أين وصل اتفاق دمشق وقسد الآن وهل من خلافات؟!

الكاتب: أحمد علي
يتقدم ملف الشمال الشرقي السوري هذه الأسابيع من خانة المواجهة المفتوحة إلى خانة التسويات الصعبة. ما يجعل السؤال ملحاً ليس توقيع اتفاق جديد فحسب، بل اختبار القدرة على تحويله إلى إجراءات يومية على الأرض في مناطق تختلط فيها الهواجس الأمنية مع أسئلة الهوية والموارد والتمثيل السياسي.
وبين رواية رسمية تتحدث عن استعادة سيادة الدولة، ورواية كردية تركز على ضمان الحقوق ومنع الانتقام، يتحرك اتفاق دمشق وقسد في مساحة رمادية لا تحتمل المبالغة ولا تبسيط التعقيدات.
اتفاق دمشق وقسد وخريطة التنفيذ
وقّع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي اتفاقاً في 18 كانون الثاني 2026 تضمن وقف إطلاق نار شامل وتفاهمات على دمج تدريجي للمؤسسات والقوات، مع تأكيد حكومي على دمج الأفراد بعد تدقيق أمني، وتعهّدات بحماية خصوصية المناطق ذات الغالبية الكردية.
ونقلت مصادر أن الاتفاق شمل أيضاً تسليم مؤسسات ومعابر وحقول نفط وغاز إلى الدولة، وربط ذلك بعودة الموارد إلى الخزينة العامة.
بدأ الانتقال من النص إلى التطبيق بصورة ملموسة مع دخول عناصر من قوى الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى الحسكة ثم القامشلي، وتوليها حماية مؤسسات مدنية مثل دوائر السجل المدني والجوازات ومطار القامشلي، مع بقاء قوات محلية مسؤولة عن الأمن العام تمهيداً لدمجها ضمن هيكل وزارة الداخلية.
ووُصف هذا الوجود بأنه محدود العدد والمهام، بينما اعتبره آخرون خطوة رمزية تسبق توسعاً تدريجياً.
أربع مراحل ومهلة شهر
وفق ما نشر عن آلية التنفيذ، قُدّم تصور زمني من أربع مراحل تمتد شهراً. المرحلة الأولى تتعلق بالانسحاب وإعادة الانتشار وتشكيل ألوية وفرق، تليها مرحلة أمنية وإدارية خلال أيام تركز على تقديم أسماء مرشحين لمناصب محلية واعتمادها، ثم مرحلة ثالثة تتصل بالمرافق الحيوية وفي مقدمتها حقول الرميلان والسويدية ومطار القامشلي، قبل مرحلة رابعة لاستكمال الدمج بالتوازي مع ترتيبات تخص ملف معتقلي تنظيم «داعش» ونقل جزء منهم إلى العراق.
هذه الخريطة لا تعني أن كل بند يملك مؤشراً واضحا للإنجاز. بعض الخطوات، مثل حظر التجوال المؤقت في الحسكة خلال بدء الانتشار، تعكس حساسية الانتقال الأمني أكثر مما تعكس تعطلاً بحد ذاته.
السلاح الثقيل ومعادلة الدمج
يظهر ملف السلاح بوصفه العقدة الأكثر قابلية لإنتاج خلافات، لأن كل طرف يقرأه كمسألة سيادة أو بقاء. ففي نصوص نقلتها بعض المصادر، ورد الحديث عن إخلاء عين العرب من المظاهر العسكرية الثقيلة وتشكيل قوة أمنية محلية من أبناء المدينة، وهو بند يفهمه أنصار دمشق باعتباره مقدمة لتقليص نفوذ السلاح خارج المؤسسات.
وتشير معلومات خاصة بـ «المدن» نقلاً عن مصادر وصفتها بالـ «العسكرية المطلعة» إلى أن ملف السلاح الأميركي الثقيل الذي حصلت عليه قسد خلال سنوات القتال ضد تنظيم «داعش» يُدار أميركياً ولا يُطرح، وفق هذه الرواية، ضمن التفاوض المباشر بين دمشق وقسد، مع توقع أن يجري سحب الجزء الأكبر من هذا السلاح عبر القوات الأميركية المتمركزة شرق الفرات، وأن يُجمع قسم منه في مستودعات تحت إشراف أميركي تمهيداً لسحبه تدريجياً لاحقاً.
وتضيف المصادر أن ما قد يبقى بيد عناصر قسد يتركز في السلاح الفردي وبعض الآليات الخفيفة مثل عربات الهمر والعربات المدرعة الخفيفة، بوصفه نواة تسليح لألوية يُفترض أن تتبع وزارة الدفاع ضمن ترتيبات الدمج، بينما قالت المصادر نفسها إن قسد لا تمتلك دبابات أو مدافع قتالية أو منظومات دفاع جوي محمولة، مع الإشارة إلى أن أسلحة محددة مثل صواريخ تاو المضادة للدروع طُرحت في سياق إدراجها ضمن تشكيلات عسكرية نظامية لاحقا.
في المقابل، تنقل تقارير إعلامية أن قيادات في قسد والإدارة الذاتية رفضت فكرة تسليم السلاح بالكامل، واعتبرت السلاح جزءاً من معادلة الشراكة ضد تنظيم «داعش»، مع إصرار على الاندماج ككتلة أو على الأقل الحفاظ على بنية موحدة داخل الجيش. يصطدم مثل هذا الطرح بموقف حكومي يعلن أن الدمج الفردي شرط لبناء جيش موحد، وبموقف تركي يرفض بقاء قسد قوة متماسكة على الحدود.
الحديث عن السلاح الثقيل يتكرر أيضاً في سياقات سابقة، مثل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، حيث اتُهمت قسد بعدم الالتزام بسحب السلاح الثقيل وفق تفاهمات سابقة، بينما قالت قسد إنها انسحبت من المنطقة. وهذه الأمثلة تفسر لماذا تُبقي الأطراف على هامش للشك حتى مع وجود اتفاق جديد.
سيمالكا والمعابر وحدود النفوذ
لا يحمل معبر سيمالكا قيمة تجارية وإنسانية فقط، بل يمثل رمزاً لمن يملك قرار الحدود والرسوم وحركة الأفراد. تحدثت الاتفاقات الأخيرة عن استلام الدولة للمعابر الحدودية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى إرسال فريق من هيئة الحدود إلى معابر منها سيمالكا لتنظيم عمل مدني ومنع التهريب وإعادة فتحه.
لكن حساسية سيمالكا تتغذى من سوابق قريبة. في أيلول 2025 اعتبرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية أن رفع العلم السوري في سيمالكا كان خطوة أحادية من قسد دون تنسيق، في إشارة إلى صراع خفي على من يعلن السيطرة الفعلية حتى عندما يستخدم رموز الدولة.
اليوم، تبدو الخلافات حول سيمالكا أقل ظهوراً في العلن من خلافات السلاح والدمج، لكنها تبقى محتملة كلما اقترب النقاش من تفاصيل الجمارك والتعيينات وإدارة الإيرادات. في هذا النوع من الملفات، لا يكفي الاتفاق على العنوان، بل يبرز السؤال عن من يعيّن ومن يراقب ومن يوقّع.
فجوة التفسير وتضارب المهل
إحدى علامات التوتر لا تأتي من اشتباك ميداني، بل من تضارب اللغة بين الطرفين. فالمتابع يلحظ اختلاف حول وجود مهلة نهائية للتنفيذ، فبينما تتحدث رواية رسمية عن شهر مع آجال أقصر لتسلم مرافق استراتيجية، قالت شخصيات مرتبطة بالإدارة الذاتية إن العملية بلا سقف زمني صارم. وبرز خلاف مشابه حول توصيف الأسماء المطروحة للمناصب، هل هي مجرد ترشيحات أم تعيينات محسومة.
مثل هذه الفجوات لا تعني بالضرورة انهيار اتفاق دمشق وقسد، لكنها ترفع تكلفة سوء الفهم. فالتعيينات والأمن المحلي وإدارة المناطق المختلطة إثنياً لا تُحل بالعموميات، بل بتفاصيل قانونية وإدارية قد تتحول بسرعة إلى مادة تعبئة إعلامية إذا غابت القنوات المشتركة الواضحة.
إلى أين يمكن أن يتجه؟
حتى الآن يمكن القول إن اتفاق دمشق وقسد دخل مرحلة التنفيذ الجزئي، مع تقدم في ملف انتشار قوى الأمن داخل مدن محددة وتوسيع حضور مؤسسات الدولة المدنية، مقابل استمرار التفاوض على شكل الدمج العسكري وحدود اللامركزية وتفاصيل إدارة المعابر والموارد.
السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب هو استمرار السير بخطوات صغيرة تحت ضغط وساطة دولية، خصوصاً أن واشنطن ظهرت كوسيط في لحظة التوقيع، ولأن أي تراجع قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد أو تدخلات إقليمية، كما حذرت أنقرة مراراً من تعطيل الاتفاق. ولأن الاتفاق قوبل بترحيب عربي ودولي، فإن كلفة التراجع السياسية على الطرفين ترتفع أيضاً.
أما نجاح الاتفاق على المدى الأبعد فيرتبط بقدرة الطرفين على تحويل شعار وحدة الدولة إلى عقد حقوقي يطمئن السكان ويحد من منطق الغلبة. فإن عودة مؤسسات الدولة وحدها لا تكفي إن لم تُرفق بضمانات عملية لعدم تكرار الانتهاكات، وبمسار سياسي يوضح مكان اللامركزية في سوريا الجديدة. هنا بالضبط يتقاطع الأمني مع السياسي، ويتحدد إن كان اتفاق دمشق وقسد محطة عبور أم بداية استقرار مستدام فعلاً.
اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا









