المجتمع السوري

“الكرات الطينية” كوسيلة لتشجير الغابات المحترقة: تجربة تطبق في اللاذقية

بقلم هلا يوسف

لا تزال قضية حرائق الغابات التي حصلت في اللاذقية العام الماضي تلاحق الجهات المعنية بعد زوال قسم كبير من الغطاء النباتي في تلك المنطقة. لذلك جاءت الاستجابة لإعادة التشجير ومعالجة آثار الحرائق ضرورة تفرضها الطبيعة علينا. فتحرك وزارة الزراعة لمعالجة الغابات عبر وضع عدد من الخطط والأساليب. ومن بين هذه الوسائل برزت تقنية الكرات الطينية أو ما يُعرف “بكرات البذور”، والتي تقوم على تغليف البذور داخل خليط من الطين والسماد العضوي ليتم نثرها في الأراضي المتضررة بانتظار أن تبدأ عملية الإنبات مع أولى الأمطار. وقد بدأت هذه الفكرة تتوسع عالمياً بعد نجاح تجاربها في أكثر من بلد، من بينها إيطاليا والصين، قبل أن تنتقل إلى بلدان ومناطق مختلفة من العالم.

حيث تحولت هذه التقنية إلى جزءٍ من خطط إعادة تأهيل الغابات في سورية، حيث بدأت مديرية الزراعة في اللاذقية بتطبيقها لمشاريع إحياء الغابات التي دمرتها حرائق العام الماضي، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة مثل الطائرات المسيرة والمروحيات في عملية نثر الكرات على المساحات المحترقة.

تطبيق الكرات الطينية في اللاذقية: بين التجربة والطموح البيئي

تأتي هذه الخطوة ضمن خطة أوسع لإعادة تأهيل الغابات المتضررة من الحرائق الكبيرة التي شهدها ريف المحافظة الشمالي، والتي قضت على أكثر من 16 ألف هكتار من الغابات الحراجية، إضافة إلى تضرر آلاف الهكتارات الزراعية و45 قرية. وقد واجهت فرق الإطفاء حينها صعوبات كبيرة في السيطرة على النيران نتيجة التضاريس الوعرة والرياح القوية ووجود مخلفات الحرب، بالرغم من مشاركة فرق دعم من عدة دول.

وبعد انتهاء الكارثة، بدأت وزارة الزراعة مرحلة جديدة من العمل ترتكز على إعادة الحياة إلى الغطاء النباتي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الغابات المتضررة تضم أنواعاً متعددة من النبات يصل إلى نحو 630 طرازاً وراثياً. لذلك جرى جمع البذور من الأشجار السليمة القريبة من مناطق الحريق، واعتماد خطة مرنة للتعامل مع طبيعة كل موقع، فالمناطق القابلة للتجدد الطبيعي يتم تركها لتستعيد نفسها، بينما يتم استخدام تقنيات التدخل المباشر مثل نثر البذور أو الكرات الطينية في المناطق المتضررة بشكل أكبر.

وتؤكد المشرفة على التجربة ميساء كعكة أن كرات الطين تُعد وسطاً مناسباً لنمو البذور، حيث تتكون من تربة وسماد ومادة رابطة، وتشكل ضمن بيئة رطبة لضمان تماسكها. أما في مشتل هنادي، فقد تم تجهيز نحو 40 ألف كرة تحتوي على بذور لأنواع حراجية متعددة، من بينها الغار والخرنوب والصنوبر البروتي والثمري، مع الحرص على تجفيفها في الظل لتفادي التشقق، على أن تُعاد العملية بشكل مستمر كل موسم تشجير.

تجارب دولية: من اليابان إلى ماديرا

ليست تجربة اللاذقية معزولة عن التجارب العالمية، إذ تعود جذور هذه التقنية إلى اليابان، حيث طورها المزارع ماسانوبو فوكوكا ضمن فلسفة الزراعة الطبيعية المعروفة باسم “نيندو دانغو”، والتي تقوم على ترك الطبيعة تقوم بدورها مع الحد الأدنى من التدخل البشري.

ومع تطور الزمن، انتقلت هذه الفكرة ليتم تطبيقها في مناطق واسعة من العالم، خصوصاً في أوروبا. ففي جزيرة ماديرا البرتغالية، وبعد حرائق طالت آلاف الهكتارات، لجأت السلطات إلى استخدام كرات البذور في إعادة تأهيل المنحدرات الشديدة الانحدار التي يصعب الوصول إليها. وتم استخدام الطائرات المسيرة لإسقاط الكرات في المناطق المتضررة، مع التركيز على الأنواع المحلية لتفادي أي خلل في النظام البيئي. وقد أظهرت الدراسات في البيئات المتوسطية أن هذه الطريقة يمكن أن تحسن نسب الإنبات عندما تكون الظروف المناخية مناسبة ويتم اختيار التوقيت الصحيح لهطول الأمطار.

بين النجاح والتحديات: تقنية واعدة ولكن غير كافية وحدها

تأتي أهمية الكرات الطينية لكونها تعمل على حماية البذور داخل غلاف طيني يحافظ عليها إلى أن تتحسن الظروف البيئية، وعند هطول الأمطار يبدأ هذا الغلاف بالتحلل تدريجياً، مما يتيح للبذور فرصة أفضل للإنبات والنمو دون الحاجة إلى تجهيزات معقدة للموقع.

كما تمتاز هذه الطريقة ببساطتها وانخفاض تكلفتها، إذ يمكن إنتاجها بمواد محلية متوفرة، مما يجعلها خياراً مناسباً للمشاريع الصغيرة أو الجهود المجتمعية التي تعتمد على مشاركة المتطوعين. كما أنها ملائمة جداً للمناطق الوعرة أو البعيدة التي يصعب الوصول إليها أو استخدام الآلات الزراعية فيها.

ومع ذلك، فإن هذه المزايا لا تعني أن النتائج مضمونة في كل الحالات، إذ تختلف نسبة النجاح بشكل كبير بحسب طبيعة المناخ وكمية الأمطار ونوع البذور المستخدمة. ففي بعض البيئات قد لا تتحقق معدلات إنبات كبيرة، خصوصاً إذا لم تتوفر الرطوبة الكافية لتفكيك الغلاف الطيني في الوقت المناسب، كما أن بعض الأنواع النباتية قد لا تستجيب لهذه الطريقة بشكل جيد مقارنة بالزراعة التقليدية.

كما يجب أن لا ننسى قساوة الحياة البرية، حيث يمكن أن تتعرض البذور لهجوم من القوارض والطيور والنمل الحاصد، مما يقلل من فرص نجاح الإنبات. كما قد تتضرر الشتلات الصغيرة فيما بعد بسبب الرعي أو الحفر من الحيوانات الصغيرة أو الكبيرة. ولمواجهة هذه المشكلة، يتم اللجوء إلى وسائل حماية مختلفة، مثل تغليف البذور بمواد طبيعية أو إضافات تحد من جذب الحيوانات، إضافة إلى اختيار توقيت النثر بعناية بحيث يتزامن مع اقتراب موسم الأمطار، مما يقلل فترة تعرض البذور للخطر.

كما يمكن استخدام وسائل أخرى لحماية المواقع المزروعة، مثل إنشاء سياجات بسيطة أو استخدام أغطية قابلة للتحلل لحماية الشتلات في مراحلها الأولى، خصوصاً في المناطق التي تتعرض لرعي مكثف. وفي بعض الحالات، يتم الاعتماد على أساليب أكثر دقة مثل توزيع نباتات أقل جاذبية للحيوانات أو استخدام وسائل طبيعية للمساعدة في الحد من أعداد القوارض. ومع ذلك، تبقى هذه الإجراءات مكملة وليست حلاً نهائياً للمشكلة.

ولا يمكن إغفال عامل المياه الذي يعد من أهم عناصر النجاح في أي مشروع لإعادة التأهيل البيئي. فحتى في البيئات المتكيفة مع الجفاف، تظل السنوات الأولى من عمر النبات مرحلة حساسة جداً، وقد يؤدي نقص الأمطار إلى فشل كامل في عملية الإنبات أو ضعف كبير في نمو الشتلات. لذلك، تعتمد بعض المشاريع على تحسين ظروف التربة أو توفير مصادر مياه إضافية عند الحاجة، إضافة إلى اختيار أنواع نباتية أكثر قدرة على التكيف مع الجفاف لضمان فرص نجاح أعلى.

كما تظهر تحديات أخرى تتعلق بانتشار الأعشاب الضارة التي قد تنافس النباتات المحلية على الموارد وتعيق نموها، مما يستدعي متابعة مستمرة وإدارة دقيقة للمواقع المزروعة، خاصة في المراحل الأولى. بالإضافة إلى أن بعض البيئات تواجه مشكلة إضافية مرتبطة بتغيرات كيميائية في التربة مثل زيادة النيتروجين الناتج عن التلوث، وهو ما قد يؤدي إلى اختلال التوازن النباتي لصالح الأنواع السريعة النمو على حساب التنوع الطبيعي.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تبقى الكرات الطينية أداة مفيدة لإعادة تأهيل الغابات في حال توفرت لها الاحتياطات المناسبة، خصوصاً إذا تم دمجها مع أساليب أخرى مفيدة. والجدير بالذكر أنها ليست حلاً بديلاً عن الزراعة التقليدية، لكنها تفي بالغرض بنسبة معينة قد تصل في أفضل الأحوال إلى 60%، مع إمكانية تحسين فعاليتها من خلال التخطيط الجيد ومراعاة طبيعة كل بيئة على حدة.

اقرأ أيضاً: بعد حرائق غابات اللاذقية.. ما هي خطة وزارة الزراعة لتعويض الغطاء النباتي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى