سياسة

أيّ عدالة اجتماعية نريد في سوريا؟ مفهومٌ ملتبس بين الشعار والضرورة

طريقٌ واقعي للعدالة لاجتماعية في سوريا.. أيّ المعايير تصلح أكثر؟

بقلم: ريم ريّا

تردد مفهوم العدالة الاجتماعية في الخطاب العام السوري بكثرة في الآونة الأخيرة، وأغلبه دون تحديد واضح لمعناها أو للمرجعية الفكرية التي تنطلق منها. فهي تستدعى وتستخدم أحياناً كشعار أخلاقي، وأحياناً كتبرير لتدخل الدولة، وفي حالات أخرى كأداة للمزايدة السياسية، ما يجعلها مفهوماً فضفاضاً أكثر منه إطاراً واضحاً أو تحليلياً للواقع .

في هذه المقالة، سنناقش العدالة الاجتماعية من منظور المدرسة الليبرالية الكلاسيكية، التي تناولت العلاقة بين الحرية الفردية ودور الدولة والمساواة أمام القانون. كما سنطرح في الوقت ذاته أسئلة من صلب الواقع: حول مدى ملاءمة هذه المقاربة للحالة السورية، وما إذا كانت سوريا بحاجة إلى تبنّي مدرسة عدالة بعينها، أم أن سوريا بحاجة إلى صيغة خاصة تستجيب لتعقيدات واقعها الاجتماعي والاقتصادي.

العدالة الاجتماعية في سوريا بصورة أكثر وضوحاً

في البداية وقبل أن نُعرّج على حال العدالة الاجتماعية في سوريا، سنوضح مفهوم هذا المصطلح من منظور المدرسة الليبرالية الكلاسيكية، تنطلق هذه المدرسة في تعريفها لمفهوم العدالة الاجتماعية من تصور مغاير لما هو شائع في الخطاب السياسي العربي، إذ لا تُعرّف العدالة بوصفها مساواة في النتائج أو توزيعاً مركزياً للثروة، بل باعتبارها مساواة قانونية تامة بين الأفراد، وضماناً للحريات الأساسية، وتكافؤاً حقيقياً في الفرص.

في هذا الإطار، يرتبط مفهوم العدالة الاجتماعية بشكل وثيق بسيادة القانون وحماية الملكية الخاصة وحرية التعاقد والعمل، مع حصر دور الدولة في التنظيم ومنع التعدي والاحتكار، لا في إدارة الحياة الاقتصادية بالمطلق.

يعد مفكرون مثل آدم سميث، ديفيد هيوم، ثم لاحقاً فريدريك هايك من أبرز أعلام هذه المدرسة. بالرغم من أن “فريدريك هايك” يعتبر امتداداً للأفكار الليبرالية، لكن كان لديه نظرة مختلفة تجاه “العدالة الاجتماعية” حيث يرفض “هايك” التدخل الاجتماعي ويركز على عدالة السوق الحرة، مما يجعله شخصية مثيرة للجدل في هذا السياق، في حين أن الليبرالية الكلاسيكية كانت تركز على الحقوق الأساسية التي تضمن العدالة بشكل غير مباشر.

لكن بالمحصلة، أغلبهم شددوا على أن العدالة لا تتحقق عبر تدخل الدولة الواسع، بل عبر إطار قانوني محايد يتيح للأفراد السعي لتحقيق مصالحهم دون تمييز أو امتيازات مصطنعة، بل إن المساواة بينهم هي مساواة قانونية وفرص متكافئة للجميع. يتساوى الأفراد في الحقوق والحريات نفسها، أما الفوارق الاجتماعية والاقتصادية تترك لنتائج السوق والاختيار الفردي.

وفقاً لهذا التعريف، يصعب القول أن العدالة الاجتماعية الليبرالية كانت قائمة في سوريا في السابق أو في المرحلة الحديثة. إذ غابت المساواة الفعلية أمام القانون، وتداخلت السلطة السياسية مع الاقتصاد، وتحولت الدولة في السابق من ضامن محايد إلى فاعل توزيعي يمنح الامتيازات ويقيّد تكافؤ الفرص.

من هنا برزت مغالطات العدالة الاجتماعية في الحالة السورية منذ عهد النظام السابق وحتى اليوم، حيث جرى استخدام المفهوم لتبرير سياسات ريعيه ودعم غير موجّه، وتكريس شبكات زبائنية رصدت أكثر في عهد النظام السابق، بدلاً من بناء تكافؤ فرص حقيقي.

أما اليوم، وبالرغم من أن الإعلان الدستوري الجديد الصادر عام 2025، نص صراحةً في المادة 11 منه على أن: “يهدف الاقتصاد الوطني إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الشاملة وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين”، إلا أن الإشكال لا يزال قائماً بين النص والممارسة، إذ بقيت حتى الآن العدالة الاجتماعية مجرد نص ومفهوم إنشائي عام، غير مرتبط بمعايير واضحة ولا يخضع لأدوات مؤسساتية تضمن تحققه، هذا ما أعاد إنتاج الفجوة التقليدية بين الإعلان أو النص القانوني في سوريا والواقع الاجتماعي المعاش.

اقرأ أيضاً: استقرار سوريا: بين العدالة الانتقالية الجنائية والعدالة الاجتماعية.. أيهما المرساة؟

آراء الشارع السوري عن مفهوم العدالة الاجتماعية

من خلال استطلاعنا للآراء على مواقع التواصل الاجتماعي وسؤالنا لبعض المواطنين عن رأيهم بالعدالة الاجتماعية على أرض الواقع، اتضح لنا أن العدالة الاجتماعية في وعي الشارع السوري لا تتعدى كونها مفهوم تحوم حوله الإشكالية ويغطيه الالتباس، أكثر من كونه تصوراً محدد الملامح.

رأي المواطنين في مواقع التواصل الاجتماعي لا يختلف كثيراً عن رأيهم في الواقع، إذ يتعامل معظم المواطنين مع هذا المفهوم بوصفه تعبيراً عاماً عن الإنصاف المعيشي لا كإطار قانوني منضبط ومحدد. مثال على ذلك، في التداول اليومي تختزل العدالة الاجتماعية بأغلب توصيفاتها في القدرة على تأمين الحد الأدنى من العيش، وضبط الأسعار، وتوفير فرص العمل، أكثر مما تُربط بمفاهيم تكافؤ الفرص.

أما في الواقع، وباستطلاع أجريناه على عدد من المواطنين، قالت مواطنة من مدينة جبلة، أن العدالة الاجتماعية تعني “أن تأخذ كل الناس حقوقها في التعليم والوظائف والمعاشات والغذاء”، وأضافت: “حتى في المعاملة في الدوائر الحكومية والخاصة بحيث لا يتم تفضيل أي شخص بناءً على اسمه أو ثروته أو منطقته وحتى انتمائه”.

بينما ترى مواطنة أخرى أن العدالة الاجتماعية تقوم على: “أن يكون الناس سواسيه في كل شيء بلا تمييز“، وركزت في كلامها على موضوع تكافؤ الفرص بالعمل وأن يكون الاختيار بناءً على المجهود المقدم والإمكانية والكفاءة الحقيقية بمعزل أن انتماء الفرد لمنطقة معينة أو تبعيته لجهة محددة.

في حين يرى مواطن من اللاذقية، “أن مفهوم العدالة الاجتماعية يُطبق فقط في حالة “المجتمع المثالي” وفق تعبيره، “ويحتاج هذا المفهوم إلى وسط خالٍ من الفساد لتطبيقه”، وتعني العدالة بشكل بسيط حسب رأيه: “أن يعي كل مواطن أن له حقوق وعليه واجبات يتحتم القيام بها تحت سقف القانون الذي من المفترض أن يهابه الجميع دون استثناء”.

من منظورٍ آخر، يرى أحد المواطنين، “أن العدالة الاجتماعية هي مساواة بالحقوق والواجبات، ولا تتم إلا بوضع دستور جامع للبلاد وقضاء نزيه يطبق القانون على الجميع”. والملفت والمؤسف في ذات الوقت إجماع كل من طالهم الاستطلاع على أرض الواقع، على أن العدالة الاجتماعية في سوريا صعبة التطبيق حتى على المدى المتوسط، وأن الدولة وحدها هي المخولة بضبطها، وهذه النقطة يتقاطع بها مجمل الرأي العام السوري، إذ يميل إلى تحميل الدولة المسؤولية الكاملة، بوصفها الفاعل الوحيد القادر على التدخل، لا باعتبارها منظماً محايداً، بل كطرف مباشر في التوزيع والدعم.

هذا التصور يعكس تراكماً تاريخياً لخطاب رسمي قدم العدالة الاجتماعية كمنحة فوقية لا كحق قانوني، ما أسهم في تغييب الضوابط المؤسسية والمعايير الواضحة عنها في الوعي العام. ونتيجةً لذلك، لا يظهر المفهوم لدى المواطن السوري كمنظومة متكاملة قابلة للقياس والمساءلة، بل كحالة شعورية مرتبطة بالإحساس بالغبن أو الرضا، تتبدل بتبدل الظروف المعيشية، وهو ما يفسر استمرار الالتباس بين العدالة الاجتماعية بوصفها حقاً، وبينها كأداة تدخل ظرفية تُستدعى وتُفعّل عند الأزمات.

عوائق العدالة الاجتماعية في سوريا.. وكيف ننظمها؟

بعد عامٍ على التحرير، تواجه العدالة الاجتماعية في سوريا عوائق بنيوية متراكمة تتجاوز الإدارة السياسية إلى واقع مؤسسي واقتصادي هش وشبه منهار. في مُقدمة تلك العوائق تدمير البنية الإنتاجية على مدى سنوات الصراع، وضعف الموارد العامة، وتآكل الطبقة الوسطى وغيابها بشكل شبه نهائي. إضافةً إلى غياب جهاز إداري قادر على إنقاذ السياسات بعدالة وشفافية.

ناهيك عن إرث طويل من “تسييس” مفهوم العدالة الاجتماعية وتحويله إلى أداة توزيع انتقائي، ما أفقده الثقة والوضوح في الوعي العام، وأضعف أي إمكانية لتطبيق نماذج شاملة أو راديكالية في المدى القريب أو المتوسط على أبعد تقدير.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو تطبيق النموذج الليبرالي الكلاسيكي بصيغته الخام الصافية غير ممكن اجتماعياً، وتَبني العدالة التوزيعية على النمط “الراولزي” القائم على إنصاف توزيع الفرص والموارد الاجتماعية، غير ممكن كونه سيصطدم بغياب الموارد والمؤسسات الضابطة، فضلاً عن مخاطر إعادة إنتاج الريعية كونه يسمح بعدم المساواة إلا إذا كانت تصب في مصلحة الفئات الأضعف.

بناءً عليه، الخيار الأكثر واقعية حالياً في سوريا، ولو كإجراء إسعافي مرحلي مؤقت، يتمثل في اعتماد معيار العدالة القانونية وتكافؤ الفرص بوصفه الحد الأدنى القابل للتطبيق، من خلال تثبيت المساواة أمام القانون، وفصل السلطة عن الامتياز الاقتصادي، وضمان وصول عادل إلى التعليم والعمل والخدمات الأساسية، مع شبكة أمان اجتماعي محدودة وموجّهة.

هذا النهج لا يدّعي تحقيق عدالة اجتماعية مكتملة، لكنه يضع الأساس العملي للانتقال من العدالة كشعار إلى العدالة كمنظومة قابلة للضبط، ريثما يتم إقرار دستور أو إطار قانوني واضح لا يكتفي بتعريف العدالة الاجتماعية، بل يحدد أدواتها، وآليات مراقبتها، ومسؤوليات تنفيذها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى