مقالات

أي اقتصاد يُبنى في سوريا اليوم؟

بقلم: جوزيف ضاهر

هل يكفي رفع العقوبات ليتحقق التعافي الاقتصادي في سوريا، اقتصاد البلاد الذي أنهكته الحرب؟ وهل تعني عودة العلاقات الدولية وتدفّق الوعود الاستثمارية أن سوريا دخلت فعلياً مرحلة إعادة الإعمار؟ ثمّ، أي اقتصاد يُعاد تشكيله اليوم: اقتصاد إنتاجٍ وفرص عمل، أم اقتصاد صفقاتٍ سريعةٍ واستقرار سياسي هشّ؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية في سوريا ما بعد سقوط سلطة الأسد، بل باتت جزءاً من النقاش اليومي للسوريين، في ظل انفتاح دولي متسارع، ورفع واسع للعقوبات، يقابله استمرار الضغوط المعيشية، وضعف الخدمات، وغياب تحسّن ملموس في حياة الغالبية. وبين التفاؤل الرسمي والواقع الاقتصادي القاسي، تتسع الفجوة بين ما يُعلن عنه وما يُعاش بالفعل.

في محاولة للإجابة عن هذه الإشكاليات، صدرت ورقة بحثية للباحث جوزيف ضاهر بعنوان «من اقتصاد الحرب إلى ماذا؟ التوجّه الاقتصادي المستقبلي لسوريا وتحدّياته البنيوية»، منشورة في مؤسسة فريدريش إيبرت، حيث قدّم فيها الباحث قراءة نقدية لمسار التعافي الاقتصادي الناشئ، واضعًا رفع العقوبات في سياقه السياسي والاقتصادي الأوسع، ومفككاً ما يرافقه من رهانات ومخاطر.

في هذا المقال، تعرض «سوريا اليوم 24» أبرز ما جاء في هذا البحث، لا بوصفه نصاً نهائياً أو مكتفياً بذاته قادراً على الإتيان بكامل الإجابات، بل كأداة لفهم المشهد، ومحاولة تجميع اللوحة الاقتصادية السورية بكل تناقضاتها، وتدارك ما يغفله الخطاب المتفائل أو القراءة الاستثمارية السطحية.

رفع العقوبات: كسر العزلة أم بداية تعافٍ حقيقي؟

يُظهر البحث أن رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية واليابانية عن سوريا في عام 2025 شكّل لحظة مفصلية أعادت فتح باب الأمل بإمكانية التعافي الاقتصادي بعد سنوات من العزلة والانهيار.

فالقرار أتاح، نظرياً، إعادة ربط المصارف السورية بالنظام المالي العالمي، وتحرير الأصول المجمّدة، وتسهيل الوصول إلى القروض والمؤسسات المالية الدولية، وهو ما ترافق مع موجة تفاؤل دولي واتفاقيات ومذكّرات تفاهم استثمارية، خصوصاً مع دول الخليج وتركيا.

غير أن الدراسة تؤكّد أن هذا التطوّر لم يكن اقتصادياً صرفاً، بل جاء ضمن اصطفاف جيوسياسي واضح تسعى من خلاله السلطات الجديدة إلى نيل الاعتراف الدولي وتثبيت موقعها ضمن محور تقوده أمريكا، مقابل تطمينات سياسية وأمنية.

وعلى الرغم من كثافة الإعلانات الاستثمارية وتأسيس مجالس أعمال مشتركة، يشير البحث إلى أن معظم هذه الاتفاقيات بقيت في إطار رمزي أو سياسي، تفتقر إلى الشفافية والتفاصيل التنفيذية، وتعكس أولوية الاستقرار السياسي وشرعنة السلطة الجديدة أكثر مما تعكس التزاماً فعلياً بإعادة إعمار منتجة ومستدامة. وبذلك، يخلص هذا القسم إلى أن رفع العقوبات، رغم كونه شرطاً ضرورياً، لا يشكّل بحد ذاته ضمانة لتعافٍ اقتصادي حقيقي ما لم يُترجم إلى سياسات واضحة واستثمارات فعلية.

اقتصاد ما بعد الحرب: دمار عميق وقدرة محدودة على النهوض

يوضح البحث أن العقبة الأساسية أمام أي تعافٍ اقتصادي في سوريا لا تكمن في العقوبات وحدها، بل في البنية الاقتصادية المنهكة التي خلّفتها أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحرب. فقد أدّى النزاع إلى تدمير واسع للبنى التحتية، وانهيار العملة، وشلل قطاع الطاقة، وتآكل القاعدة الإنتاجية في الصناعة والزراعة، إلى جانب تفريغ سوق العمل من اليد العاملة الماهرة بفعل النزوح والهجرة.

وتبرز أزمة الطاقة بوصفها عنق الزجاجة الرئيسي، إذ إن ارتفاع كلفة الكهرباء، وتدنّي ساعات التغذية، وتضرّر أكثر من نصف البنية التحتية الكهربائية، تجعل إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية مسألة شبه مستحيلة.

في الوقت نفسه، يلفت التقرير النظر إلى هشاشة القطاع الخاص، الذي تهيمن عليه مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر ضعيفة رأس المال، في ظل سياسة تحرير تجاري متسارعة تهدّد بإغراق السوق بالواردات، ولا سيما من تركيا، ما يضع الإنتاج المحلّي أمام منافسة غير متكافئة.

يُضاف إلى ذلك محدودية الموارد المالية للدولة، وإصلاحات ضريبية غير تصاعدية، ما يقيّد قدرة الحكومة على لعب دور تنموي فعلي ويجعل التعافي هشّاً وعُرضة للانتكاس.

خيارات السلطة الجديدة: أي سوق حرّ في بلد فقير؟

يرصد البحث واقع أنّ السلطات السورية الجديدة تبنّت توجّهاً اقتصادياً قائماً على منطق السوق الحرّ، والخصخصة، وتقليص دور الدولة، مقروناً بإجراءات تقشّفية واسعة، في سياق سياسي واجتماعي يتّسم بهشاشة شديدة. ويُحذّر التقرير من أن هذا الخيار، حين يُطبّق في مرحلة انتقالية غير مستقرة، يحمل مخاطر مرتفعة في بلد يعيش أكثر من تسعين في المئة من سكّانه تحت خط الفقر.

ويُقارن البحث هذا المسار بتجارب دول خارجة من النزاع، مثل لبنان والعراق، حيث أدّى تبنّي سياسات مشابهة إلى تعزيز الريعية والزبائنية، وتهميش القطاعات الإنتاجية، وتعميق اللامساواة الاجتماعية.

في الحالة السورية، يتجلّى هذا التوجّه في التركيز على جذب الاستثمارات السريعة العائد في قطاعات العقارات والسياحة والخدمات، مقابل إهمال الصناعة والزراعة، إضافة إلى التوسّع في صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي تنقل السيطرة على أصول وخدمات أساسية إلى القطاع الخاص لفترات طويلة.

كما أن رفع الدعم عن الخبز والطاقة والمحروقات، وتسريح أعداد كبيرة من موظّفي القطاع العام، جرى قبل بناء شبكات حماية اجتماعية فعّالة، ما فاقم الضغوط المعيشية وأضعف الثقة الشعبية بالمرحلة الانتقالية.

خاتمة: تعافٍ بلا سياسة تنموية؟

في المحصّلة، يبيّن البحث أن المعضلة الاقتصادية في سوريا لا تختزل برفع العقوبات أو بعودة العلاقات الدولية، بل تتجاوزها إلى سؤال أعمق حول طبيعة الاقتصاد الذي يُعاد تشكيله. فالكلفة الاقتصادية التراكمية للنزاع تُقدّر بنحو 923 مليار دولار، منها 123 مليار دولار خسائر مادية مباشرة، فيما انكمش حجم الاقتصاد إلى قرابة 17.5 مليار دولار مقارنة بنحو 60 مليار دولار قبل عام 2011. ويعيش أكثر من 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر، بينما تعتمد شريحة واسعة من المجتمع على تحويلات خارجية تتجاوز 4 مليارات دولار سنوياً.

وتُظهر الأرقام عمق الاختناق البنيوي: فقد تراجعت القدرة الإنتاجية للكهرباء من نحو 8500 ميغاواط قبل الحرب إلى واقع لا يوفّر في المتوسط أكثر من أربع ساعات تغذية يومياً في معظم المناطق، في حين تشكّل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر أكثر من 95 في المئة من وحدات القطاع الخاص، وهي مشاريع ضعيفة التمويل وعُرضة للانهيار أمام المنافسة الخارجية.

انطلاقاً من ذلك، يخلص البحث إلى أن الخطر لا يكمن في فشل التعافي فقط، بل في نجاحه الشكلي: أي قيام اقتصاد قائم على الصفقات السريعة والعقارات والخدمات، من دون إعادة بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد فرص العمل والدخل.

وبينما قد يمنح هذا المسار استقراراً سياسياً مؤقتاً وشرعية خارجية، فإنه يترك السؤال الجوهري مفتوحاً: هل تنتقل سوريا فعلاً من اقتصاد حرب إلى اقتصاد تنمية، أم إلى نسخة جديدة من اقتصاد هشّ، يتغيّر شكله وتبقى أزمته قائمة؟

اقرأ أيضاً: سوريا الجديدة نبض الحاضر للمستقبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى