سياسة

إخلاء قاعدة قسرك في الحسكة.. خطوة تكتيكية أم بداية نهاية الوجود الأمريكي؟

بقلم: ريم ريّا

بدأت قوات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، الذي تقوده الولايات المتحدة، في 21 شباط الجاري 2026 عملية إخلاء قاعدة قسرك في ريف الحسكة، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية وعربية، مع دخول قافلة تضم أكثر من 20 شاحنة فارغة وآليات عسكرية عبر الحدود العراقية باتجاه القاعدة.

تأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة انسحابات وإعادة تموضع شهدها عام 2025 ومطلع 2026، شملت قواعد استراتيجية مثل قاعدة التنف وقاعدة الشدادي، ما يعكس تحولاً واضحاً في نمط الانتشار العسكري الأميركي في سوريا بعد أكثر من عقد على بدء التدخل المباشر ضد تنظيم “داعش”.

إخلاء قسرك لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم خارطة الوجود العسكري الأميركي في شمال شرقي البلاد، في ظل تغيرات سياسية وأمنية متسارعة، أبرزها توسيع الحكومة السورية نفوذها، وتقدم مسار الاتفاق بينها وبين “قسد”. سنحاول في المقال فهم سياق الإخلاء العسكري هل هو مؤقت، إعادة تموضع، أم تمهيد لانسحاب؟.

قاعدة قسرك.. الموقع، الوظيفة والسياق التأسيسي

تقع قاعدة قسرك بين تل تمر وتل بيدر، جنوب الطريق الدولي الطريق الدولي M4 في محافظة الحسكة، وهو طريق استراتيجي يربط شرق سوريا بغربها، ويمثل شرياناً لوجستياً وعسكرياً هاماً. اختيار هذا الموقع منح القاعدة أهمية مضاعفة، فهي من جهة قريبة من مناطق انتشار “قسد” منذ سنوات، ومن جهة تشرف على محور حيوي يربط القامشلي بعين العرب “كوباني” وصولاً إلى منبج.

تأسست القاعدة في سياق توسع الوجود الأميركي بعد عام 2016، حين عزز التحالف الدولي تموضعه شمال شرق سوريا لدعم العمليات ضد تنظيم الدولة، وتثبيت مناطق سيطرة “قسد”. لكن مع تراجع التنظيم ميدانياً وانحسار سيطرته الجغرافية، تحولت مهمة القاعدة من نقطة دعم عمليات قتالية مباشرة إلى مركز تنسيق وإمداد لوجستي ومنتابعة أمنية.

بحلول منتصف شباط الجاري 2026، كانت قسرك تعد إحدى أهم ثلاث قواعد أميركية متبقية في شمال شرق سوريا، إلى جانب قاعدة خراب الجير “مطار رميلان” وقاعدة “هيمو” قرب مطار القامشلي، ما جعلها جزءاً من مثلث لوجستي – جوي يختصر الوجود الأميركي في محافظة الحسكة بعد انسحابات واسعة من البادية ودير الزور.

اقرأ أيضاً: ما وراء قاعدة التنف! لماذا تصر واشنطن على البقاء في الصحراء السورية؟

أسباب الإخلاء.. بين إعادة الترتيب أو الانسحاب المدروس؟

في الحقيقة، وعند رصد المشهد، فهناك عدة عوامل تتقاطع في تفسير قرار الإخلاء. أولاً، في السياق السياسي الداخلي السوري، إذ شهدت الأشهر الماضية خطوات متسارعة لتعزيز حضور الدولة السورية في الحسكة، من بينها تعيين محافظ جديد، إعادة تشغيل مطار القامشلي، والإفراج عن معتقلين ضمن تفاهمات مع قسد. كما أعلن عن تكليف مبعوث رئاسي لتنفيذ اتفاق 20 كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية وقسد، وهو اتفاق يفترض أن يستكمل قبل نهاية شهر شباط الحالي.

ثانياً، التحولات في الاستراتيجية الأمريكية. أفادت تقارير إعلامية أميركية، بينها ما نشرته “وول ستريت جورنال“، أشارت إلى خطة لسحب نحو ألف جندي أميركي من سوريا خلال شهرين، بينما نقلت شبكة “سي بي إس” عن مسؤولين أميركيين تأكيدهم اتجاه واشنطن إلى إنهاء وجودها العسكري بعد استقرار الترتيبات الجديدة. هذه المعطيات توحي بأن الإخلاء جزء من خطة أوسع، لا قراراً ظرفياً.

ثالثاً، التحول في طبيعة التهديد. فقد تم القضاء على التوسع المكاني لتنظيم الدولة، وبات الوجود الأميركي يركز على مهام استشارية واستخباراتية، لا على انتشار قتالي واسع. هناك ورقة صادرة عن مركز “جسور للدراسات” أفادت بأن أميركا سحبت 28 قاعدة ونقطة عسكرية خلال 2025 ومطلع 2026، في تحول استراتيجي واضح من الانتشار الكثيف إلى التمركز المحدود.

المشهد يوحي بإخلاء جزئي أم تمهيد لانسحاب كامل؟

جوهر الطرح، يتمثل في طبيعة الإخلاء. هل هو إعادة تموضع داخل الحسكة، أم خطوة تمهيدية لانسحاب كامل من سوريا؟

الواقع، أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن القافلة التي دخلت إلى “قسرك” ضمت شاحنات فارغة، ما يعني نقل معدات لا تعزيزها. كما أن القاعدة كانت إحدى الركائز الثلاث المتبقية في المحافظة، فإن إخلاءها يقلص الوجود الأميركي إلى موقعين رئيسيين على الأقل.

لكن لو أردنا القراءة استراتيجياً، سنرى أن هذا الإجراء يوحي بأن واشنطن قد لا تتجه إلى انسحاب شامل وفوري، بل إلى إبقاء تمركز محدود ذي طبيعة عملياتية يركز على نقاط معينة منها:

  • الإشراف على ملف مكافحة الإرهاب.
  • متابعة أوضاع مراكز احتجاز عناصر داعش المتبقية أو التي أقيمت في العراق.
  • ضمان تنفيذ التفاهمات بين الحكومة السورية وقسد.
  • الحفاظ على ورقة ضغط سياسية في الترتيبات النهائية لشمال شرقي البلاد.

بشكل أبسط، قد يكون إخلاء “قسرك”، جزءاً من انتقال نموذج “قواعد ميدانية متعددة” إلى نموذج “نقاط إشراف وتنسيق محدودة”. لكن تتابع الانسحابات من التنف والشدادي وحقول نفطية في دير الزور يفتح الباب أمام احتمال أن يكون هذا المسار تمهيداً لانسحاب كامل خلال مرحلة لاحقة، في حال استقرت الترتيبات السياسية والأمنية.

بالمحصلة، إخلاء قاعدة “قسرك”، يحمل دلالات تتجاوز حدودها الجغرافية. على الصعيد المحلي، يعزز ذلك من حضور الدولة السورية في الحسكة، ويعيد توزيع موازين القوة بين الفاعلين المحليين، خاصةً في ظل مسار الاندماج بين قسد ومؤسسات الدولة.

أما على الصعيد الإقليمي، يتقاطع قرار الإخلاء مع تصاعد توترات أوسع في المنطقة، ما قد يدفع واشنطن إلى إعادة تركيز مواردها العسكرية خارج الساحة السورية. أما دولياً، فهو يعكس ميلاً أميركياً إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر في نزاعات طويلة الأمد، والاعتماد أكثر على أدوات سياسية وأمنية غير تقليدية.

ليبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل “قسرك” محطة في طريق الانسحاب الكامل، أم نقطة في عملية إعادة هندسة الوجود الأميركي بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب المفتوحة ضد تنظيم الدولة؟

الإجابة، ستتضح مع وتيرة الإنسحابات المقبلة، وطبيعة القواعد التي ستخلى أو ستبقى، والأهم مدى صلابة التفاهمات السياسية في شمال شرق سوريا. وحتى ذلك الحين، يبدو أن “قسرك” ليست مجرد قاعدة تغلق، بل مؤشر على مرحلة انتقالية في المشهد السوري والإقليمي بالكامل.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى