أول مشروع وطني: هل تدخل أزمة المياه السورية مرحلة الحلول الممولة؟

الكاتب: أحمد علي
يضع اعتماد تمويل بقيمة 27.7 مليون دولار لمشروع مائي في سوريا أزمة المياه أمام سؤال عملي، فالبلاد تحتاج إلى إصلاح واسع في شبكات الشرب والصرف والري، لكنها تحتاج أيضاً إلى طريقة جديدة في إدارة الموارد المحدودة، وإلى تمويل يتحول إلى مسار عملي لا يتوقف عند موقع واحد. المشروع الجديد من صندوق المناخ الأخضر يفتح باباً كان مغلقاً أمام سوريا في التمويل المناخي، لكنه لا يحل الأزمة وحده. قيمته ستقاس بما سيحدث في ريف دمشق أولاً، وبقدرته على إنتاج نموذج قابل للتوسيع لاحقاً.
السؤال الأهم هنا بسيط ومباشر. هل نحن أمام بداية انتقال من الاستجابة الإسعافية لأزمة المياه إلى حلول ممولة ومخططة، أم أمام مشروع مهم لكنه محدود داخل أزمة أكبر بكثير من حجمه المالي والجغرافي؟ الإجابة تحتاج إلى النظر في طبيعة المشروع وحجم الأزمة وقدرة المؤسسات على تحويل التمويل إلى خدمة فعلية للمواطنين والمزارعين.
صندوق المناخ الأخضر ومياه ريف دمشق
أعلنت وزارة الإدارة المحلية والبيئة، وفق ما نقلته وكالة سانا في 3 تموز 2026، أن مجلس إدارة صندوق المناخ الأخضر وافق على تمويل أول مشروع وطني لسوريا بقيمة 27.7 مليون دولار. جاء الاعتماد خلال الاجتماع الخامس والأربعين لمجلس إدارة الصندوق في دوشنبه بطاجيكستان، بين 29 حزيران و3 تموز، بمشاركة وفد سوري ترأسه معاون وزير الإدارة المحلية والبيئة لشؤون البيئة يوسف شرف.
يحمل المشروع عنواناً واضح الاتجاه حول تعزيز القدرة على معالجة مخاطر ندرة المياه في المناطق الأكثر تضرراً من تغير المناخ ونقص المياه في سوريا. وذكرت الوزارة أن العمل على الملف استغرق ستة أشهر من الدراسة الفنية بالتعاون مع الشركاء قبل عرضه على مجلس إدارة الصندوق. هذه المدة لا تكفي وحدها للحكم على جودة التصميم، لكنها تشير إلى أن المشروع لم يأت كمنحة طارئة، بل كملف مناخي جرى إعداده ضمن آليات التمويل الدولي.
تفاصيل الجهة المنفذة تعطي صورة أوضح. منظمة ACTED قالت إن مشروع WATER-RES هو أول استثمار يموله صندوق المناخ الأخضر في سوريا، بقيمة إجمالية تفوق 27.7 مليون دولار، بينها 25 مليون دولار من تمويل الصندوق. ووفق ACTED، سيستفيد من المشروع أكثر من 1.5 مليون شخص في محافظة ريف دمشق، مع تركيز على الغوطة الشرقية. أما صفحة المشروع لدى الصندوق فتشير إلى مدة خمس سنوات، وإلى عدد مستفيدين يقارب 1.7 مليون شخص. هذا الاختلاف بين رقمين قريبين لا يغير طبيعة المشروع، لكنه يذكّر بأهمية نشر وثائق تنفيذية مفصلة عندما يبدأ العمل.
الموقع المختار أساسي في قراءة المشروع. حوضا بردى والأعوج يغذيان دمشق ومحيطها الزراعي، وتعرضا خلال السنوات الماضية لضغط كبير بسبب تراجع الموارد، وتضرر البنى التحتية، وضعف الإدارة، وزيادة الاعتماد على المياه الجوفية. لذلك يذهب المشروع إلى منطقة تجمع بين حاجة حضرية مباشرة للمياه وحاجة زراعية مرتبطة بمعيشة آلاف الأسر. تأتي أهميته العملية من اختباره قدرة التمويل المناخي على دخول ملف شديد الحساسية في الحياة اليومية والاقتصاد المحلي.
حجم الأزمة قبل التمويل
أزمة المياه السورية أوسع من مشروع واحد. البنك الدولي قال في نيسان 2026، عند إقراره تمويلاً بقيمة 225 مليون دولار لدعم خدمات المياه والصحة في سوريا، إن أربعة عشر عاماً من النزاع ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية المائية. أكثر من نصف بنية إمداد المياه تضررت بشدة، ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي أصابها ضرر كبير، وانخفض إمداد المياه بنحو 40% مقارنة بما قبل النزاع. كما أشار البنك إلى أن نصيب الفرد من المياه تراجع إلى أقل من 700 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى أدنى من عتبة الندرة المائية.
تضع هذه الأرقام مشروع صندوق المناخ الأخضر في مكانه الصحيح. سوريا تواجه ضعفاً في الشبكات، وفاقداً في المياه، وتراجعاً في جودة الخدمة، وحاجة إلى بيانات مائية موثوقة، إلى جانب نقص التمويل. لذلك تصبح إدارة المياه جزءاً من إعادة بناء الدولة والخدمات، عوضاً عن كونها ملفاً بيئياً منفصلاً. بمجرد تعطل محطات الضخ أو تراجع الكهرباء أو عدم صيانة الشبكات، يتحول نقص المياه إلى عبء يومي على الأسر، وإلى كلفة إضافية على الزراعة والأسواق المحلية.
اليونيسف قدّرت في شباط 2026 أن 14.4 مليون شخص في سوريا، بينهم 6 ملايين طفل، يحتاجون بشكل عاجل إلى دعم في المياه والصرف الصحي والنظافة. هذا الرقم يوضح أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمنطقة واحدة. التمويل الألماني عبر اليونيسف، وتمويل البنك الدولي، ومشروع صندوق المناخ الأخضر، كلها تتحرك ضمن مجال واحد هو إعادة تشغيل الخدمات المائية وربطها بالقدرة على الصمود أمام الجفاف وتغير المناخ.
المشكلة المناخية تضغط بدورها على الملف. دراسة نشرها مركز كارنيغي في أيار 2026 ربطت بين مواسم الجفاف الأخيرة وتراجع الأمطار والثلوج، وأشارت إلى أن ثلاث موجات جفاف كبرى بين 2006 و2021 استنزفت نحو 60% من احتياطات المياه الجوفية في شمال شرق سوريا، بينما توسع التصحر ليطال قرابة 73% من البلاد. أما تقرير ODI Global الصادر في نيسان 2026 فشدد على أن سوريا تحتاج إلى إدارة متكاملة للموارد المائية، تجمع بين خفض الطلب، وإصلاح البنية، وإعادة استخدام المياه، وتحسين الحوكمة.
حدود المشروع
يمتلك مشروع WATER-RES عناصر مفيدة إذا نُفذ كما هو معلن. ACTED تتحدث عن تعزيز مراقبة المياه الجوفية، وتحسين أنظمة البيانات المناخية، وإعادة تأهيل بنى مائية، وخفض الفاقد، ودعم الري الأكثر كفاءة، ومساعدة المزارعين على التكيف مع ظروف أكثر جفافاً. هذه عناصر عملية، لأنها لا تكتفي بإصلاح مضخة أو قناة، بل تربط الخدمة بالبيانات والزراعة والإدارة المحلية.
لكن التمويل المناخي ينجح عندما تتوفر شروط واضحة. يحتاج المشروع إلى شفافية في اختيار المواقع، وبيانات منشورة عن الأعمال المنفذة، ومؤشرات تقيس تحسن الخدمة لا حجم الصرف فقط. يحتاج أيضاً إلى تنسيق حقيقي مع مؤسسات المياه والكهرباء والزراعة والبلديات، لأن الماء لا يصل إلى الناس بقرار بيئي وحده. محطة مؤهلة من دون كهرباء مستقرة ستبقى محدودة الأثر، وشبكة محسنة من دون صيانة وتمويل تشغيلي ستعود إلى الأعطال تدريجياً.
هناك سؤال آخر يخص العدالة في توزيع الأثر، فريف دمشق يحتاج إلى هذا النوع من المشاريع، لكن محافظات أخرى تواجه ضغوطاً قاسية في المياه والزراعة، من الشمال الشرقي إلى الجنوب. إذا بقي التمويل محصوراً في مشروع واحد فلن يغير الخريطة الوطنية للأزمة. أما إذا استُخدم كدليل عمل لإعداد ملفات جديدة قابلة للتمويل، فقد يصبح مدخلاً أوسع لاستعادة موقع سوريا داخل آليات التمويل المناخي الدولي.
هذا يتطلب قدرة مؤسسية على إعداد مشاريع مقنعة ومتابعتها. صندوق المناخ الأخضر يمول مشاريع مصممة وفق معايير تتعلق بالمخاطر المناخية، والفئات المستفيدة، والجدوى، والحوكمة، والقدرة على القياس، ولا يتعامل مع الرغبات العامة كملفات تمويل جاهزة. اعتماد المشروع الأول يعني أن الباب فُتح، لكنه يرفع أيضاً مستوى المسؤولية. أي تعثر أو غموض في التنفيذ قد يضعف فرص المشاريع اللاحقة، بينما يمكن للنجاح أن يعطي الجهات السورية حجة أقوى عند طلب تمويلات جديدة.
تدخل أزمة المياه السورية مرحلة مختلفة إذا تحولت هذه المشاريع إلى مسار متصل. التمويل موجود الآن في أكثر من قناة، من البنك الدولي إلى اليونيسف وصندوق المناخ الأخضر، لكن جمع التمويلات وحده لا يعطي نتيجة ملموسة. المطلوب أن تتكامل ضمن خطة وطنية واضحة للمياه، تحدد أولويات الأحواض، وتتعامل مع الفاقد، وتعيد النظر في أنماط الري، وتربط إعادة الإعمار بحسابات المناخ لا بحسابات الإسعاف وحدها.
الخلاصة أن أول مشروع وطني من صندوق المناخ الأخضر يمنح سوريا فرصة مهمة في ملف المياه، لكنه لا ينقل الأزمة تلقائياً إلى مرحلة الحل. هو بداية ممولة يمكن أن تفتح مساراً أوسع، بشرط أن تظهر نتائجه في الخدمة، وفي الزراعة، وفي قدرة المؤسسات على إدارة المياه ببيانات ومساءلة. من دون ذلك سيبقى التمويل خبراً إيجابياً محدوداً. ومع تنفيذ واضح وقابل للقياس، يمكن أن يصبح هذا المشروع أول خطوة في تحويل أزمة المياه من ملف طارئ دائم إلى ملف إصلاح طويل النفس.
اقرأ أيضاً: وباء الكبد يعود إلى حمص من بوابة نبع الزارة.. تلوث المياه يعيد المخاوف الصحية









