سياسة

إحاطة جنيف: ماذا عن “مؤشر الشرعية” في سوريا.. من العدالة الانتقالية إلى إصلاح الأمن!

قراءة تحليلية تستند إلى إحاطة جنيف الصادرة في 13 آذار 2026

الكاتب: أحمد علي

تختبر المراحل الانتقالية صدقية السلطة أكثر مما تختبر قدرتها على رفع الشعارات، فالدولة الخارجة من حرب طويلة لا تُقاس بما تعلنه عن المستقبل فقط، بل بما تفعله حيال جراح الماضي ومخاوف الحاضر. من هذه الزاوية تبدو إحاطة جنيف الصادرة في 13 آذار 2026 عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أشبه بميزان عملي، فهي لا تقدم رقماً جاهزاً لما يمكن تسميته “مؤشر الشرعية في سوريا”، لكنها تضع عناصره أمام القارئ بوضوح، من العدالة الانتقالية إلى إصلاح القطاع الأمني واستقلال القضاء وقدرة الدولة على طمأنة المجتمعات المتضررة.

وحين قال المسرحي السوري سعد الله ونوس: “إننا محكومون بالأمل”، بدا كأنه يصف حاجة السوريين إلى أفق جديد، لكن الأمل هنا لا يكتسب معناه إلا إذا تحول إلى مؤسسات وقواعد مساءلة وضمانات عدم تكرار. لذلك فإن السؤال الذي تفتحه إحاطة جنيف ليس عما إذا كانت سوريا قد دخلت انتقالاً سياسياً جديداً فحسب، بل عما إذا كانت السلطة الانتقالية قادرة على تحويل هذا الانتقال إلى شرعية يومية محسوسة في المحكمة ومركز الشرطة وملف المفقودين وعلاقة المواطن بالدولة.

مؤشر الشرعية في سوريا

إذا استعنا بالمعنى المتداول دولياً لشرعية الدولة، فهو لا يقتصر على الاعتراف الخارجي أو السيطرة الإدارية، بل يتعلق بتمثيل السلطة وانفتاحها وبمستوى الثقة الشعبية في المؤسسات. بهذا المعنى، يصبح “مؤشر الشرعية في سوريا” اختباراً مركباً يربط بين شمولية الحكم وشفافيته واحترام الحقوق الأساسية. والتقرير الأممي يتحدث عن تقدم أولي في بناء مؤسسات جديدة وخطوات نحو حوكمة أكثر شمولاً، لكنه يصف المرحلة في الوقت نفسه بأنها هشة ومتنازعاً على اتجاهها.

تشير لجنة التحقيق إلى إنشاء هيئتين وطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، وإلى عودة ملايين السوريين من اللاجئين والنازحين منذ أواخر 2024، لكنها تربط ذلك بتحفظات أساسية، منها استمرار المخاوف من تمركز السلطة في الجهاز التنفيذي وضعف الإشراف المؤسسي وتفاوت ثقة المجتمعات المحلية في مسار الانتقال. لذلك يبدو “مؤشر الشرعية في سوريا” أقل ارتباطاً بخطاب النوايا، وأكثر تعلقاً بسؤال بسيط وحاسم، هل يشعر السوري بأن الدولة الجديدة تحميه على قدم المساواة أم لا.

عدالة تثبت ولا تؤجل

تبدو العدالة الانتقالية في الإحاطة الأممية نقطة البداية الأخلاقية والسياسية معاً، فالمفوض السامي لحقوق الإنسان رحب سابقاً بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين، فيما رأت لجنة التحقيق في آذار 2026 أن الحكومة اتخذت خطوات أولية بناءة في ملفي العدالة والمساءلة. لكن المسألة الحاسمة لا تكمن في إنشاء الهيئات وحده، بل في كيفية عملها واستقلالها وقدرة الضحايا على الوصول المتكافئ إلى الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر.

هنا يدخل عامل الانتقاء كأحد أخطر ما يهدد الشرعية، وجاء في “هيومن رايتس ووتش” أن جهود العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية أو أحادية، وإن المحاسبة يجب ألا تتوقف عند الأفراد الأدنى رتبة مع ترك مسؤوليات القادة وكبار المسؤولين في المنطقة الرمادية. وحتى في القضايا التي شهدت تحقيقات ومحاكمات أولية بعد عنف الساحل والسويداء، بقيت أسئلة القيادة والمسؤولية المؤسسية مطروحة بقوة. لذلك فإن العدالة التي ترفع “مؤشر الشرعية في سوريا” ليست عدالة الاستعراض، بل عدالة تشمل انتهاكات الماضي وانتهاكات المرحلة الانتقالية نفسها وتُبقي الضحايا في مركز المشهد.

أمن يحرس لا يحكم

إذا كانت العدالة تمنح الشرعية معناها الأخلاقي، فإن إصلاح الأمن يمنحها معناها العملي، فالدولة التي تعلن التزامها بالحقوق ثم تترك السلاح خارج المعايير المهنية، أو تُبقي الأجهزة قائمة على الولاء والغلبة، تفقد كثيراً من صدقيتها. ويذكر تقرير لجنة التحقيق أن حل الجيش والأجهزة السابقة خلق فراغاً أمنياً جرى ملؤه بسرعة عبر دمج فصائل وقوى مختلفة في وزارتي الدفاع والداخلية، لكن هذا الدمج تم في حالات كثيرة من دون تدقيق كاف في السجل الحقوقي للأفراد والقادة، ومع تدريب أولي محدود، ومع استمرار بعض سلاسل القيادة بشكل شبه مستقل.

هذه التفاصيل ليست تقنية فحسب، بل سياسية بامتياز، لأنها تعني أن “مؤشر الشرعية في سوريا” لا يرتفع لمجرد انتقال الأسماء من خانة الفصيل إلى خانة المؤسسة، بل حين يصبح الاحتكار المشروع للعنف مقيداً بالقانون والرقابة المدنية والمعايير المهنية.

اللجنة تحدثت عن الحاجة إلى تدقيق شامل واستبعاد من تورطوا في انتهاكات وتعزيز الاحتراف والمساءلة، وربطت بين إصلاح الأمن وإصلاح القضاء وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ومن زاوية سورية داخلية، تلتقي هذه الخلاصة مع ما طرحته الشبكة السورية لحقوق الإنسان حين دعت إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وإصلاح العقيدة الأمنية بحيث تنتقل من حماية السلطة إلى حماية المواطنين.

الثقة أصعب من السيطرة

لا تُختبر الشرعية في العاصمة فقط، بل في الأطراف والمناطق المتضررة وفي ذاكرة الجماعات التي تشعر بأنها كانت مستهدفة أو مهمشة، لهذا شددت لجنة التحقيق على أن الشفافية والمحاسبة وإصلاح الأمن والتواصل مع المجتمعات المتأثرة عناصر لازمة لبناء الثقة، فالعنف واسع النطاق الذي شهدته مناطق الساحل في آذار 2025، ثم ما شهدته السويداء في تموز من العام نفسه، ترك جروحاً عميقة لدى فئات واسعة من المجتمع السوري، ورسخ شعوراً بأن السيطرة العسكرية لا تكفي لطمأنة الناس إلى أن الدولة تقف على مسافة واحدة منهم.

لهذا ركز الحوار الذي نظمه المركز الدولي للعدالة الانتقالية في جنيف على بناء مؤسسات شفافة وشاملة وعلى توضيح ولايات اللجان الجديدة وبناء الثقة المجتمعية، ولا سيما في ملف المفقودين.

ويزداد هذا الأمر إلحاحاً إذا تذكرنا أن لجنة التحقيق أحصت حاجة 16.5 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية وربطت بين اليأس الاقتصادي وإمكان تغذية العنف… بهذا المعنى، لا يمكن فصل “مؤشر الشرعية في سوريا” عن قدرة الدولة على توفير حد أدنى من الحياة الكريمة، لأن العدالة من دون أمن مهني ناقصة، والأمن من دون خدمات وعدالة يتحول سريعاً إلى إدارة هشاشة لا إلى بناء دولة.

الشرعية حين تصنعها المؤسسات

خلاصة إحاطة جنيف أن الشرعية في سوريا لم تعد مسألة رمزية أو دبلوماسية، بل مسألة مؤسسات.. هناك فرصة حقيقية كما تقول الأمم المتحدة، وهناك أيضاً مخاطر حقيقية إذا تُركت الانتهاكات الحديثة بلا مساءلة، أو إذا بقيت العدالة انتقائية، أو إذا تأخر إصلاح الأمن والقضاء. لهذا يبدو “مؤشر الشرعية في سوريا” اليوم مؤشراً مؤسسياً بامتياز، يقيس مقدار انتقال الدولة من الوعد إلى القاعدة، ومن التفوق العسكري إلى الحماية المتساوية، ومن سردية الخلاص إلى نظام حقوق.

قد لا تقدم إحاطة 13 آذار 2026 رقماً نهائياً لهذا المؤشر، لكنها تقدم معاييره، وكل معيار منها يضع السلطة الانتقالية أمام اختبار واضح، أن تكون العدالة شاملة، وأن يكون الأمن مهنياً وخاضعاً للقانون، وأن يشعر المتضررون بأنهم جزء من المستقبل لا مجرد هامش له، وأن يلقى هذا المسار دعماً دولياً يساعده على النجاح من دون أن يصادر ملكيته السورية.

وعند تلك النقطة فقط يصير قول سعد الله ونوس عن الأمل أقل شاعرية وأكثر واقعية، لأن الأمل حين يسنده القانون والإنصاف والإصلاح، يتحول من مزاج عام إلى شرعية قابلة للبقاء.

اقرأ أيضاً: مخيم الزربة.. ماذا عن وعد «صفر مخيمات» والعدالة الانتقالية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى