إعفاء أم تعقيد؟ تصديق الشهادات يوقف مستقبل الطلاب السوريين العائدين من تركيا

بقلم: ديانا الصالح
في وقتٍ نجحت فيه الشهادات الجامعية الصادرة عن فروع الجامعات التركية في شمال سوريا قبل أسابيع، في تحقيق الاعتراف والاعتماد الرسمي، بقيت شهادات التعليم الأساسي للطلاب السوريين العائدين من تركيا، عالقة عند أولى محطات الطريق التعليمي وهو تصديق الشهادات، طوابير من التصديقات والأختام والإجراءات تقف اليوم حاجزاً أمام عودة الطلاب إلى مقاعدهم الدراسية، ضمن مدنهم وقراهم وبشكل أوسع ضمن دولتهم.
تصديق الشهادات يتحول إلى أزمة
أصدرت وزارة التربية والتعليم السورية قراراً، يقضي بإعفاء الطلاب الذين حصلوا على شهادة التعليم الأساسي التركية من التقدم لامتحان شهادة التعليم الأساسي “التاسع” في سوريا، وسمحت لهم بتجاوز هذه المرحلة والانتقال بشكل مباشرة إلى المرحلة التالية بعد استكمال إجراءات القبول.
ووفقاً للوزارة فإن القرار يهدف إلى تسهيل اندماج الطلبة العائدين من تركيا، ومنعهم من خسارة عام دراسي كامل سببه اختلاف الأنظمة التعليمية بين البلدين، إلا أن الجانب التنفيذي للقرار ومنذ بدايته كشف أولى العقبات وأبرزها.
فقد ارتبط تطبيق القرار بتصديق الشهادات بشكل “أصولي”، وهذا ما وضع العديد من العائلات أمام تحدٍّ جديد لم يكن بالحسبان، خاصة أن أغلب هذه الأسر كانت قد أنهت كل أمورها في تركيا، وعادت إلى قراها ومدنها عودة نهائية، بالتالي انتهى ارتباطها الإداري داخل تركيا.
هذه الأزمة حولت قضية الشهادات بالنسبة للكثير من الطلاب من وثيقة تثبت حقهم في إكمالهم للعملية التعليمية، إلى ملف إداري ينتظر ختم من دولة أخرى ودوامة من الدوائر الرسمية.
رحلة التصديق تبدأ من تركيا
تتطلب عملية تصديق الشهادات المرور بعدة مراحل في رحلة متعبة، تبدأ من مديريات التربية الوطنية التركية في الولاية التي تقدم فيها الطالب إلى الامتحان وحصل على الشهادة فيها، حيث صدرت عنها الوثائق، ثم من القائم مقام وبعدها من وزارة الخارجية التركية، وذلك قبل اعتمادها داخل سوريا.
العديد من الأهالي أكدوا أن مديريات التربية التركية تشترط حضور أحد الوالدين لإنجاز معاملة التصديق، مما يجعل من عملية استكمال الإجراءات شبه مستحيلة بالنسبة للكثير من الأسر التي عادت بشكل نهائي إلى سوريا.
التكاليف تزيد أعباء الأسر العائدة
قرار العودة إلى سوريا لم يكن سهلاً بالنسبة للكثير من العائلات، ومع إنهائهم كل الإجراءات الإدارية أصبح من الصعب أن يعودوا فقط لتصديق الشهادات، وهذا فتح الباب أمام مكاتب الخدمات والوسطاء والسماسرة لإنجاز معاملات التصديق.
مكاتب تصديق الشهادات تطلب أرقاماً كبيرة تصل إلى 6000 ليرة تركية، أي أكثر من 125 دولار أمريكي وما يعادله بالليرة السورية يقارب مليون ونصف ليرة سورية لتصديق شهادة الصف الثامن الإعدادي.
هذا المبلغ لا يشمل أجور شحن وإرسال الوثائق أو الوكالة القانونية أو أية مصاريف إضافية، من شأنها أن تترتب أثناء إنجاز المعاملة، مما يعني أن المبلغ سيكون أكبر بكثير، وتزيد التكاليف بالطبع في حال كان الطالب في محافظة سورية بعيدة عن دمشق.
تضارب في التعليمات يزيد حالة الإرباك
يزيد من تعقيد المسألة اختلاف المعلومات المتداولة حول آليات التصديق والجهات المعتمدة لإتمامها، مصادر في وزارة التربية أكدت في تقارير محلية أن عملية التصديق تكون من الخارجية التركية، ومن الممكن أن يتم عبر القنصلية التركية في دمشق.
إلا أن القنصلية نفت إمكانية أن يكون التصديق مباشرة لديها، مشيرةً إلى أنه يجب أن تمر عملية التصديق بعدة مراحل بدءاً من الولاية التركية وصولاً للخارجية، فقط في هذه الحالة يمكن تصديقها قنصلياً وفق القوانين المعتمدة.
أدى التضارب في المعلومات إلى خلق حالة من القلق للعديد من الأسر، التي تخشى بدورها أن يفضي التأخير في استكمال الأوراق إلى ضياع فرصة تسجيل أبنائها خلال العام الدراسي الحالي.
عام دراسي مهدد بالضياع
تتزايد المخاوف لدى الأهالي يوماً بعد يوم خاصة مع اقتراب موعد بدء التسجيل للعام الدراسي الجديد، فقد تكون إجراءات التصديق سبباً مباشراً في خسارة أبنائهم لعام دراسي كامل، في الوقت الذي كان الهدف الأساسي من القرار الوزاري هو تسهيل عودتهم واندماجهم في المدارس السورية.
يتمثل تعقيد المشكلة بغياب إجراءات مرنة تراعي الظروف الاستثنائية للأهالي، التي باعت كل ما لديها في تركيا وعادت للاستقرار في سوريا، حتى أن الوثائق البديلة مثل تسلسل الدوام التي تثبت إتمام العام الدراسي للطالب، لا تُقبل بدلاً من التصديق الرسمي مما يزيد من تعقيد الوضع.
مطالب بحلول استثنائية
لا يريد الأهالي سوى حلول تسمح بقبول أبنائهم الطلبة بشكل مؤقت أو مشروط لحين استكمال إجراءات التصديق، أو اعتماد وسائل تحقق إلكترونية مباشرة بين المؤسسات التعليمية بالتنسيق مع وزارة التربية التركية، أو السماح بالتحقق المباشر من سجلات الطلبة، بدلاً من إلزام الأسر بإجراءات تستغرق منهم أشهراً، لتجنب تعطيل مستقبل الطلاب الدراسي.
يبقى مستقبل هؤلاء الطلبة ينتظر تنسيقاً رسمياً، يحوّل الإعفاء المُعلن من مجرد نص قانوني إلى فرصة حقيقية تضمن حق الطلبة في التعليم دون أعباء مالية أو إدارية إضافية، فهل من المعقول أن يتحول قرار لتسهيل انتقال الطلاب إلى زوبعةٍ من الإجراءات الإدارية والتنفيذية؟
اقرأ أيضاً: الجامعات التركية في الشمال السوري: تعليم عابر للحدود أم اختبار جديد لسيادة الدولة؟









