن المتوقع الوصول إلى صفر مخيمات مع نهاية عام 2026.
النزوح الأكبر في تاريخ سوريا الحديث
منذ اندلاع الحرب في سوريا في عام 2011، شهدت البلاد واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في العالم، حيث اضطر الملايين من السوريين إلى مغادرة منازلهم باحثين عن الأمان.
ووفقاً لبيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد بلغ عدد النازحين داخلياً ذروته بأكثر من 7 ملايين نازح، ثم بدأت الأعداد بالتراجع التدريجي، إلا أنه وحتى العام الجاري 2026 فإن هناك 5.5 مليون نازح داخلي في البلاد، على الرغم من عودة أكثر من 1.8 مليون سوري إلى مناطقهم منذ أواخر 2024، وهو ما يعد مؤشراً على بوادر التعافي وعودة الاستقرار في عدد من المحافظات السورية.
ووفقاً للتقرير فإن هناك 76% من النازحين يقيمون خارج مواقع النزوح الرسمية، فيما يقطن نحو 24% فقط في 1,535 موقع نزوح رسمي.
تجارب مماثلة
تشير التجربة العراقية إلى أن إغلاق مخيمات النازحين لا يعني انتهاء أزمة النزوح بشكل مباشر، ففي عام 2024 أعلنت الحكومة العراقية عن خطتها لإغلاق ما تبقى من مخيمات النازحين، وشجعت الأسر على العودة إلى مناطقهم وقراهم.
وعلى الرغم من تحذير المنظمة الدولية للهجرة من أن نجاح هذه الخطوة مرهون بتوفير السكن والخدمات الأساسية، إلا أن الكثير من النازحين عادوا إلى بيوت متضررة ومبانٍ مهدمة مما أدى إلى نزوح ثانوي، وحتى الآن هناك مليون نازح داخلي في العراق، منهم 109,000 يقيمون في 21 مخيماً في إقليم كردستان.
تحديات ما بعد العودة
على الرغم من تزايد أعداد العائدين إلى قراهم، إلا أن العودة لا تعني انتهاء المعاناة، حيث تواجه العديد من الأسر تحديات كبيرة، تتمثل بتدمّر المنازل أو البنى التحتية، فضلاً عن ضعف خدمات المياه والكهرباء والتعليم والصحة، وكذلك صعوبة الحصول على الوثائق الرسمية في بعض المناطق، كما تواجه الأسر العائدة خطر مخلفات الحرب والألغام التي تعتبر أبرز خطر يهدد حياتهم.
وقد يبدو الوصول إلى شعار “صفر خيام” إنجازاً يستحق الاحتفاء، إلا أنه لن يكون كذلك في حال استبدال خيام القماش، بمنازل متصدعة وجدران أنهكتها سنوات الحرب لا توفر الأمن ولا الكرامة ولا حتى سبل العيش، فالإنجاز الحقيقي يكون عندما ترتبط العودة بتأمين السكن والخدمات وفرص العمل ومقومات العيش الكريم، عندها فقط يمكن القول أنه تم إغلاق مخيمات النزوح وإسدال الستار على ملف النزوح في سوريا.
اقرأ أيضاً: مشروع “سوريا بلا مخيمات”: حين تطوى الخيام وتبدأ رحلة العودة إلى البيت









