إدارة القضايا في شركات المحاماة: من الممارسة إلى المنهجية

د. بشر ياقتي – إدارة القضايا في شركات المحاماة: من الممارسة إلى المنهجية
ليست المشكلة في أن القضية تمت خسارتها؛ بل في أنها سارت في مسار غير واضح منذ بدايتها حتى وصلت إلى نتيجة لم تكن مفاجئة لمن يراجع تفاصيلها بدقة، وهذا ما يجعل الحديث عن «إدارة القضايا» مختلفاً تماماً عن الحديث عن «العمل على القضايا»، لأن الخسارة أو التعثر غالباً لا يكون في لحظة المرافعة، بل في طريقة تحرك القضية داخل الكيان منذ يومها الأول.
في كثير من الممارسات اليومية تدخل القضية إلى المكتب أو الشركة بشكل طبيعي؛ فيتم استلامها ثم توزيعها ثم البدء بالعمل عليها، ثم تستمر في مسار يبدو ظاهرياً منضبطاً، لكن عند التدقيق يتبين أن هذا المسار غير معرف بدقة، فلا يوجد تصور واضح لما هي المرحلة التي تمر بها القضية، ولا ما الذي يجب أن يحدث في كل مرحلة، ولا من المسؤول عنها بشكل نهائي! فتتحول القضية إلى «نشاط مستمر» دون أن تكون «مساراً منظماً».
ومن هنا تبدأ أول نقطة خلل دقيقة: غياب تعريف الحالة داخل القضية، فبدلاً من أن تكون القضية في مرحلة «تحليل» أو «إعداد» أو «تنفيذ» أو «مراجعة»، نجد أنها في حالة مفتوحة، يعمل عليها أكثر من شخص في أوقات مختلفة دون وضوح في ما الذي أُنجز فعلاً وما الذي بقي، وما الذي يجب أن يتم لاحقاً! وهذا النوع من الضبابية لا يُلاحظ في القضايا الصغيرة، لكنه يتضخم بشكل خطير في القضايا المعقدة أو طويلة الأمد.
وفي سياق متصل يظهر خلل آخر أكثر حساسية وهو «الملكية غير الواضحة للقضية»، حيث يتعامل الفريق مع الملف بشكل جماعي ظاهرياً، لكن دون وجود مسؤول نهائي يمكن الرجوع إليه، فتجد أن المتابعة موزعة والقرارات متداخلة، وإذا حدث تأخير أو خطأ يصعب تحديد مصدره بدقة لأن الجميع شارك لكن دون إطار واضح للمسؤولية، وهذه الحالة تخلق شعوراً زائفاً بالعمل الجماعي، بينما هي في الحقيقة غياب للقيادة داخل القضية نفسها.
كما أن إدارة الزمن داخل القضية تكشف جانباً آخر من الخلل، حيث لا يُنظر إلى الوقت كمسار متكامل؛ بل كمهام منفصلة، فيُبذل جهد كبير في مرحلة معينة دون مبرر بينما يتم اختصار مراحل أكثر أهمية فتختل موازين العمل داخل القضية، ويظهر الضغط في مراحل كان يمكن الاستعداد لها مسبقاً، وهذا لا يرتبط بضعف في الكفاءة بل بغياب تصور زمني للقضية ككل يحدد أين يجب أن يُستثمر الجهد فعلياً!
ومن الإشكالات التي لا تظهر بسهولة، لكنها مؤثرة بعمق؛ غياب معيار موحد لجودة العمل داخل القضية، فكل محامٍ يعمل وفق تقديره الشخصي لما هو «كافٍ» أو «مكتمل»، مما يؤدي إلى تفاوت في النتائج داخل نفس الكيان، وقد يُقبل هذا التفاوت في البداية لكنه مع التوسع يتحول إلى مشكلة هيكلية لأن الكيان يفقد قدرته على تقديم مستوى متقارب من الخدمة.
والملاحظة الأهم أن كثيراً من هذه المشكلات لا تُعالج من جذورها، بل يتم التعامل معها عند ظهورها فقط، فيتم تكثيف المتابعة أو إعادة توزيع العمل أو الضغط على الفريق دون إعادة النظر في طريقة إدارة القضية نفسها، مما يؤدي إلى تكرار نفس الأخطاء بصور مختلفة وكأن الكيان يدور في حلقة مغلقة من «إدارة النتائج» بدلاً من «إدارة الأسباب».
وفي المقابل، فإن الكيانات التي تدير قضاياها بوضوح لا تعتمد على زيادة الجهد بل على وضوح المسار، حيث يمكن معرفة وضع أي قضية خلال وقت قصير: ما مرحلتها، من المسؤول عنها، ما الذي أُنجز، وما الخطوة التالية! وهذا لا يتحقق بكثرة الاجتماعات أو المتابعة بل بوجود تصور واضح لدورة حياة القضية يتم تطبيقه بشكل متسق.
وبناءً على ما سبق، فإن إدارة القضايا في شركات المحاماة لا تعني تنظيم العمل اليومي فقط، بل تعني تحويل القضية من ملف مفتوح إلى مسار محدد المعالم، بحيث لا تعتمد على اجتهاد كل محامٍ بشكل منفصل، بل على منهجية يمكن فهمها وتكرارها، لأن الفارق الحقيقي لا يظهر في القضايا السهلة بل في قدرة الكيان على إدارة التعقيد دون أن يتحول إلى فوضى.
موفقين.
للملاحظات والمقترحات:
bisher.sa@gmail.com
د. بشر: دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.
اقرأ أيضاً: معايير اختيار الشركاء في شركات المحاماة: الطبيعة والأنواع وحدود العلاقة









