أين تعيش أنت.. في سوريا أم في Syria؟

الكاتب: أحمد علي
يمكن لشخصين أن يمشيا في المدينة السورية نفسها ثم يعود كل منهما بحكاية مختلفة، فقد يرفع الأول هاتفه أمام مقهى ممتلئ وشارع مضاء وبيت دمشقي عاد إليه الزوار، بينما يحسب الثاني ثمن الطعام والإيجار وساعات الكهرباء وما بقي من راتبه. لا يكذب أحدهما بالضرورة، لكن كلاً منهما يضع إطاراً حول جزء من المشهد ويترك الباقي خارجه…
من هذه المفارقة ننطلق للحديث عن التعاطي الإعلامي بين الواقع والمبالغة وهوس الصورة. إذ أن مسافة بين جرعة التفاؤل المشروعة وبين تحويل مشاهد المؤثرين إلى شهادة بأن البلاد تعافت. السؤال الذي سنثيره هنا ليس خلافاً على جمال سوريا ولا على حق أهلها في الفرح، بل على اللحظة التي تتحول فيها لقطة صحيحة إلى خلاصة غير صحيحة عن حياة الملايين.
صورة سوريا بين نافذتين
في النافذة الأولى تظهر Syria سهلة التصدير، مطاعم جديدة وحفلات ومغتربون عادوا في الصيف وزوار يصورون الأسواق القديمة، ولهذه الصورة أساس في الواقع. قال البنك الدولي في نيسان 2026 إن الحركة الجوية زادت إلى أكثر من الضعف خلال 2025، وإن حركة الموانئ ارتفعت أكثر من ست مرات من قاعدة منخفضة، كما استؤنف الاستثمار السياحي وبدأ النشاط الاقتصادي يستعيد بعض قوته.
في النافذة الثانية تظهر سوريا العصيّة إن شئتم، العصيّة على الفقير. ولهذا أساسه وتعبيراته أيضاً، يقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 15.6 مليون شخص ما زالوا يحتاجون إلى مساعدة. ويقول البنك الدولي إن سلة الحد الأدنى للإنفاق بلغت في كانون الأول 2025 نحو 2.2 مليون ليرة، أي ثلاثة أمثال الحد الأدنى الرسمي للأجور، وإن قرابة تسعة من كل عشرة أسر واجهت صعوبة في تأمين حاجاتها الأساسية.
إذاً، في الواقع، نحن أمام صورتين، والصورتان صحيحتان، والخطأ يبدأ حين تُستخدم إحداهما لمحو الأخرى…
حين تختار الخوارزمية الشارع
المنصة لا ترى المدينة كما يراها ساكنها. هي تكافئ الضوء واللون والوجه المألوف والدهشة السريعة. ومطعم مزدحم قابل للمشاركة أكثر من فاتورة دواء، وافتتاح فندق أكثر جذباً من شبكة مياه تحتاج سنوات للإصلاح. لذلك لا يلزم وجود قرار مركزي حتى تتكرر الصورة اللامعة. يكفي أن تتشابه حوافز صاحب المكان والمؤثر والمنصة والجمهور الباحث عن خبر يخفف ثقله.
هذا الانتقاء لا يجعل المحتوى مزوراً، لكنه يجعله محدوداً، فرحلة قصيرة في مركز دمشق لا تقيس قدرة أسرة في الضواحي على السكن، ولا تصف قرية تنتظر ترميم المدرسة والطريق. ومع تكرار اللقطة تنشأ نسخة تبدو كاملة لأنها مألوفة، فيما يختفي التفاوت بين المدينة والريف وبين من يملك دخلاً بالدولار ومن يتقاضى أجره بالليرة.
التعافي موجود لكنه غير متساو
التعامل الجاد مع الأزمة لا يقتضي إنكار التحسن. عودة الرحلات والتجارة والاستثمارات وارتفاع الأجور العامة وتراجع التضخم عن ذروته كلها تحولات يشعر بها بعض الناس. كما أن عودة نحو 1.67 مليون سوري من دول الجوار وقرابة 1.92 مليون نازح داخلياً حتى نهاية أيار 2026 تعكس أملاً حقيقياً واستعداداً لبدء حياة جديدة.
لكن مفوضية اللاجئين تقول أيضاً إن العائدين يصطدمون بمساكن متضررة وخدمات وفرص عمل محدودة ومشكلات في الوثائق. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة البناء بنحو 216 مليار دولار. إذاً، التعافي هنا ليس مفتاحاً يبدل البلد كله في لحظة، بل مسارات بسرعات مختلفة، فقد يصل التيار إلى حي قبل آخر، ويعود رأس المال إلى سوق بينما تبقى الأسرة التي تسكن فوقه عاجزة عن الشراء.
المؤثر ليس مراسلاً ولا عدواً
يملك صانع المحتوى قدرة لا تملكها المؤسسات أحياناً، فهو يدخل إلى يوميات الناس بلغة خفيفة، ويعيد بلداً حُبس طويلاً في صور الحرب إلى ذاكرة السفر والطعام والفن والحياة، كما يمكن أن يجذب زائراً أو يساند مشروعاً صغيراً. المشكلة ليست في حضوره، بل في تقديم تجربته الشخصية كميزان وطني، أو إخفاء الاستضافة والتمويل، أو ترديد أرقام لم تُفحص أو يتم التحقق منها.
أظهرت دراسة لليونسكو شملت 500 صانع محتوى في 45 دولة أن 62 في المئة لا يجرون تحققاً صارماً ومنهجياً قبل النشر. لا تخص النتيجة سوريا، لكنها تشرح لماذا ينبغي التمييز بين الانطباع والخبر. فالمؤثر حر في أن يقول ما رآه، لكن الصدق يكتمل عندما يوضح أين صوّر، ومن موّل الرحلة، وما الذي لا تستطيع لقطته إثباته.
حق الفرح لا يلغي حق السؤال
بعد أعوام من الخوف والخسارة، لا يحتاج السوري إلى اعتذار لأنه رقص أو فتح مطعماً أو صوّر شارعاً جميلاً. الفرح نفسه جزء من النجاة، والبلد الذي لا يُرى إلا أنقاضاً يُظلم مثل البلد الذي لا يُرى إلا واجهات. كذلك يمكن للصورة الإيجابية أن تكسر التصور الخارجي الذي يختصر سوريا في الحرب، وأن تمنح السياحة والأعمال ثقة تحتاجها بداية التعافي.
وفي المقابل، لا يجوز مطالبة من لا يستطيع شراء الطعام بأن يصمت كي لا يفسد المشهد. فالنقد ليس عداءً للنهوض، كما أن التفاؤل ليس تواطؤاً مع الوهم. المساحة السليمة هي التي تسمح لصاحب المقهى أن يحتفل بزبائنه، وللعامل أن يسأل عن أجره، وللعائد أن يقول إنه سعيد بالرجوع وخائف من كلفة البقاء في الجملة نفسها.
رواية تتسع للبلد كله
يمكن للإعلام وصناع المحتوى أن يجعلوا الإطار أوسع من دون تحويل كل قصة جميلة إلى نشرة كآبة. إذ تكفي قاعدة بسيطة. كل ادعاء واسع يحتاج رقماً وسياقاً، وكل تجربة شخصية يجب أن تبقى تجربة شخصية. وعند تصوير افتتاح أو مشروع جديد، من المفيد سؤال من يستطيع دخوله، وكم وظيفة صنع، وهل امتد أثره إلى الحي والخدمة العامة أم بقي خلف الباب.
وتحتاج المؤسسات الرسمية بدورها إلى بيانات منتظمة عن الأجور والأسعار والكهرباء والمياه والسكن والوظائف موزعة بحسب المحافظة والدخل. حين تتوافر الأرقام، لا يعود النقاش رهينة فيديو مضيء أو منشور غاضب. يصبح في الإمكان الاعتراف بالتقدم وتحديد من لم يصله بعد، وهي وظيفة أكثر نفعاً من الدفاع عن صورة مثالية أو هدم كل صورة فيها أمل.
الخلاصة
ليست سوريا عنواناً للبؤس، وليست Syria اسماً للكذب.. إنهما طريقتان في قص الحكاية من واقع واحد شديد التفاوت. بلد يحاول أن يتنفس فعلاً، لكنه يحمل في صدره كلفة حرب طويلة، وناس يفرحون بالعودة فيما يختبرون كل يوم صعوبة تحويل الأمل إلى بيت وعمل وخدمة.
السؤال الأصدق ليس أي الصورتين نختار، بل ماذا بقي خارج كل صورة ومن دفع ثمن غيابه. لا تحتاج سوريا إلى إخفاء جمالها كي تكون أمينة، ولا إلى إخفاء أوجاعها كي تبدو قابلة للحياة. تبدأ الرواية الناضجة عندما تتسع العدسة للضوء ولمن لم يصل إليه الضوء بعد…
اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!









