إدلب: «الخدمة المؤقتة» في المخيمات… شتاء يفضح كل شيء

الكاتب: أحمد علي
تتحرك الجرافات ببطء فوق طبقات من الحجارة والحديد المتشابك، وفي كل مرة يختفي جزء من المشهد المهدّم يبرز سؤال جديد عن الطريق الذي ستسلكه المدن بعد أن تُفتح شوارعها من جديد. حملة رفع الأنقاض في محافظة إدلب لا تبدو مجرد عمل خدمي، فهي تقف عند تقاطع العودة من النزوح، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وإدارة المخاطر الكامنة تحت الركام، ولذلك تحولت سريعاً إلى موضوع نقاش عام يتجاوز حدود الهندسة إلى أسئلة المنفعة والعدالة والشفافية.
إزالة الركام في إدلب
بحسب الوكالة العربية السورية للأنباء، انطلقت في 19 شباط 2026 حملة شاملة لإزالة وترحيل الركام في محافظة إدلب بدءاً من مدينة كفرنبل، بمشاركة مجلس المدينة وفرق الدفاع المدني وفعاليات أهلية، وقد قُدمت الحملة باعتبارها خطوة لتحسين الواقع الخدمي وتسريع عودة الأهالي إلى مناطقهم. وتزامن ذلك مع حديث رسمي عن مشروع يمتد ثمانية أشهر ويستهدف رفع ما لا يقل عن 600 ألف متر مكعب من الركام من الطرقات والأماكن العامة في خان شيخون ومعرة النعمان وجسر الشغور وأريافها، وهي مدن عانت دماراً واسعاً وتراجعاً حاداً في الخدمات.
وفي المعطيات قيل إن المشروع يُنفذ عبر مقاولين متخصصين، ويُعرض على أنه امتداد لعمليات سابقة رفعت نحو 450 ألف متر مكعب خلال العام الماضي، ما يجعل الرقم الجديد مؤشراً على انتقال العمل من حملات متفرقة إلى خطة أطول نفساً.
خرائط العمل وأولوية المدن
تركيز الحملة على خان شيخون ومعرة النعمان وجسر الشغور يحمل بُعدين في آن واحد، فهذه المدن تقع على محاور حركة تصل الريف بالمدن الكبرى، وإعادة فتح طرقها الداخلية والخارجية تعني تخفيف كلفة الوصول إلى المدارس والأسواق والمراكز الصحية، كما تعني عملياً تحسين شروط عودة من يفكرون بالرجوع من المخيمات.
في المقابل، يرى مهتمون بالأمر أن إزالة الأنقاض وحدها لا تكفي لعودة مستقرة إذا بقيت شبكات المياه والكهرباء خارج الخدمة أو ظل التعليم والرعاية الصحية محدودين، لأن العودة في هذه الحالة قد تتحول إلى تجربة قصيرة تعيد إنتاج النزوح مرة أخرى. لذلك تتقدم أسئلة الأولوية، هل يبدأ العمل حيث يحقق أكبر أثر خدمي مباشر، أم حيث يحقق أسرع عائد اقتصادي، أم حيث تكون الأرض جاهزة من ناحية السلامة وإثبات الملكية، وهي أسئلة يصعب فصلها عن بعضها في واقع متداخل.
الكلفة الخفية لعمليات النقل
لا يزول الركام بمجرد رفعه، بل يتحول إلى سلسلة لوجستية تبدأ بالتحميل وتنتهي في موقع تجميع أو معالجة أو طمر، وبين البداية والنهاية تتراكم التكلفة في بند النقل تحديداً. فالمسافة التي تقطعها الشاحنات، وحالة الطرق، وتوفر الوقود، وعدد ساعات العمل، كلها عوامل قد تجعل نقل الركام أثقل من رفعه، خصوصاً عندما لا توجد مواقع قريبة مجهزة للاستقبال.
وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لا توجد في البيانات العلنية أرقام تفصيلية لكلفة إزالة الركام في إدلب ضمن المشروع الحالي، غير أن خبرات دولية في إدارة مخلفات الكوارث تؤكد أن التخطيط للنقل والمسارات وتوقيت الشاحنات عنصر حاسم لتقليل الهدر وتقليل الغبار والحوادث. كما يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مواد منشورة عن أعمال إزالة ركام مرتبطة بزلزال شباط 2023 إلى أن التمويل وُجه أيضاً لخلق فرص عمل مؤقتة وتحسين الوصول إلى الخدمات عبر إصلاح طرق باستخدام مواد معاد تدويرها، وهو تذكير بأن الكلفة ليست مالاً فقط، بل هي أيضاً فرص عمل تُخلق أو تضيع بحسب نموذج التنفيذ.
إلى أين تذهب الأنقاض
وجهة الركام هي النقطة التي تحدد من يستفيد على المدى القريب، فإذا كان المسار ينتهي بمكب بعيد، فإن المستفيد الأول يكون قطاع النقل والمقاولات، أما إذا كان المسار يتضمن فرزاً وتدويراً، فتنشأ قيمة مضافة يمكن أن تنعكس على أسعار مواد البناء المحلية.
وتتحدث تقارير عن مشاريع في شمال غرب سوريا عن مبادرات تقودها جهات مدنية لإعادة تدوير الركام عبر فرزه واستخراج الحديد ثم طحن الجزء الخرساني لإنتاج مواد تستخدم في صناعة البلوك والإنترلوك وفي تحسين الطرق الزراعية، وهي مقاربة يُقال إنها تخفف الضغط على المقالع وتقلل كلفة إعادة البناء على السكان.
وفي سياق بحثي، أشارت جامعة شيفيلد إلى نتائج تفيد بإمكانية استبدال ما يصل إلى نصف المواد الخام في الخرسانة بمواد ناتجة عن إعادة تدوير الركام دون تأثير كبير على الأداء، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش محلي حول ما إذا كانت إزالة الركام في إدلب ستتجه إلى حلول سريعة تركز على الترحيل فقط، أم إلى حلول تدمج التدوير ضمن سلسلة العمل ولو جزئياً. غير أن هذا الخيار يرتبط بشروط، منها توفر معدات طحن وفرز، ووجود معايير جودة، وقدرة على إدارة المواد الخطرة التي قد تختلط بالأنقاض.
المستفيدون والمخاطر وحقوق الملكية
عند سؤال من يستفيد أولاً من إزالة الركام في إدلب، تظهر إجابة قصيرة تتعلق بالعقود، فالمقاولون ومالكو الآليات الثقيلة وورش الصيانة يحصلون على حركة عمل فورية، ويتبعهم عمال التحميل والسائقون، ثم تأتي استفادة أوسع حين تُفتح الطرق وتعود التجارة المحلية تدريجياً. لكن الصورة لا تكتمل من دون الحديث عن المخاطر، فالركام قد يخفي ذخائر غير منفجرة أو ألغاماً أو مواد حادة وملوثة، وقد حذرت الخوذ البيضاء في بيانات وتقارير من أن مخلفات الحرب ما زالت تشكل تهديداً قاتلاً وتعطل الزراعة والعودة الآمنة، ما يجعل التنسيق بين فرق إزالة الأنقاض وفرق المسح الهندسي ضرورة لا ترفاً.
وإلى جانب السلامة، تبرز عقدة الحقوق، إذ أشارت تغطية الوكالة السورية للأنباء إلى أن العمل الحالي يركز على الطرقات والأماكن العامة، بينما تبقى أنقاض المنازل مرتبطة بتعقيدات قانونية وإجرائية، وهي نقطة حساسة لأن إزالة أنقاض بيت ما قد تُفهم اجتماعياً كإشارة إلى مصير الملكية أو إلى قرار إعادة البناء، لذلك يطلب كثيرون وجود آليات واضحة للتوثيق وإبلاغ المالكين وضمان عدم ضياع ما يمكن إنقاذه من مقتنيات أو وثائق.
في المحصلة، تبدو إزالة الركام في إدلب بداية ضرورية لكنها ليست نهاية الطريق، فهي تفتح المجال لتحسين الحركة والخدمات وتخفيف المخاطر الصحية والبيئية، وفي الوقت نفسه تطرح أسئلة عن مكان الأنقاض بعد رفعها، وعن كلفة النقل ومن يتحملها، وعن إمكانات التدوير كخيار اقتصادي وبيئي، وعن قواعد تحمي حقوق الناس في مدينة تحاول أن تتذكر شكلها قبل أن تبني شكلاً جديداً.
اقرأ أيضاً: زراعة الفراولة: ذهب أحمر يزهر شتاء ويثمر أملاً من طرطوس إلى إدلب









