مقالات

إدارة الأزمات في شركات المحاماة: هل تُختبر الإدارة في أوقات الاستقرار أم الأزمات؟

د. بشر ياقتي – إدارة الأزمات في شركات المحاماة: هل تُختبر الإدارة في أوقات الاستقرار أم الأزمات؟

لا تُقاس قوة شركات المحاماة بعدد القضايا التي ربحتها، ولا بحجم إيراداتها، ولا بعدد فروعها، بل بالكيفية التي تتصرف بها عندما تتعرض لأزمة حقيقية. فالإدارة في الظروف الطبيعية قد تبدو ناجحة لدى الجميع، لأن العمل يسير وفق المعتاد، والعملاء مستقرون، والقرارات اليومية متوقعة. أما عند وقوع أزمة مفاجئة، فهناك فقط تبدأ القدرات الإدارية الحقيقية بالظهور، لأن الأزمة لا تخلق نقاط الضعف بقدر ما تكشفها. تالياً يشرح لنا بشر ياقتي بشكل حصري مآل ذلك.

لعل أول خطأ تقع فيه بعض شركات المحاماة هو الاعتقاد أن الأزمة حدث استثنائي لا يستحق الاستعداد له، مع أن طبيعة العمل القانوني تجعل احتمالات الأزمات أكثر تنوعاً من كثير من القطاعات. فقد تكون الأزمة مهنية نتيجة خطأ في إجراء قانوني، أو مالية بسبب تعثر عميل كبير في السداد، أو تنظيمية نتيجة استقالة عدد من المحامين في وقت واحد، أو إعلامية بسبب تداول قضية أثارت الرأي العام، أو حتى تقنية نتيجة تعطل الأنظمة الإلكترونية أو تسرب بيانات العملاء. ورغم اختلاف صورها، إلا أن كثيراً من الشركات تتعامل معها بالأسلوب نفسه.

ومن الأخطاء التي تتكرر أن الإدارة تنشغل بمعالجة النتائج قبل فهم أسبابها. فعندما يتذمر العملاء، يُطلب من الفريق تكثيف التواصل معهم، وعندما يتراجع الأداء، تُعقد الاجتماعات، وعندما تنتشر شائعة عن الشركة، يبدأ الجميع بالدفاع عنها. لكن هذه كلها ردود أفعال، بينما الإدارة الرشيدة تبدأ بسؤال مختلف: ما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة؟ لأن علاج العرض لا يمنع تكراره إذا بقي المرض في مكانه.

وقد تمر شركة محاماة بمرحلة يستقيل فيها ثلاثة محامين خلال شهر واحد، فيُقال إن السبب هو المنافسة أو ارتفاع الرواتب في السوق. لكن عند التعمق يتبين أن الاستقالات ليست سوى نتيجة لغياب مسار مهني واضح أو ضعف القيادة أو سوء توزيع الأعباء. وهنا لا تكون الأزمة هي الاستقالات، بل النظام الذي أنتجها.

ومن أكثر الأخطاء خطورة الاعتقاد أن سرعة القرار تعني صحة القرار. ففي أوقات الأزمات ترتفع الضغوط، ويزداد خوف الإدارة من اتساع المشكلة، فتبدأ بإصدار قرارات متلاحقة لإظهار السيطرة. غير أن القرار السريع إذا بُني على معلومات ناقصة قد يضاعف الأزمة بدلاً من احتوائها. لذلك فإن الهدوء في إدارة الأزمة ليس بطئاً، كما أن التسرع ليس دليلاً على الحزم.

ولنفرض أن أحد العملاء نشر اتهامات علنية ضد الشركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد يكون أول ما يخطر في الذهن هو الرد الفوري أو الدخول في سجال علني، بينما قد يكون التصرف الأكثر حكمة هو جمع الحقائق أولاً، وفهم أبعاد الموقف، وتقدير أثر كل خطوة قبل اتخاذها. فبعض الأزمات تكبر بسبب طريقة التعامل معها أكثر من سببها الأصلي.

كما أن هناك نوعاً آخر من الأزمات لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو ما يمكن تسميته «الأزمة الصامتة». وهي التي لا تصنع ضجيجاً، لكنها تستنزف الشركة ببطء؛ مثل انخفاض ولاء العملاء، أو تراجع جودة العمل، أو ضعف التعاون بين الإدارات، أو اعتماد الشركة على عدد محدود من العملاء. هذه الأزمات لا تتصدر العناوين، لكنها قد تكون أخطر من الأزمة المفاجئة لأنها تتسلل بهدوء حتى تصبح واقعاً يصعب تغييره.

ومن هنا فإن إدارة الأزمات لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل قبل ذلك بسنوات. تبدأ عندما تبني الشركة أنظمة واضحة، وتوزع الصلاحيات، وتحفظ المعرفة، وتوثق الإجراءات، وتدرب فرقها على التعامل مع المواقف غير المتوقعة. فالشركات التي تستثمر في الوقاية لا تلغي الأزمات، لكنها تقلل آثارها وتسرّع تعافيها.

ومن الملاحظ أيضاً أن بعض القيادات أثناء الأزمات تنشغل بالبحث عن المخطئ أكثر من انشغالها بإيقاف الضرر. ومع أن المساءلة أمر لا غنى عنه، إلا أن توقيتها لا يقل أهمية عنها. فحين يكون الكيان في قلب الأزمة، تكون الأولوية لحماية العملاء، واحتواء الخسائر، واستعادة الاستقرار. أما التحقيق في المسؤوليات فيأتي بعد أن تستعيد الشركة قدرتها على الوقوف، لأن خلط المرحلتين قد يزيد الارتباك ويعطل الحلول.

وفي المقابل، فإن الأزمة قد تكون فرصة لإعادة بناء الشركة إذا أُديرت بوعي. فكثير من الكيانات لم تطور أنظمتها إلا بعد تجربة مؤلمة، ولم تراجع هياكلها إلا بعد خطأ كبير، ولم تدرك أهمية الحوكمة إلا عندما دفعت ثمن غيابها. ولهذا فإن الأزمة لا تكون دائماً نهاية مرحلة، بل قد تكون بداية مرحلة أكثر نضجاً إذا أحسنت الإدارة قراءة دروسها.

وفي المحصلة، فإن إدارة الأزمات في شركات المحاماة ليست مهارة في إطفاء الحرائق، بل قدرة على بناء كيان يقل تعرضه لها، ويستجيب لها بعقلانية إذا وقعت، ويخرج منها أكثر قوة مما كان عليه. فالأزمة ليست الامتحان الحقيقي للشركة، وإنما طريقة تعاملها معها هي الامتحان الذي يحدد إن كانت مؤسسة ناضجة أم مجرد كيان نجح في الظروف السهلة.

اقرأ أيضاً: كيف يبتلع الاستيراد ما تبقى من صناعة النسيج في سوريا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى