إدارة الموارد البشرية في شركات المحاماة: الاستنزاف الصامت للكفاءات القانونية

د. بشر ياقتي – إدارة الموارد البشرية في شركات المحاماة: الاستنزاف الصامت للكفاءات القانونية
في كثير من شركات المحاماة لا تخسر الكفاءات القانونية بسبب الرواتب فقط ولا بسبب العروض المنافسة دائماً، بل بسبب حالة استنزاف تتشكل تدريجياً داخل بيئة العمل حتى يصل المحامي إلى مرحلة يفقد فيها شعوره بالانتماء أو القيمة أو حتى الرغبة في الاستمرار دون وجود مشكلة واضحة يمكن الإشارة إليها مباشرة، وهذه من أخطر الأزمات التي تواجه الكيانات القانونية الحديثة لأنها لا تظهر بشكل فجائي بل تتسلل بهدوء حتى تصبح جزءاً من الثقافة اليومية داخل الشركة. يشرح الدكتور بشر ياقتي في هذا المقال الحصري «لسوريا اليوم24» تداعيات ذلك.
المشكلة أن كثيراً من الإدارات القانونية ما زالت تتعامل مع الموارد البشرية بعقلية «التشغيل» لا «البناء»، فتُقاس قيمة المحامي بعدد القضايا التي ينجزها أو قدرته على تحمل الضغط أو استجابته السريعة، بينما يتم تجاهل جوانب أكثر عمقاً تتعلق بمدى استقراره المهني ووضوح مستقبله وطريقة اندماجه داخل الكيان، ومع الوقت يتحول المحامي من عنصر مهني إلى مجرد طاقة تشغيلية تُستهلك يومياً حتى تضعف أو ترحل.
فالبيئة القانونية تختلف عن كثير من القطاعات الأخرى لأن المحامي لا يستهلك جهداً بدنياً فقط بل يستهلك جزءاً كبيراً من تركيزه الذهني والنفسي في كل قضية، ولذلك فإن الضغط المستمر والغموض الإداري والتقلب في التوجيهات لا تؤثر على مزاجه المهني فحسب بل على جودة قراراته القانونية نفسها، ولهذا قد تجد محامياً متميزاً علمياً لكنه يتحول داخل بعض الكيانات إلى شخص مرتبك ومتردد ومتراجع الأداء ليس لأنه فقد كفاءته بل لأن البيئة المحيطة به استنزفت قدرته على التركيز والاستقرار.
ومن أكثر الإشكالات عمقاً أن بعض الشركات تخلط بين «تحمل الضغط» و«الكفاءة»، فتعتبر المحامي الجيد هو الأكثر قدرة على الصمت والعمل لساعات أطول وتحمل الفوضى اليومية، بينما الحقيقة أن هذا النموذج يصنع استنزافاً مؤجلاً، لأن المحامي في البداية قد يتحمل بحكم الحماس أو الحاجة أو الرغبة في إثبات نفسه، لكنه مع الوقت يبدأ بفقدان التوازن تدريجياً، ويظهر ذلك في تراجع الحافز وضعف التركيز والانغلاق المهني وحتى العدائية غير المعلنة داخل الفريق.
ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض الإدارات لا تلاحظ هذه المؤشرات إلا بعد فوات الأوان لأن الكفاءة القانونية غالباً تستطيع إخفاء إنهاكها لفترة طويلة، فتستمر في الإنجاز رغم التآكل الداخلي إلى أن تصل فجأة إلى مرحلة الانسحاب الكامل أو الاستقالة أو البرود المهني، وهنا تبدأ الإدارة بالتساؤل: لماذا غادر رغم أنه كان يحصل على امتيازات جيدة؟ بينما المشكلة في الأصل لم تكن مادية بالكامل بل تراكمية ونفسية وتشغيلية في آن واحد.
كما أن من الأخطاء الشائعة داخل بعض الكيانات القانونية أنها تبني بيئة تعتمد على «الأشخاص الأقوى» لا على «النظام الأقوى»، فتُترك الملفات المعقدة دائماً للمحامي الأكثر كفاءة وتُحمله مسؤوليات إضافية لأنه «يستطيع»، بينما يُعفى الأقل التزاماً بشكل غير مباشر، ومع الوقت يشعر المحامي الجيد أن تميزه تحول إلى عقوبة مهنية وأنه كلما أثبت كفاءته زادت الأعباء عليه دون وجود توازن حقيقي، وهذه من أكثر الأسباب الخفية التي تدفع الكفاءات للانسحاب بصمت.
وفي جانب آخر فإن بعض شركات المحاماة تعاني من تضخم «الأنا المهنية» داخل فرقها القانونية، وهي مشكلة دقيقة لأن المهنة بطبيعتها قائمة على الرأي والتحليل والدفاع، لكن غياب الإدارة الناضجة يحول الاختلاف المهني الطبيعي إلى صراعات شخصية أو تنافس داخلي مرهق، خصوصاً حين تكون الصلاحيات غير واضحة أو ثقافة التقدير غائبة، فتتحول الاجتماعات والمراجعات أحياناً إلى معارك غير معلنة لإثبات الذات بدلاً من تطوير العمل نفسه.
ومن الأمثلة الواقعية المتكررة أن يُطلب من أكثر من محامٍ العمل على ملف واحد دون تحديد واضح لمن يملك القرار النهائي أو حق التوجيه، فيبدأ التداخل ثم تتضخم الحساسيات تدريجياً ويشعر كل طرف أن الآخر ينتقص من جهده أو يتجاوز مساحته المهنية، بينما الخلل الحقيقي لم يكن في الأشخاص بقدر ما كان في غياب الهيكل الواضح لإدارة العمل الجماعي.
ومن الزوايا التي لا يُلتفت إليها كثيراً أن بعض الإدارات القانونية تُخطئ في فهم الولاء المهني فتظن أن بقاء المحامي لسنوات يعني استقراره الحقيقي، بينما قد يكون بقاؤه نتيجة خوف من التغيير أو غياب الفرصة المناسبة فقط، ولذلك فإن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات بل بمستوى الحافز والانتماء والرغبة في التطور داخل الكيان نفسه، وهي أمور لا تُشترى بالراتب وحده.
والأعمق من ذلك أن بعض الكيانات تفشل في بناء «المسار المهني» للمحامي، فيعمل لسنوات دون أن يفهم إلى أين يتجه فعلياً أو ما الذي سيتغير في موقعه أو صلاحياته أو قيمته داخل الشركة، فيتحول العمل إلى دائرة مغلقة من القضايا اليومية دون أفق واضح، ومع الوقت يفقد المحامي شعوره بالتقدم حتى وإن كان يحقق إنجازات مستمرة.
وبناءً على ما سبق فإن إدارة الموارد البشرية في شركات المحاماة ليست ملفاً إدارياً جانبياً بل هي أحد أخطر عناصر استقرار الكيان واستمراره، لأن الشركة القانونية لا تُبنى فقط بالعملاء والقضايا بل بالقدرة على الحفاظ على العقول التي تدير هذا العمل دون أن تُستهلك أو تُفقد تدريجياً، والفارق الحقيقي بين الكيانات لا يظهر فقط في عدد المحامين الذين توظفهم بل في عدد الكفاءات التي تستطيع الاحتفاظ بها وهي ما تزال راغبة في الاستمرار والنمو.
للملاحظات والمقترحات
bisher.sa@gmail.com
د. بشر:
دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.
اقرأ أيضاً: التسعير في شركات المحاماة: لماذا تبدو بعض القضايا مربحة وهي ليست كذلك؟









