إعادة فتح مطار حلب والممرات الجوية يعزز الإيرادات وسط الاضطرابات الإقليمية

بقلم هلا يوسف
تحولت الأجواء السورية إلى مسرح لاستقبال الصواريخ الإيرانية والإسرائيلية المتقاتلة فيما بينها. مما فرض حظر للملاحة من جهة مطار دمشق الدولي في جنوب سوريا، بينما يبدو أن حركة الملاحة في شمال سوريا بدأت تستعيد رحلاتها بشكل بسيط بعد إعلان فتح ممر جوي بين مطار حلب الدولي ومناطق البحر الأبيض المتوسط. حيث أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عن خطوات جديدة لإعادة تنشيط حركة الطيران تدريجياً، عبر إعادة تشغيل مطار حلب الدولي وفتح عدد من الممرات الجوية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الربط الجوي وتسهيل حركة السفر والإمدادات.
وأكدت الجهات المعنية أن هذا القرار جاء بعد تقييمات فنية وتشغيلية أجرتها الجهات المختصة بإدارة المجال الجوي، إضافة إلى اجتماع طارئ لإدارة الحركة الجوية لمراجعة التطورات الإقليمية وتأثيرها على سلامة الطيران في الأجواء السورية. وبحسب البيان الرسمي للهيئة، فقد تقرر إعادة فتح ممر جوي ينطلق من مدينة حلب باتجاه البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب إعادة تشغيل الممرات الجوية في القطاع الشمالي من المجال الجوي السوري باتجاه تركيا، بالتوازي مع استئناف العمل في مطار حلب الدولي.
تشغيل الممرات الجوية واستئناف الرحلات
أوضحت الهيئة أن الهدف من إعادة فتح الممر الجوي الجديد هو توفير مسارات تشغيل آمنة للطائرات القادمة والمغادرة من مطار حلب الدولي ضمن شبكة المسارات الجوية المتاحة حالياً. وأكد رئيس الهيئة عمر الحصري أن هذا المسار ليس مخصصاً حصراً للخطوط الجوية السورية، بل يمكن لجميع شركات الطيران الأجنبية استخدامه شريطة الالتزام بمعايير السلامة الدولية والإجراءات التنظيمية المعتمدة والحصول على التصاريح اللازمة.
وشهد المطار بالفعل أولى خطوات استئناف الحركة الجوية، حيث انطلقت أول رحلة للخطوط الجوية السورية من مطار حلب الدولي إلى مدينة إسطنبول يوم الخميس ووصلت بسلام. بينما تنطلق اليوم الأحد 8 آذار، رحلتين بين حلب وجدة، الأولى تنطلق من حلب عند الساعة 17:45، والثانية عند الساعة 20:55، مع رحلة عودة من جدة إلى حلب في اليوم نفسه. وفي يوم الاثنين 9 آذار، يتضمن الجدول رحلة من حلب إلى إسطنبول عند الساعة 17:30، على أن تعود الطائرة من إسطنبول إلى حلب عند الساعة 20:25، في خطوة تعكس بدء انتظام الرحلات تدريجياً عبر المطار.
كما أشار الحصري إلى أن شركة “الملكية الأردنية” ستستخدم هذا المسار الجوي أيضاً ضمن رحلاتها بين عمان وحلب، في إطار خطة إعادة تنشيط الحركة الجوية تدريجياً عبر المطار.
وكانت الهيئة قد أعلنت في الثالث من آذار الحالي إعادة افتتاح مطار حلب الدولي وتشغيل الممرات الجوية في القطاع الشمالي من المجال الجوي السوري باتجاه تركيا اعتباراً من صباح الرابع من آذار 2026، بعد إجراء تقييم شامل للأوضاع التشغيلية والأمنية. في المقابل، تقرر الإبقاء على إغلاق بقية الممرات الجوية في مطار دمشق الدولي حتى إشعار آخر.
اضطرابات إقليمية وتغيرات في مسارات الطيران
تأتي هذه الخطوات في وقت يشهد فيه قطاع الطيران في الشرق الأوسط حالة من الارتباك غير المسبوق نتيجة الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تبعها من رد إيراني عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت مناطق في الخليج. وقد أدى ذلك إلى إغلاق المجالات الجوية في عدد من الدول، من بينها إيران وإسرائيل وقطر والإمارات والكويت والبحرين والعراق، ما تسبب في تعطل واسع لحركة الطيران.
وتوقفت حركة النقل الجوي التجاري في العديد من المطارات الرئيسية في المنطقة، بما فيها مطارا الدوحة ودبي، أحد أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالمسافرين الدوليين، لعدة أيام متتالية. كما ألغيت آلاف الرحلات الجوية لشركات طيران كبرى مثل طيران الإمارات، قطر إيرويز، الاتحاد للطيران، الخطوط الجوية التركية، الخطوط الجوية الفرنسية، كي إل إم، لوفتهانزا، دلتا إيرلاينز وويز إير، بينما اضطرت شركات أخرى إلى إعادة جدولة مساراتها لتجنب الأجواء المغلقة.
وبحسب بيانات موقع تتبع الرحلات الجوية “فلايت رادار 24″، أصبح تجنب الطائرات التجارية للأجواء الواقعة فوق إيران والعراق وسوريا ولبنان وإسرائيل والكويت والأردن واضحاً، حيث اتجهت العديد من الرحلات إلى مسارات بديلة إما شمالاً عبر بحر قزوين أو جنوباً عبر مصر والسعودية.
ورغم أن هذه التحويلات تضمن مستوى أعلى من السلامة، إلا أنها تؤدي إلى ما يعرف في قطاع الطيران “بانضغاط المجال الجوي”، حيث تضطر الطائرات إلى استخدام مسارات بديلة محدودة وأكثر ازدحاماً. ويترتب على ذلك زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف التشغيل، إذ قد ترتفع نسبة استهلاك الوقود في بعض الرحلات المحولة بما يتراوح بين 10 و20 في المئة، عدا عن زيادة تكاليف الطواقم والتأمين.
والجدير بالذكر أن المجال الجوي السوري يعد من الممرات الجوية المهمة في غرب آسيا بسبب موقعه الجغرافي الذي يربط بين عدد من أهم خطوط الطيران العالمية. فقبل سنوات الحرب كان يشكل أحد المسارات المفضلة لشركات الطيران التي تسلك أقصر الطرق الجوية بين أوروبا وجنوب وشرق آسيا، وكذلك بين دول الخليج وشمال إفريقيا وشرق أوروبا، الأمر الذي منح الأجواء السورية أهمية استراتيجية في شبكة الملاحة الجوية الدولية.
ويخضع المجال الجوي في سوريا لمبدأ السيادة الجوية الكاملة المنصوص عليه في اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، والذي يمنح كل دولة الحق الحصري في إدارة وتنظيم استخدام أجوائها، بما يشمل منح أو رفض حقوق التحليق، وتحديد إجراءات السلامة، وإصدار إشعارات الطيران الخاصة بالمخاطر أو التغييرات التشغيلية.
وخلال السنوات الماضية، أدى تراجع حركة الطيران فوق الأجواء السورية إلى خسارة مورد اقتصادي مهم، إذ تشكل رسوم التحليق التي تدفعها شركات الطيران مقابل عبور الأجواء أحد مصادر الإيرادات للدول الواقعة على ممرات جوية مزدحمة. ومع انخفاض أعداد الرحلات بسبب الصراع، تراجعت هذه الإيرادات بشكل ملحوظ. والآن مع توقف حركة الطيران في مطار دمشق الدولي، وفتح الممرات الجوية لمطار حلب الدولي، هذا يعني استفادة جزئية للطيران السوري في حال استخدمت الدول الأخرى هذه الممرات.
وعلى المدى القريب، في الغالب سيبقى الوضع متقلباً في ظل استمرار التوترات الإقليمية، ما قد يؤدي إلى تغييرات إضافية في حركة الملاحة الجوية. أما على المدى المتوسط، فقد يتيح أي قدر من الاستقرار الإقليمي عودة الأجواء السورية تدريجياً إلى أداء دورها التقليدي كممر عبور مهم.
في النهاية، تحاول الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي التكيف مع الاضطرابات الإقليمية الحاصلة، عبر فتح ممرات جوية في الشمال. وعلى الرغم من بقاء مطار دمشق مغلقاً حتى الآن، إلا أن عودة مطار حلب الدولي للعمل قد يشكل محطة العودة التدريجية للطيران السوري كاملاً للعمل.
اقرأ أيضاً: آثار سريعة ومباشرة على سوريا في حال بقاء الحرب الأمريكية – الإيرانية ضمن سقف محدود









