إحباط روسي ورفض أمريكي.. بكلمات المبعوث الأممي: كيف سقط بشار الأسد؟

بقلم: عروة درويش
في حوارٍ مطوّل مع الإعلامي سامي كليب، قدّم رمزي عز الدين، نائب المبعوث الأممي إلى سوريا منذ عهد ستافان دي ميستورا، روايته لما سبق سقوط بشار الأسد، وكذلك أضاء بشكل بسيط على بعض المحطات المهمة للتفاوض معه. لم تأتِ أهمية الشهادة فقط من مضمونها، بل من موقع صاحبها، فهو كان في قلب المسار التفاوضي الأممي، وغالباً ما تولّى أدواراً ميدانية مباشرة في التواصل مع الأطراف، في جميع المراحل.
المقابلة تكشف تفاصيل عن محاولات اتصال أمريكية لم تكتمل، وعن ضيق روسي متصاعد من أداء الأسد، وعن تعقيدات العلاقة مع إيران، وصولاً إلى اللحظة التي تقاطعت فيها حسابات دولية وإقليمية على أن بقاء الوضع على حاله لم يعد ممكناً.
هذه المقابلة لا تقدّم سرداً توثيقياً بالمعنى الأكاديمي الصارم، بقدر ما تعكس رواية دبلوماسي كان قريباً من دوائر القرار ومن خطوط التفاوض الحساسة. وروايات من هذا النوع لا تُقرأ عادة بوصفها شهادات شخصية فحسب، بل بوصفها إشارات أيضاً. فشخصيات بهذا الموقع نادراً ما تتحدث في العلن من دون أن تحمل كلماتها رسائل، مباشرة أو غير مباشرة، تتقاطع عندها مصالح أطراف متعددة.
من هنا، يمكن النظر إلى هذا اللقاء باعتباره نافذة لفهم طبيعة التفاعلات التي سبقت السقوط، وكيف كانت القوى المؤثرة تقرأ المشهد، وتعيد حساباتها، وتصل إلى قناعاتها في اللحظة التي تغيّر فيها مسار الأحداث.
في السطور التالية، تقرؤون أبرز ما جاء في هذا الحوار، مع مداخلات تحليلية محدودة وواضحة لا تغيّر في مجرى الحديث، بل تضع بعض النقاط في سياقها، وتترك للقارئ مساحة الحكم على الرواية ومعانيها.
خط الاتصال الأمريكي: مبادرة لم تكتمل
يقول السفير إن لقاءً عُقد في مسقط في عام سقوط سلطة الأسد، ضمن محاولة أمريكية لفتح قناة حوار سياسي عالي المستوى مع دمشق. كما جرت محاولة أخرى في أيلول 2024 لعقد لقاء سياسي رفيع بمبادرة من واشنطن.
المقترح، وفق ما أورده عز الدين، كان أن يلتقي مستشار الأمن القومي الأمريكي بشخصية سورية على المستوى ذاته، لبدء حوار سياسي. غير أن بشار الأسد اعترض على الشكل، رافضاً أن يكون اللقاء بين مستشار الأمن القومي الأمريكي ونظيره السوري، اللواء علي مملوك، ومفضلاً أن يتم اللقاء معه مباشرة.
بحسب السفير، فإن الأسد كان متخوّفاً من فكرة اللقاء مع الأمريكيين بشكل مباشر من الأساس، خاصة أنهم أرادوا اللقاء بغيره، أو على الأقل لم يُبدِ مرونة كافية تسمح بانعقاد الاجتماع في توقيته المقترح، وعندما بدا أنه غيّر رأيه، كان الوقت قد فات.
لا يمكننا الجزم بما دار في رأس بشار الأسد حين رفض السماح بمسار لقاء الأمريكيين أن يكتمل، ولكن قد يكون هذا الرفض ممّا قرأته عواصم القرار باعتباره إشارة إلى غياب الاستعداد للتسوية.
كيف سقط الأسد؟
يرى السفير أن سقوط سلطة الأسد نتج عن سببين متداخلين:
- ضعف داخلي متزايد للنظام (مع كل يوم يضعف أكثر فأكثر).
- تقاطع مصالح دولية وإقليمية قاد إلى القناعة بضرورة إيجاد بديل.
أشار عز الدين أيضاً إلى أن الروس، على مدى سنوات، حاولوا إقناع الأسد بإبداء مرونة أكبر تجاه المعارضة، والانفتاح بما يسهّل عودته إلى الحاضنة العربية، إضافة إلى دفعه نحو تقارب مع تركيا. إلا أن هذه المحاولات، بحسب روايته، لم تُثمر، وكان الأسد متعنتاً في رفضها.
وعندما اصطدمت المحاولة الأمريكية بالرفض، تبلورت قناعة لدى عدد من الدول بأن الأسد «لن يغيّر مواقفه»، وأن الاستمرار في الرهان عليه لن ينتج تسوية قابلة للحياة.
الإحباط الروسي… دون ضغط حاسم
لكن ممّا يثير الاهتمام أنّ نائب المبعوث رمزي عز الدين قد كشف بأنّ الروس كانوا كثيري الشكوى من الأسد، وقال بأنّهم كانوا يكررون أنه «لا يستمع إلينا». كانوا يريدونه أن يبدي مرونة سياسية، لكنه ظلّ متمسكاً بمواقفه.
مع ذلك، لم يتحول هذا الإحباط إلى ضغوط فعلية لإزاحته. التبرير الروسي، وفق المقابلة، كان أن وجود «الإرهاب» داخل سوريا يجعل الجيش السوري الضمان الوحيد لعدم تفتيت البلاد، وبالتالي لا يمكن الضغط على بشار الأسد إلى حد يهدد بنية السلطة.
وعند سؤال كليب عمّا إذا كان الروس قد فكروا بأن يتولى الجيش السلطة مكانه، كان الجواب أن موسكو لم تتبنَّ هذا الخيار، وإن كانت دول أخرى، بينها فرنسا، قد فكرت فيه ودفعت إليه.
في الحقيقة، الفكرة القائلة بأن الجيش قد يكون «بديلاً انتقالياً» كانت مطروحة في أكثر من سياق عربي خلال العقد الماضي، وقيلت على لسان عدد من الشخصيات البارزة.
غير أن نجاح هذا السيناريو كان يتطلب تماسكاً مؤسساتياً داخلياً ودعماً دولياً منسقاً، وهو ما لم يتوافر بصورة حاسمة في الحالة السورية، خاصة أنّ من أدلى بشهاداته ممّن يعرفون الجيش السوري عن قرب، كانوا يدركون أنّه قد جرت عمليات «تطهير» في تلك الحقبة، لإزاحة أيّ منافس محتمل لقيادة الجيش، وتحديداً ممّن سمح لهم انتماؤهم الطائفي.
التباعد مع إيران
تطرق عز الدين إلى تأجيل زيارة للرئيس الإيراني في اللحظات الأخيرة، وربط ذلك برفض دمشق منح طهران مزيداً من الامتيازات الاقتصادية.
بحسب الرواية في اللقاء، فإن إيران استثمرت كثيراً في سوريا وكانت تتطلع إلى تنازلات إضافية. غير أن بشار الأسد، كما قيل، فضّل إبقاء بعض الأوراق للدول العربية. ويضيف السفير أن هذا المناخ ولّد شكوكاً لدى الإيرانيين، خصوصاً بعد مقتل مسؤولين لهم على الأراضي السورية.
هذه الإشارة تعكس أن العلاقة مع طهران لم تكن في لحظاتها الأخيرة بالتماسك الذي كان يُفترض، وأن حسابات إعادة التموضع الإقليمي كانت حاضرة في ذهن القيادة السورية.
لكن بالرغم من ذلك، يغفل المتحدث – إمّا عن قصد أو دون قصد – التغييرات التي حدثت في العلاقات بين دول الإقليم منذ بداية الحراك الثوري والحرب التي تلته في سوريا، والوقت الذي سبق سقوط سلطة الأسد.
فبين اللحظات الأولى والأخيرة هناك الكثير من العلاقات العربية تم تجديدها مع الجانب الإيراني، ناهيك عن العبء الذي أضعف إيران تالياً للحرب في غزة ولبنان. هذه ليست بالأسباب التي يجب الاستهانة بها عند التحليل.
العلاقة المتوترة مع المبعوثين الدوليين
عند الحديث عن تعاطي الأسد مع المبعوثين الأمميين، ذكر عز الدين مواقف السلطة في دمشق مع الأخضر الإبراهيمي، حيث قُطع اللقاء معه بعد جملة اعتُبرت غير مقبولة وهي: «يمكنك عوضاً عن أن تكون الملك، أن تكون صانع ملوك»، ناهيك عن طلبه لقاء فاروق الشرع الذي قوبل بالرفض من بشار الأسد.
كما رفضت سلطة الأسد استقبال مبعوثين في دمشق لفترات، واضطراره هو إلى تولي تلك اللقاءات في الجو المتوتر، مؤكداً أن أحد أهمّ الأسباب لاستقباله والموافقة على ذلك أنّه من جنسية مصرية.
هذه الشهادات تعكس نمطاً من التصلب في التعاطي مع الوساطات الدولية، ما أسهم في تعميق صورة الجمود السياسي أمام المجتمع الدولي، وهو في الحقيقة رغم كل ما يُقال فيه، لا يعكس صورة الواقع الذي كانت تقوم فيه السلطات في سوريا بعقد الكثير من الصفقات تحت الطاولة، ما جعل حتى الحلفاء يرتابون بها.
أحمد الشرع… وقلق المرحلة
حول الرئيس الحالي أحمد الشرع، قال عز الدين إن الوضع «مقلق للغاية» رغم إشادته بالنوايا والأحاديث العلنية للرئيس.
أشار عز الدين أيضاً إلى تمدد تركي في الشمال، وسياسات إسرائيلية في الجنوب تهدد الاستقرار. ولكنه اعتبر أنّ هناك قدرة على عقد تفاهمات مع تركيا، بينما الموقف الإسرائيلي لا يمكن قبوله.
وشدد على أن الحوار الوطني كان «منقوصاً»، وأن العدالة الانتقالية وتوسيع دائرة الحكم يمثلان التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة من أجل استقرار سوريا.
وعن سؤال “لماذا تبنته أمريكا” بخصوص الرئيس الشرع، أجاب عز الدين بأنّ أولويتين تحكمان السياسة الأمريكية في سوريا:
- أمن إسرائيل.
- إنهاء نفوذ إيران.
ويعتبر أن نفوذ إيران جرى تقليصه، بينما تبقى أولوية ضمان أمن إسرائيل، في ظل مطالب إسرائيلية يراها «مبالغاً فيها»، مثل تحييد الجنوب السوري بالكامل والإبقاء على احتلال الجولان.
الرواية المقدمة في هذه المقابلة ترسم صورة مفادها أن السقوط لم يكن نتيجة عامل واحد، بل تراكماً لضعف داخلي وتبدل في الحسابات الدولية. غير أن مثل هذه السرديات، بطبيعتها، تعكس زاوية نظر محددة، وتبقى بحاجة إلى مقارنتها بروايات أخرى لفهم الصورة الكاملة.
يُعاب على رأي عز الدين أنّه تخطى الدور التركي، وقد يكون هو الدور الأكبر في كامل رواية التغيير والبديل، والأهم مدى التقارب التركي الروسي الذي سمح بسلاسة إسقاط سلطة الأسد في أيام. تحتاج هذه النقطة تحديداً إلى دراسة أكبر، ولن تفيدنا كلمات عز الدين هنا سوى بالاستئناس.
ما يبدو ثابتاً أن لحظة السقوط هي انعكاس لسنوات طويلة، وأنّها لم تكن مفاجئة بالكامل لمن كانوا داخل دوائر التفاوض، بل كانت نتيجة مسار طويل من الانسداد السياسي، ومحاولات تسوية لم تكتمل، وقرارات لم تُتخذ في توقيتها المناسب.
اقرأ أيضاً: ترامب وغيره.. لماذا يريدون احتكار الفضل في رئاسة سوريا؟









