أعمال واستثمار

إغلاق الثانويات النفطية في سوريا يفتح سؤال البدائل ومصير الطلاب

بقلم: ريم ريّا

في السابع من أيلول الجاري، صدر قرار بإغلاق الثانويات المهنية النفطية التابعة لوزارة الطاقة في سوريا، اعتباراً من العام الدراسي 2026-2027، في خطوة تقول الوزارة إنها تأتي ضمن إعادة تنظيم التعليم المهني وربطه بصورة أكبر باحتياجات سوق العمل. وبموجب القرار، ستنقل الكوادر التدريسية والإدارية إلى المعاهد التابعة للوزارة، كما ستنقل أصول الثانويات إلى المعاهد النفطية.

لكن القرار لا يتعلق بالمباني والكوادر فقط، فهناك طلاب كانوا قد اختاروا  تخصصهم التعليمي منذ المرحلة الثانوية، وأصبحوا أمام واقع جديد يحتاج إلى معالجة واضحة. وبينما تتحدث الوزارة عن بدائل تتضمن المعاهد التقنية وأكاديمية للطاقة، يبقى السؤال: هل تستطيع هذه الخيارات أن تؤمن للطلاب المسار المهني والتعليمي “الواضح” للطلاب؟

ما الذي تقدمه الثانويات النفطية؟

مهمة الثانويات النفطية تتمحور حول إعداد خريجي التعليم الأساسي لمهن في مجالات النفط والغاز والجيولوجيا والتعدين والاستخراج.

وقد نبعت أهميتها من طبيعة هذه القطاعات التي تتطلب كوادر فنية تمتلك معرفة عملية إلى جانب التدريب النظري. أتاح توفير هذا النوع من التعليم بالقرب من مراكز أنشطة النفط والطاقة للطلاب فرصة الالتحاق بتخصصات مرتبطة مباشرة بسوق العمل المحلي، تحديداً في مناطق تواجد المنشآت النفطية مثل حمص وبانياس ودير الزور ورميلان.

ورغم قرار إغلاق هذه المدارس، لا يبدو أن الوزارة تتخلى تماماً عن التعليم الموجه لقطاع الطاقة، بل يبدو أنها تعيد توجيه تركيز التعليم الثانوي نحو المعاهد الفنية وبرامج التدريب المهني.

المعاهد الفنية.. البديل الرئيسي المطروح

تلتزم وزارة الطاقة بتعزيز المعاهد الفنية النفطية التابعة لها من خلال تحديث بنيتها التحتية واستحداث تخصصات جديدة تتماشى مع التقنيات الحديثة في قطاعات النفط والغاز والجيولوجيا والتعدين. وقد يثبت هذا النهج جدواه إذا اجتمع مع مناهج حديثة وتدريب عملي حقيقي، فسوق الطاقة لا يحتاج إلى خريجين يحملون شهادات، بل إلى فنيين قادرين على تشغيل المعدات والأنظمة والتقنيات المستخدمة حالياً.

ومع ذلك، ولكي تحل هذه المعاهد محل التعليم الثانوي بنجاح، لا بد من معالجة مسألة ضمان عدم ضياع سنوات دراسية على الطلاب أو اضطرارهم للبدء في مسار تعليمي جديد من الصفر.

يتمثل الخيار الثاني في “أكاديمية الطاقة” التي أعلنت الوزارة عن إطلاقها. وسيكون مقرها الرئيسي في حمص، مدعوماً بأربعة مراكز فرعية في كل من رميلان ودير الزور وبانياس وحريتان. ومن حيث المفهوم، قد تشكل الأكاديمية خطوة هامة إلى الأمام إذا تحولت إلى مؤسسة متخصصة تجمع بين التدريب النظري والخبرة العملية، وتكيف مناهجها مع الاحتياجات الفعلية لقطاع الطاقة.

كما، أن توزيع مراكزها في مناطق مختلفة قد يخفف العبء عن الطلاب الذين يضطرون للسفر إلى محافظات بعيدة، مع منح المناطق المرتبطة بقطاع الطاقة فرصة الاستفادة من الكفاءات التعليمية والتدريبية المحلية لديها.

اقرأ  أيضاً: قرار بإغلاق الثانويات المهنية النفطية في سوريا بدءاً من العام الدراسي 2026-2027

ماذا عن الطلاب الحاليين؟

مصير الطلاب الحاليين هو الجانب الأكثر حساسية في القرار. وفقاً لوزارة الطاقة، يجري التنسيق حالياً مع وزارة التربية لحصر أعداد الطلاب، وتصنيفهم حسب السنة الدراسية والتخصص وموقع المدرسة الثانوية بهدف معالجة أوضاعهم.ستتاح للطلاب فرصة تحديد ثلاثة خيارات مفضلة، وبناءً على ذلك، سيتم توجيههم إلى تخصص مناسب أو نقلهم إلى التعليم الثانوي العام، وذلك استناداً إلى المعايير والمتطلبات الأكاديمية المعتمدة.

يشير هذا إلى أن الوزارة لا تعتزم ترك الطلاب دون بدائل، غير أن نجاح عملية الانتقال هذه يعتمد على تفاصيل التنفيذ، مثل مواقع الدراسة، ومواءمة التخصصات، والاعتراف بالمقررات الدراسية التي أنجزت في السابق، وضمان عدم ضياع عام دراسي على الطلاب جراء عملية النقل.

هل تعد هذه البدائل قابلة للتطبيق؟ قد تكون هذه البدائل قابلة للتطبيق، بشرط ألا تقتصر عملية الإغلاق على مجرد نقل الطلاب من مبنى إلى آخر. فالهدف المعلن هو سد الفجوة في المهارات ومواءمة التعليم مع متطلبات سوق العمل، وهي أهداف تتطلب توفير ورش عمل ومختبرات ومعدات حديثة، إضافةً إلى وجود مدربين مؤهلين ومناهج دراسية تتطور بما يواكب قطاع الطاقة. كما تتطلب هذه المعاهد والأكاديمية إقامة شراكات حقيقية مع الشركات العاملة في قطاعات النفط والغاز والطاقة والتعدين، بما يتيح للطلاب اكتساب خبرة عملية وفهم طبيعة العمل قبل التخرج.

في الوقت نفسه، ينبغي عدم إغفال البعد الاجتماعي أثناء عملية إعادة الهيكلة، إذ لا يستطيع جميع الطلاب تحمل تكاليف الانتقال أو الدراسة في محافظة أخرى، تحديداً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

من إغلاق المدارس إلى إعادة هيكلة المسارات المهنية

قد يندرج قرار إغلاق هذه الثانويات ضمن مسعى أوسع لتحويل مسار التعليم المهني في سوريا، بدل من أن يكون مؤشراً على نهاية التدريب المتخصص في مجال الطاقة. ومع ذلك، فإن الفيصل بين الإصلاح الحقيقي ومجرد نقل المؤسسات من مكان لآخر يكمن في النتائج التي سيحققها الطلاب.

فإذا نجحت معاهد وأكاديمية الطاقة في توفير تعليم أكثر تخصصاً وتدريب عملي فعال، وبناء روابط ملموسة مع سوق العمل، فقد يتحول هذا القرار إلى فرصة لتحديث منظومة التعليم في قطاع النفط. أما إذا اقتصر الإجراء على مجرد نقل الكوادر والطلاب والموارد، فقد تتغير مسميات المؤسسات، لكن المشكلات الحساسة قد تظل قائمة.

ختاماً، يظل معيار قياس نجاح هذا القرار بسيطاً.. هل سيمتلك الطلاب المتخرجون من هذا المسار الجديد مهارات أفضل وفرصاً وظيفية أوسع مقارنة بالنظام السابق؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان إغلاق الثانويات النفطية يمثل إصلاحاً بالفعل أم مجرد إعادة هيكلة تنظيمية لنظام التعليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى