سياسة

من الغسيل الكلوي إلى أدوية الأطفال: “قائمة أولويات” لمنع وفيات يمكن تجنبها

الكاتب: أحمد علي

تُختبر منظومة الرعاية الصحية السورية يومياً في تفاصيل تبدو صغيرة على الورق لكنها حاسمة في الواقع، مريض فشل كلوي ينتظر دوره على جهاز غسيل لا يعمل إلا ساعات محدودة بسبب انقطاع الكهرباء، وأم تحمل وصفة لطفلها ثم تعود بها فارغة لأن الشراب المضاد للالتهاب غير متوافر أو صار ثمنه خارج القدرة، وبين هاتين الحكايتين تمتد سلسلة طويلة من الأعطال التي تتداخل فيها آثار سنوات الصراع، وتراجع التمويل، وتذبذب الإمدادات، وضغط النزوح، وتغيرات المناخ التي تضرب الماء والكهرباء معاً.

أمام هذا المشهد لا تبدو فكرة ترتيب الاحتياجات ترفاً إدارياً، بل آلية إنقاذ تهدف إلى تقليص وفيات يمكن تجنبها حين تتجه الموارد المحدودة إلى ما يحمي الحياة أولاً، ثم يعيد للقطاع قدرته على الصمود خطوة خطوة.

أولويات صحية في سوريا

تتحدث تقارير منظمات أممية وإنسانية عن اتساع فجوة الاحتياج الصحي حتى مطلع 2026، وتصف نظاماً منهكاً يحتاج إلى دعم مستمر للأدوية الأساسية والمستلزمات والمعدات والكوادر، وتستخدم في العادة لغة دقيقة حين تربط تراجع الخدمات بارتفاع المخاطر على الفئات الأضعف.

في هذا السياق تظهر عبارة أولويات صحية في سوريا باعتبارها إطاراً عملياً لا شعاراً، فهي تعني تحويل الأسئلة الكبرى إلى قرارات قابلة للقياس، ما الذي يوقف نزيف الوفيات سريعاً، وما الذي يمنع تدهور الحالات المزمنة إلى طوارئ، وما الذي يحمي الأطفال والحوامل من انعكاسات انقطاع الرعاية الأولية.

الفكرة ليست استبدال حق الناس في العلاج بانتقاء قاس، بل الاعتراف بأن غياب الترتيب يوزع الموارد على نحو عشوائي، فيتأخر الدواء الذي لا بديل له، وتتكرر طلبات أقل إلحاحاً لأن صوتها أعلى أو وصولها أسهل.

الغسيل الكلوي كجرس إنذار

الغسيل الكلوي مثال شديد الحساسية لأن تأخر الجلسة أو تقليصها ليس مجرد إزعاج، بل عامل قد يقود إلى مضاعفات قاتلة خلال أيام، وهو علاج يعتمد على كهرباء مستقرة ومياه معالجة ومواد استهلاكية دقيقة وفِرق مدربة ونقل آمن للمرضى. فحين تتعطل هذه السلسلة لأي سبب يتبدل معنى الوقت عند المريض، ويصبح جدول الأسبوع حساباً للبقاء.

تشير وثائق تخطيط إنساني مرتبطة بقطاع الصحة إلى أن مرضى الفشل الكلوي في سوريا يواجهون صعوبات في الوصول إلى الجلسات بسبب نقص المستلزمات وتضرر مرافق وتعطل آلات، ومع كل عطل تتوسع الفجوة بين الحاجة والقدرة. إدراج الغسيل ضمن أولويات صحية في سوريا لا يقتصر على توفير الفلاتر والأنابيب والهيبارين، بل يتصل أيضاً بوقود المولدات، وصيانة الأجهزة، وضمان جودة المياه، وتدريب فنيين محليين لتقليل الاعتماد على قطع غيار قد تتأخر لأسباب لوجستية ومالية.

أدوية الأطفال ومعادلة البقاء

في جناح الأطفال تتخذ الأزمة وجهاً مختلفاً لأن المرض قد يتطور بسرعة، ولأن خيارات العلاج تضيق حين يغيب الشراب المناسب أو الجرعة الدقيقة أو المضاد الحيوي الآمن لعمر معين. الأدوية هنا ليست رفاهية بل خط دفاع مبكر يمنع التهاباً بسيطاً من التحول إلى التهاب رئوي، ويمنع الإسهال من التحول إلى جفاف شديد، ويحد من نوبات الربو حين تتوافر البخاخات، ويثبت السيطرة على الصرع حين لا تنقطع مضادات الاختلاج.

تركز تقارير إنسانية متعددة كذلك على تداخل الدواء مع التغذية والتحصين، فحين يتراجع الوصول إلى الرعاية الأولية يصبح الطفل أكثر عرضة للعدوى وللمضاعفات، ويزداد العبء على المستشفيات التي تعمل أصلاً فوق طاقتها. لذلك تعود عبارة أولويات صحية في سوريا إلى الواجهة بوصفها طريقاً لضمان حد أدنى من سلة أدوية الأطفال، تشمل خافضات الحرارة، ومضادات حيوية مختارة، ومحاليل الإماهة الفموية، وأدوية الأمراض المزمنة لدى الأطفال، إلى جانب مستلزمات حديثي الولادة مثل الأكسجين ومضخات المحاليل ومضادات الإنتان عند الضرورة.

سلاسل الإمداد والتكاليف المتصاعدة

لا تحدث ندرة الدواء من فراغ، إذ تتأثر سلاسل الإمداد في سوريا بعوامل متعددة، من صعوبات النقل وتعدد خطوط السيطرة إلى القيود المالية والتأمين وارتفاع تكلفة الوقود، ثم يأتي تذبذب سعر الصرف ليحول فاتورة الاستيراد إلى مخاطرة. بعض الجهات الإنسانية تشير إلى أن توفير الإمدادات لا يكفي وحده إذا لم ترافقه قدرة على التخزين والتوزيع وضبط الجودة، لأن الأدوية الحساسة للحرارة تتلف سريعاً حين تنقطع الكهرباء عن المستودعات أو سلاسل التبريد.

كما أن الحديث عن أولويات صحية في سوريا يفتح باباً للنقاش حول دور الإنتاج المحلي، فهو قادر في حالات معينة على توفير أدوية جنيسة بكلفة أقل إذا توافر التمويل والمواد الخام ومعايير الجودة، لكنه ليس بديلاً سريعاً لكل شيء، خاصة المستلزمات عالية التخصص مثل أجزاء أجهزة الغسيل أو بعض أدوية السرطان، ما يجعل المزيج بين الاستيراد الموجّه ودعم التصنيع المحلي خياراً واقعياً لا مثالياً.

من التمويل إلى الحوكمة

يبقى التمويل العامل الأكثر حضوراً في تقارير 2025 و2026، إذ تربط جهات دولية بين انخفاض تمويل النداءات الإنسانية واتساع الفجوات في الخدمات، وهو ما ينعكس على استمرارية العيادات المتنقلة ودعم المشافي والإحالة. غير أن المال وحده لا يحسم النتيجة إذا غابت الحوكمة، فالقائمة التي تهدف إلى منع وفيات يمكن تجنبها تحتاج إلى آلية شفافة لتحديد الأولويات وفق عبء المرض، وإتاحة البيانات، ومراجعة دورية تستجيب لتغيرات مثل موجات النزوح أو تفشي أمراض موسمية.

هنا يمكن لأطر التنسيق الصحي أن توازن بين دعم الطوارئ وتعزيز الرعاية الأولية، وأن تستثمر في الكوادر المحلية لأن هجرة الأطباء والفنيين تجعل أي تزويد مؤقت بالمواد أقل جدوى على المدى المتوسط. حين تُصاغ أولويات صحية في سوريا بهذه الروح تصبح وثيقة حية تتطور كل شهر أو فصل، وتُقاس نتائجها بعدد الجلسات التي عادت لمرضى الغسيل، وبنسبة الأدوية الأساسية المتاحة للأطفال، وبانخفاض الإحالات المتأخرة التي تصل إلى المستشفى بعد فوات نافذة العلاج المبكر.

الخلاصة لا تقوم على وعد سريع بالشفاء، بل على منطق عملي يعترف بالقيود ويبحث عن أكبر أثر ممكن، فإذا جرى تثبيت علاج الفشل الكلوي، وحماية سلة أدوية الأطفال، ودعم الوقاية والرعاية الأولية، تتراجع مساحة الوفيات التي كان يمكن تفاديها بقرار إمداد في الوقت المناسب. ومع دخول 2026 تزداد الحاجة إلى شراكات أكثر مرونة بين الجهات المانحة والفاعلين المحليين، وإلى إدارة إمداد أكثر ذكاءً، وإلى خطاب يضع الإنسان قبل الأرقام، لأن كل فجوة دواء قد تعني اسماً وعائلة وقصة لا تُستعاد. هكذا تتقدم النجاة على الانتظار الطويل.

اقرأ أيضاً: مخبر حمص المركزي “مجاني”.. لكن هل تكفي الفحوص لحماية الصحة العامة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى