“أيُعقل أن يخسر الفلاح تعب موسمه؟!” .. قمح حماه يستغيث من فكّي الآفات والغرق

بقلم: ديانا الصالح
يواجه محصول القمح في ريف حماه أزمة حادة نتيجة الإصابة بالآفات المرضية والانتشار الحشري المهدد لسلامة الإنبات، في ظل تعالي الأصوات والشكاوى حول ضعف الإرشادات الزراعية والإهمال الحكومي، وما زاد الطين بلّة غرق مساحات واسعة من الأراضي المزروعة دون وجود سياسات وقائية مسبقة أو تعويض للخسائر، مما يثير تساؤلات ملحّة حول فعالية الجهود في الدفاع عن أهم المحاصيل الاستراتيجية في سوريا.
وتأتي هذه الشكاوى في وقت تستنفر فيه البلاد للمحافظة على أصغر سنبلة قمح، تجنباً للوقوع في بؤرة الجوع الشديد التي حذرت منها تقارير أممية، فأي هزة تصيب هذا المحصول الحيوي ترتد بشكل مباشر على رغيف الخبز والأمن الغذائي السوري.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
محصول القمح في ريف حماه
تتعالى أصوات الشكاوى دون وجود آذان صاغية، فبينما يعاني فلاحو ريف حماه الغربي من انتشار الأمراض الفطرية والحشرات، وسط غياب للجولات الإرشادية الدورية، تتوارد إعلانات عن الاهتمام بالجولات التفقدية المكثفة للكشف عن الآفات وضمان سلامة محصول القمح دون تطبيق عملي جدي، حيث لا تتعدى حاجز “الحبر على الورق”، وفقاً لما يصفه المواطن أبو علي لسوريا اليوم 24، قائلاً: “نسمع عن جولات دون رؤيتها”، مشيراً إلى إصابة محاصيل القمح في سهل الغاب بآفات لم يُحدد نوعها بعد وقد أدت إلى توقف نمو معظم المحاصيل، حيث يرجح الفلاحون أنها حشرات تسمى بدودة القمح ولكنها تبدو غير ذلك، فقد تضررت أنسجة الأوراق مما أدى إلى اصفرارها بشكل تدريجي منتشر في كامل النبتة.
وشدد أبو علي على ضرورة إطلاق جولات إرشادية دورية لإحاطة الفلاحين بوضع محاصيلهم، فمعظمهم لا يستطيع التمييز بين المرض الحشري والفطري، مؤكداً عدم الاستجابة الرسمية رغم المناشدات المتكررة للكشف عن وضع هذه الأراضي.
فيما ينقل المواطن حسن المحيميد من ريف حماه لسوريا اليوم 24، مخاوف فلاحي المنطقة من انتشار الآفات والحشرات لا سيما بعد رصد إصابات بحشرة الجراد في بعض الحقول، حيث يروي حجم المعاناة المادية، قائلاً: “لم تعد قدرتي المادية تستوعب خسارة جديدة”، موضحاً أنه تكبد خسائر فادحة خلال الموسم الماضي بسبب “البذور الفاسدة” المصابة بحشرة السونة، قائلاً: زرعت 15 دونماً بهذه البذور، لم ينبت منها شيء، وحالي هو حال معظم الفلاحين في منطقتي، مما اضطرني إلى إعادة فلاحة الأرض، بعد شراء بذور جديدة من أحد التجار، ولكن النتيجة كان تدني الإنتاج بسبب التأخر في توقيت الزراعة”.
كما يشير محيميد إلى الأعباء المالية التي أثقلت كاهله نتيجة لإعادة زراعة أرضه المتأخرة وما رافقها من أجور حراثة إضافية، موضحاً غياب الدعم الحكومي بقوله: “رغم مناشداتنا المتكررة لاتحاد الفلاحين، لم نتلقّ أي تعويض، علماً أن القسم الزراعي في جب رملة عاين الأضرار وأحصى المساحات المتضررة”، كما حمّل المزارع المصرف الزراعي في مصياف مسؤولية الخسائر نتيجة لتوزيعه البذار التالفة للفلاحين، مختتماً: “أيُعقل أن يتعب الفلاح طوال السنة ليخسر موسمه في النهاية؟ عندما يكون الفلاح بخير فالوطن بخير”.
وفي هذا السياق، يستنكر مزارعون على مواقع التواصل الاجتماعي الإهمال الحكومي الذي كبدهم خسائر فادحة، أبرزها استباحة الأراضي من قبل رعاة الأغنام دون رقيب رغم البلاغات المتكررة، إلى جانب عدم توفير المبيدات الحشرية والأدوية الزراعية لحماية المحاصيل في الوقت المناسب، فضلاً عن الشحّ الصارخ في كمية الأسمدة الموزعة، حيث يشير مواطن إلى أن المزارع الذي يملك 50 دونم يستلم ذات الكمية التي يحصل عليها صاحب الخمس دونمات، مطالبين بدعم حقيقي بالسماد، خاصة وأن توزيع 7 كيلوغرام سماد فقط للدونم غير كافية نهائياً.
تناقض بين الروايات الشعبية والرسمية
كشفت مديرية زراعة حماه، إصابة عدد من حقول القمح في ريف المحافظة بحشرة النطاط، بعد تقييم المحاصيل عبر جولة ميدانية أجراها مدير الزراعة صفوان المضحى إلى جانب معاون رئيس الرعاية والوقاية عمار جلود.
كما أكدت المديرية توجيه العمل المكثف للرصد والمتابعة الدورية، إضافة إلى اتخاذ كافة التدابير الوقائية والفنية للحد من انتشار هذه الحشرة، لضمان سلامة محصول القمح في ريف حماه واستقراره الإنتاجي.
وفي سياق متصل، أعلنت هيئة تطوير الغاب تنفيذ عدة إجراءات لدعم المزارعين، والتي تتمثل بمتابعة عملية تنفيذ “القرض الحسن”، إلى جانب توزيع كميات كبيرة من الأسمدة، فضلاً عن الاستمرار في أتمتة بيانات ما يزيد عن 15 ألف مستفيد.
وإلى ذلك، نستنتج تناقضاً واضحاً بين شهادات الأهالي والرواية الرسمية، مما يضع عدة علامات استفهام حول الإنجازات المُعلنة مع غياب الأرقام، مما يعكس نوعاً من الضبابية في آلية دعم الفلاح، لا سيما بما يتعلق بمحاصيل القمح الاستراتيجية.
أمراض فطرية ودعوة للعلاج المبكر
أكد المكتب الإعلامي للهيئة مواصلة دائرة الوقاية تكثيف جولاتها التفقدية على بعض حقول محصول القمح في ريف حماه ضمن قسم أفاميا، حرصاً على سلامة الموسم عبر الكشف المبكر عن الآفات والفطريات، مشيراً إلى رصد انتشار واسع النطاق لحفارات أوراق الحشائش المعروفة بيرقة دودة الزرع، إلى جانب حشرة “الجراد” فضلاً عن تسجيل إصابات بمرض فطري يُعرف باسم “التبقع السبتوري”.
انطلاقاً من هذه النتائج، دعت الهيئة المزارعين إلى ضرورة التحرّك الفوري للبدء بإجراءات المكافحة عبر المبيدات الفطرية والحشرية الملائمة، مؤكدة أهمية المعالجة السريعة لضمان سلامة المزروعات وتحقيق مردود أفضل.
وعلى الرغم من أهمية المطالبة بالتحرك الفوري للمعالجة، إلا أن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تكمن في غلاء المبيدات والأدوية الزراعية لمكافحة الفطريات، التي أثقلت كاهل المزارعين خاصة بعد الخسائر الفادحة التي تكبدها معظمهم خلال السنوات الماضية، مما يجعلهم أمام واقع لا يكفي لسدّ تكاليف الإنتاج، في ظل انتقادات واسعة طالت القرض الحسن وتعقيد إجراءاته التي دفعت العديد للعزوف عنه.
الغرق يهدد بفقدان المحصول
لا يزال مواطنون يرفعون أصواتهم لإغاثة محصول القمح في ريف حماه بمنطقة سهل الغاب قبل فوات الأوان، وذلك بعد تضررها من السيول وغزارة الهطولات المطرية، وسط اتهامات بالمحسوبيات وتباين الاستجابة بين المناطق، إلى جانب انتقاد تقاعس الوحدة الإرشادية وموظفيها.
وفي هذا السياق، يوضح مهندسون زراعيون الخطر المحدق بمحاصيل القمح الغارقة بشكل كامل أو جزئياً، مما يفقدها القدرة على التنفس، مشيرين إلى أن وقت الإنقاذ ينتهي في منتصف نيسان أي بمرحلة الإزهار، ففي حال استمرار الغمر حتى هذا الموعد سيُقتل إنتاج المحصول.
ويواجه مزارعو سهل الغاب اليوم واحدة من أقسى الاحتمالات الموسمية، وهي خسارة مواسمهم سواء القمح أو غيره، وذلك بعد غمر المياه لنحو 17500 هكتاراً زراعياً، حسب بيانات هيئة تطوير الغاب.
حلول مقترحة
يطرح الخبراء والباحثون في المجال الزراعي عدة حلول مقترحة، لطالما ترددت في كل نقاش أو مؤتمر يبحث سبل دعم الفلاح وتحقيق الإنتاجية الأفضل بما في ذلك محاصيل القمح، والتي تتمحور حول تقديم التسهيلات والتعويضات للمزارعين إلى جانب القروض ذات الإجراءات البسيطة المتوافقة مع التوقيت المناسب لزراعة المحاصيل والحراثة.
كما تتجلى الحلول بتوسيع التأمين الزراعي، إضافة إلى وضع برنامج دعم مالي لأهالي الأرياف المتخصصة بالزراعة، ودعم المحروقات كونها من أكثر الأعباء المرهقة لكاهل الفلاح، إلى جانب دعم الأسمدة وفقاً للمساحات المزروعة الذي يطالب به المزارعون بين الحينة والأخرى.
علاوة على ذلك، يمكن الاستفادة من التجربة التركية في وضع خطة متكاملة لدفع عجلة القطاع الزراعي، على أن يكون أبرز بنودها دعم المستشارين الزراعيين لتأدية دورهم في النصح والإرشاد على أكمل وجه، مما ينعكس بشكل مباشر على جودة الإنتاج.
وهذا ما يوافق عليه الخبير الزراعي حسام قصار، حيث يشدد على ضرورة توفير القروض ذات الإجراءات الميسرة، إلى جانب إصلاح نظام دعم الفلاحين مع التوجه نحو تفعيل آلية الدفع المباشر، كما يشير إلى ضرورة تشييد سدود صغيرة خاصة بتجميع مياه الهطولات المطرية، مما ينعكس إيجاباً على تخزين المياه من جهة ودرء مخاطر السيول من جهة أخرى.
يبدو أن مسألة إنقاذ محصول القمح في ريف حماه لم تعد تحتمل الانتظار، فالمحاصيل المهددة بالعفن أو الآفات لا تعرف ما معنى الوقت بل تترجم الأفعال، بالتالي فإن دمج الحلول الإسعافية بالخطط الاستراتيجية بعيدة المدى هي أفضل إنقاذ لما تبقى من عصب الأمن الغذائي في سوريا وضمان استدامته، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد خطوات فعلية تعي قيمة خسارة سنبلة القمح اليوم؟
اقرأ أيضاً: الحسكة: حين تصبح ساعة الري أغلى من سنبلة القمح..









