إذا توقفت “السرافيس”.. من يقود الخط في التل وقدسيا؟
رمضان في الشارع.. أزمة النقل بين قرار التخفيض وواقع الإضراب

بقلم: ريم ريّا
في الساعة السابعة صباحاً، يقف الطالب الجامعي عند مدخل مدينة التل، حقيبته على كتفه وعينه على الطريق بمدة زمنية تقدر بقريب من ساعة. والموظف الذي يعمل في دمشق يحسب دقائق التأخير قبل أن يحاسبه مديره، والعامل الذي يتقاضى أجره اليومي يدرك أن كل ساعة انتظار قد تقتطع من رزقه. هنا، لا تبدأ الأزمة عند رقم 3500 ليرة ولا تنتهي عند 5000، بل تبدأ حين يصبح الوصول إلى مكان العمل أو الجامعة إلى مغامرة يومية غير مضمونة.
قرار تخفيض تعرفه خط التل – دمشق من 5000 ليرة إلى 3500 ليرة في 27 شباط الفائت، فجّر إضراباً جزئياً شمل نحو 14 إلى 15 سرفيساً من أصل ما يقارب 400 ميكروباص تعمل على الخط. وفي ضاحية قدسيا خُفضت الأجرة من 5500 إلى 4500 ليرة، بفارق ألف ليرة للراكب. الفارق في الأرقام يبدو بسيطاً على الورق، لكنه في الواقع فجّر سلسلة من التوترات بين السائقين والجهات المعنية، وترك المواطن في قلب المعادلة كأكثر المتضررين.
حقيقةً، الإضراب وإن كان بشكل جزئي، لكن أثره كان واسعاً جلياً. فبعد أن قام بعض السائقين بإضرابهم، شلّت حركة الوصول إلى دمشق، على إثر لك وردت شكاوى إلى بلدية التل تباعاً، وسجلت حالات منع لسرافيس أخرى من العمل، ما استدعى تدخل الجهات المعنية لتنظيم السير وتسيير حركة المرور. بالرغم من تأكيد الجهات الرسمية أن الخط لم يتوقف أبداً، وأن الأغلبية من السائقين قد التزموا بالتسعيرة الجديدة. لكن بالنسبة للمواطن الذي ينتظر وسيلة نقل، لا تهمه نسبة 15 من 400، بل يهمه إن كانت وسيلته ستصل أم لا.
منطق تسعير السرافيس.. كيف تغير من التسعينات إلى اليوم؟
كان قطاع النقل في تسعينات القرن الماضي، يعتمد إلى حد شبه كبير على الدعم المباشر وغير المباشر للمحروقات، وكانت تسعيرة النقل في ذلك الوقت يتم تحديدها بهوامش ضيقة بعض الشيء، وكانت تسعيرة المازوت والمحروقات بشكل عام مستقرة نوعاً ما، وتكاليف صيانة أقل بكثير من اليوم. لم يكن سعر الإطار يصل إلى مليون ومئتي ألف ليرة كما هو الحال الآن، ولم يكن ثمن الميكروباص يتجاوز 250 مليون ليرة سورية.
في ذلك الوقت وعلى الرغم من عمل السائق بهامش ربح محدود بعض الشيء لكنه كان مستقر نسبياً، إذ كانت الدولة تمسك بمفاصل التسعير والدعم، وتتحمل جزءاً من الكلفة عبر سياسات دعم الطاقة. مع التحولات الاقتصادية اللاحقة، وارتفاع أسعار المحروقات وقطع الغيار، وانتقال جزء من العبء إلى القطاع الخاص، بدأت الفجوة تكبر بين التسعيرة الرسمية والكلفة الفعلية، ومن هن بدأت المشكلة.
اليوم، في ضاحية قدسيا، يبلغ طول الخط 21 كيلومتراً، مديرية النقل حددت قيمة 228 ليرة لكل كيلومتر، ما يعني أن التسعيرة العادلة حسابياً تقارب 4900 ليرة، وفق اعتراض السائقين، لا 4500. المخصص لكل سفرة خمسة ليترات مازوت ذهاباً وإياباً، وفي شهر رمضان لا يحصل السائق على سفرتين يومياً، أي أن حجم الإيراد ينخفض تلقائياً. هذه أرقام يقدمها السائقون كدليل على أن التخفيض لم يراعِ المعادلة الاقتصادية الكاملة.
في المقابل، تشير الجهات الرسمية إلى أن خطوطاً بطول 6 كيلومتراً تبلغ تعرفة ركوبها 3000 ليرة، وأخرى بطول 9 كيلومترات تبلغ تعرفة ركوبها 4000 ليرة، ما يفرض إعادة ضبط الفروقات بين الخطوط تحقيقاً للعدالة بين المواطنين. هنا يظهر التناقض بين حساب الكيلومتر المجرد، وحساب الواقع التشغيلي بتضاريسه واستهلاكه الفعلي.
اقرأ أيضاً: صناعيو حلب.. احتجاج صامت وأولويات محتلفة عن المذكرات الجديدة
المواطن والسائق.. روايتان لحق واحد
يقول أحد المواطنين، أنه يدفع 5000 ليرة للوصول إلى موقف برزة لمسافة لا تتجاوز ربع ساعة، ويرى أن خط التل كان من أغلى الخطوط قياساً ببقية خطوط دمشق وريفها. بالنسبة له التخفيض إلى 3500 ليرة تصحيح لخلل قائم، لا انتقاص من حق السائق.
بدورها، تصف إحدى الطالبات الباصات بالصغيرة والقديمة والمتهالكة، وأنها تقوم بالتوقف العشوائي وتتسبب بازدحام خانق بفعل تكدس السرافيس خلف بعضها، مما يخنق الطريق مرورياً. وأضافت: المشكلة ليست في الأجرة، بل في نوع الخدمة المقدمة ومدى جودتها.
بالمقابل، يشرح السائقون معاناتهم ومعادلتهم، أول ما يشيرون إليه تكلفة الإطارات، التي تصل اليوم إلى مليون ومئتي ألف ليرة، ناهيك عن سعر الميكروباص الذي بات يتجاوز 250 مليوناً، فضلاً عن استهلاك الوقود، الي يزيد في الطرق غير المعبدة بطول 3 كيلومترات في بعض المقاطع، وكانت الشكوى الأبرز أن عدد السفريات ينخفض في رمضان. أحد السائقين ذكر أنه يعود يومياً بنحو 75 ألف ليرة قبل خصم التكاليف. بالنسبة لهم، التخفيض ألف ليرة لكل راكب يعني خسارة يومية ملموسة.
بدورهم سائقي التل، يشتكون من عدم توفر الدعم للمازوت، وأن تصليح “المكاري” ليس برخيص، إضافةً إلى أن سعر الترسيم ارتفع من 800 ألف إلى مليونين ونص وأكثر. ويضيف بعضهم أن خط التل من ضمن الخطوط التي تشمل تسعيرتهم 70% من سعر لتر المازوت، ولديه تجزئة من عمره.. فعندما كان سعر لتر المازوت 7 ليرات، كانت الأجرة 3 ليرات بداخل التل و5 ليرات إلى دمشق. واعتبر بعضهم أنهم ومع تسعيرة ال 5000 السابقة يأخذون أقل من 70% رحمةً بالمواطنين.
في الحقيقة، كل طرف يتحدث بلغة الأرقام الواقعية، وكل منهم يرى أنه يدافع عن حق مشروع له. من ناحية المواطن يريد أجرة عادلة متوازية مع خدمة مستقرة، والسائق يريد تسعيرة تغطي تكاليف ما يضنيه وتؤمن له استمرارية عمله. الإشكالية هنا لا تكمن في وجود المطالب أو حتى مناقشة أحقيتها، بل في غياب صيغة متوازنة تفض الجدل وتحل الإشكاليات بين طرفي المشكلة.
الدولة دخلت على الخط.. وبين التخفيض والإضراب: ما حاجة الخط فعلاً؟
كانت أعلنت مديرية النقل أنها لن تترك ضاحية قدسيا دون تخديم، على إثر ذلك تم تسيير باصات نقل داخلي كبديل مؤقت لحين حل مشكلة خفض الأجور، مع الأخذ بعين الاعتبار المطالب من كلا الطرفين ودراسة إعادة النظر في التسعيرة. في التل كذلك الأمر، الباصات كانت الحلول المؤقتة للإضراب. والتجربة لاقت ترحيباً من شريحة واسعة من المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، كما طالب البعض منهم بالإبقاء على الباصات الكبيرة كحل دائم، يردع السائقين عن الاستغلال من وجهة نظرهم ويخفف من الإزدحام على السرافيس .
كل هذه الإشكالية تضعنا أمام سؤال مهم: إذا توقفت “السرافيس” عن العمل، هل تمتلك الدولة القدرة على إدارة الخطوط مباشرةً؟
نظرياً، وجود 225 ميكروباصاً على خط واحد، و400 تقريباً في التل، يعني كثافة عالية لمركبات صغيرة تساهم في الازدحام. بالمقابل، باصات كبيرة وحديثة يمكن أن تستوعب عدداً أكبر من الركاب، ما يعني تخفيض عدد المركبات على الطريق، وتوفيراً في استهلاك الوقود على مستوى الراكب الواحد.
لكن عملياً، أمور إدارة النقل العام ليست بهذه البساطة، وليست مجرد استبدال مركبة صغيرة بمركبة أكبر منها. بل هي منظومة تتطلب تمويلاً ثابتاً، والتزاماً بمدة زمنية محددة،إلى جانب إنشاء بنية تنظيمية تمنع تكرار الأزمات في وقت لاحق. في العاصمة وحدها، تشير التقديرات الرسمية إلى وجود ما يقارب مليون مركبة تسير في الشوارع، وهو رقم يفوق القدرة الاستيعابية لشبكة الطرق. أي حل للنقل في التل وقدسيا لا يمكن عزله عن الصورة الأوسع لازدحام العاصمة.
تجربة الباصات البديلة في حال نجاحها في ضبط إيقاع الأزمة، يمكن أن تشكل بداية حل الأزمة، والخطوة الأولى في إعادة هيكلة هذا القطاع الذي يعتمد تقليدياً على الملكية الفردية للمركبات الصغيرة. والواقع يشير إلى أنه في حال بقاء هذه التجربة مؤقتة، فستعاود الإشكالية الظهور عند أول تعديل في التسعيرة سواء بالخفض أو الزيادة، وعند أي تقدير أولي للتكلفة.
واقع حال النقل في ريف دمشق، وما نتج عنه من إضراب ومشادات حول التسعيرة بين الرضا والسخط ، كشف لنا هشاشة العلاقة بين السلطات المعنية التي تُسعر من جهة والمواطن الي يدفع وأصحاب المصالح “السائق” الذي يُشغل. عند النظر ملياً لقرار تخفيض الأجرة، نرى القرار صائباً من ناحية تخفيف الأعباء على عدد كبير من الطلاب والموظفين بما يقارب الآلاف، لكنه في الوقت ذاته يدفع السائقين إلى الإضراب أو حتى البحث عن طريقة للالتفاف على القرار. من جهةٍ أخرى، رفع الأجرة دون ضبط جودة الخدمة يفاقم شعور المواطن بالظلم. كثير من المواطنين يشكتي من جشع السائقين واستغلالهم لأي أزمة تطل برأسها على البلاد.
هنا، الحل الفعلي لا يمكن اتخاذه بشكل فردي، بل يحتاج إلى خطة تتضمن معادلة بسيطة وواضحة، يعلن من خلالها كلفة الكيلومتر بوضوح، ومن ضمنها تتم المراجعة الدورية وفقاً لأسعار المحروقات وأسعارقطع الغيار. وذلك لا يمنع إدخال باصات النقل العامة الحديثة بشكل تدريجي، وذلك من أجل تخفيف الضغط عن السرافيس، ومنح المواطن بديلاً من وجهة نظره مستقر أكثر.
ختاماً، المسألة ليست 3500 أو 4500 أو 5000 ليرة. المسألة هي الثقة، هل يشعر المواطن أن الأجرة عادلة؟ وهل يشعر السائق أن عمله مصان؟ بين السؤالين، يتحدد مستقبل النقل في التل وقدسيا، ويتقرر إن كانت الأزمة عابرة أم فصل جديد في قصة تتكرر كل عام بأرقام مختلفة والعنوان ذاته.









