إضراب أفران الحسكة يكشف ضعف الأمن الغذائي وضغوط التكلفة المعيشية

بقلم: ريم ريّا
الخبز يمثل جزءاً من جوهر الأزمة الاقتصادية السورية، ليس فقط كرمز، بل كدليل يومي على محاولة الشعب التأقلم مع صعوبات الحياة. لم يكن إضراب الأفران في محافظة الحسكة حادثة معزولة، بل كان نتيجة مباشرة لسلسلة من القرارات الاقتصادية التي رفعت تكاليف الإنتاج إلى مستويات غير مستدامة، مما وضع الخبازين والمستهلكين في وضع غير مواتٍ.
بعد رفع سعر المازوت يدفع الأفران في الحسكة إلى الإضراب
أدى قرار الإدارة الذاتية برفع سعر المازوت للمخابز بنحو 300% إلى شلّ قطاع السياحة والمخابز الحرفية في الحسكة. وقد أضرب أكثر من 30 مخبزاً، بينما أغلقت مخابز أخرى، لا سيما في القامشلي، أبوابها نهائياً. لم يكن هذا القرار مفاجئاً، بل كان تتويجاً لسلسلة من المشاكل، إلى جانب ارتفاع أسعار الدقيق والأكياس الفارغة والعمالة والنقل والكهرباء، مما جعل استمرار الإنتاج أمراً محفوفاً بالمخاطر.
وقد اضطرت المخابز، المضطرة لشراء المازوت بأسعار باهظة من السوق السوداء، إلى مواجهة عبئ يومي لا يطاق على تكاليف تشغيلها، في حين بقي سعر ربطة الخبز عند 4000 ليرة سورية رغم هذه الزيادة، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة للمواطنين مرهق لهم أيضاً.
اقرأ أيضاً: أزمة الخبز في دير الزور: ثغرات أعمق من مجرد طحين رديء.. ما القصة؟
الأهالي بين خيارين أحلاهما مرّ.. خبز عام منخفض الجودة أو خبز سياحي مرتفع التكلفة
في الجهة المقابلة، لا يبدو وضع السكان أفضل حالاً، إذ يعتمد كثيرون على الخبز السياحي بسبب رداءة الخبز المنتج في الأفران العامة وقلة توفره، رغم ارتفاع سعره. ومع حاجة الأسرة الواحدة إلى ربطتين يومياً، تصل الكلفة الشهرية إلى نحو 240 ألف ليرة، وهو رقم يبتلع جزءاً كبيراً من دخل الموظفين الذين لا تتجاوز رواتبهم في كثير من الحالات 100 دولار.
هذا الواقع يضع الأهالي أمام خيارات محدودة، إما الانتظار الطويل للحصول على خبز أقل جودة، أو دفع كلفة مرتفعة لخبز أفضل، في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وما تبعه من موجة غلاء شملت النقل والكهرباء والمواد الغذائية.
تداعيات اقتصادية أوسع تكشف ترابط القطاعات
لم يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الوقود على المخابز فحسب، بل طال قطاعاتٍ عديدة من اقتصاد الحسكة. فقد ارتفعت تكاليف النقل بشكلٍ ملحوظ، وزاد سعر الكهرباء لكل أمبير بنسبة تصل إلى 60%، مما أثر بشكلٍ مباشر على أسعار السلع والخدمات.
هذه العلاقة المتبادلة بين أسعار الوقود والقطاعات الأخرى جعلت من هذا القرار حافزاً للتضخم الواسع النطاق، لا سيما في اقتصاد محلي يعتمد اعتماداً كبيراً على الطاقة، نظراً لعدم تحسن مستويات الدخل. ومع ركود الأجور، يصبح أي ارتفاع في التكاليف عبئا مباشراً على المستهلك، الذي ينتهي به المطاف دائماً في ذيل المعادلة.
مخاوف من أزمة خبز متفاقمة في ظل استمرار الإضراب وغياب حلول
مع استمرار الإضراب، واحتمالية امتداده إلى المزيد من المخابز، تتزايد المخاوف من أن تواجه المنطقة أزمة خبز حقيقية، لا سيما مع الضغط المتوقع على المخابز الحكومية التي تعاني أصلاً من انخفاض الإنتاج وتدني الجودة. يقول الخبازون إن استئناف العمل يعتمد على مراجعة أسعار المازوت أو تعديل أسعار الخبز لمراعاة التكاليف الجديدة، في حين يجب حماية المستهلكين من تراجع قدرتهم الشرائية. في مواجهة هذين الموقفين المتعارضين، تبرز الحاجة إلى سياسة متوازنة تراعي هشاشة قطاع المخابز باعتباره عنصراً أساسياً في الأمن الغذائي، لأن ترك الأمور على حالها سيدفع إلى أزمة أعمق… وسيكون الخبز، كالعادة، أول ضحاياها.









