أعمال واستثمار

إذا كانت المشكلة معروفة والمطالب مطروحة منذ فترة.. فلماذا ما زالت البساتين تدفع الثمن؟

بقلم: ريم ريّا

أيعقل أن تبقى بساتين في ريف دمشق بلا مياه سقاية لأكثر من 50 يوماً، بينما تبدأ أشجار معمرة تجاوز عمر بعضها 70 عاماً بالدخول في مرحلة اليباس؟

في أشرفية الوادي، لم يعد الجفاف مجرد مشكلة موسمية، بل تحول إلى تهديد مباشر لأشجار يعتمد عليها الأهالي في الغذاء والدخل، وسط مطالب متكررة بإيجاد مصدر للمياه قبل أن يصبح إنقاذ البساتين أصعب وأكثر كلفة.

المشكلة لا تتعلق بانخفاض الأمطار وحده، فقد أدى تراجع موارد نهر بردى وجفاف مصادره إلى فقدان البساتين مصدر السقاية الذي اعتمدت عليه خلال سنوات طويلة. ومع توقف المياه عن الوصول إلى سرير النهر، وجد المزارعون أنفسهم أمام خيارات محدودة، أبرزها شراء مياه الصهاريج، وهي كلفة لا يستطيع كثيرون تحملها، بالتحديد أن الأشجار تحتاج إلى سقاية متكررة خلال فترات الحرارة والجفاف.

أشجار عريقة تنتظر المياه

بدأت تظهر علامات الجفاف على أنواع مختلفة من الأشجار، بما في ذلك الحور والصفصاف والدلب والجوز والمشمش والدراق والسفرجل. مما يعرض هذه الأشجار المثمرة والمعمرة لخطر الهلاك بعد عقود من البقاء والعطاء. ولا تقتصر الخسارة هنا على موسم زراعي واحد، فالشجرة الجديدة تحتاج إلى سنوات عديدة لتصل إلى مستوى من النمو والإنتاجية يضاهي الأشجار الناضجة.

كذلك، يهدد نقص المياه المستمر المواسم الزراعية القادمة، فالإجهاد المائي يضعف الأشجار ويقلل من قدرتها على الإزهار والإثمار، ويزيد من قابليتها للإصابة بالآفات والأمراض. وإذا طال أمد الجفاف لأشهر، فقد تمتد الأضرار لتشمل الجذور والتاج الشجري، مما قد يجعل بعض الأشجار غير قابلة للتعافي.

اقرأ أيضاً: من الجفاف إلى الفيضان: قصة فيضانات نهر الفرات

لماذا لا يتم تشغيل الآبار؟

يطرح هذا الوضع سؤالاً بين السكان في أشرفية الوادي، إذا كانت الآبار موجودة بالفعل، فلماذا لا يتم تشغيلها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

تتمحور المطالبات حول تشغيل الآبار الموجودة في المنطقة وضخ المياه في مجرى نهر بردى، خاصةً وأن بعض هذه الآبار غير مخصصة للاستهلاك البشري. ومع ذلك، فإن تشغيلها يتطلب عمليات تأهيل وتوفير معدات، كما يعتمد بعضها على خطط مالية وإجراءات تنظيمية وتشكيل جمعيات لمستخدمي المياه بين المزارعين.

وهذا يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص الأفكار، بل في الفجوة بين الحلول المقترحة والمياه التي تصل بشكل فعلي إلى البساتين، فالمزارع الذي يرى أشجاره تذبل أمام عينيه لا يملك ترف الانتظار لسنوات حتى تكتمل الدراسات أو تُنجز مشاريع البنية التحتية.

نهر بردى.. في قلب المشكلة، يرتبط تراجع مياه الري في “أشرفية الوادي” بأزمة ذات نطاق أوسع، تؤثر على نهر بردى. فقد انخفض تدفق النهر بسبب سنوات الجفاف ونضوب الينابيع، وهو وضع تفاقم بفعل تأثير الآبار القريبة من مصادر المياه،  الآبار غير المرخصة وغير الخاضعة للرقابة. ونظراً لأن الخطة الزراعية تغطي مساحة تقارب 3600 هكتار من الأراضي المحاذية للنهر، فإن استمرار هذه المشكلة لن يقتصر تأثيره على بساتين منطقة واحدة فحسب.

وتقترح الجهات المعنية تأهيل الآبار كإجراء طارئ، إلا أن الحل المستدام يتطلب إعادة إحياء نهر بردى، ودراسة حوضه المائي، ومعالجة مصادر التلوث، وتنظيم عمليات سحب المياه من الآبار القريبة من الينابيع.

غير أن مطلب المزارعين واضح… “حل فوري” للحيلولة دون موت الأشجار، مقترن بخطة طويلة الأمد لإعادة المياه إلى الوادي. فحين يهدد الجفاف الأشجار العتيقة تعود لقرون خلت، فلا ينتظر تبلور الخطط على أرض الواقع، كما أن الطبيعة لا تكترث بالجداول الزمنية الإدارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى