المجتمع السوري

“أوغاريت 2”.. كابل إنترنت جديد يربط سوريا بأوروبا ويعزز الاتصال الدولي

بقلم هلا يوسف

لا تزال قضية الإنترنت تشكّل عقبة أمام أي تحول رقمي في سوريا، فالمنظومة الرقمية لا يمكن تطبيقها دون وجود بنية رقمية ممتازة قادرة على مواكبة تطورات الاقتصاد والصناعة وغيرها. ويبدو أننا اليوم أمام نتاج عمل سنة ونصف تقريباً من اتفاقيات دولية لتطوير شبكة الإنترنت، فمشروع مد الكابل البحري “أوغاريت 2” لا يزيد من كمية البيانات التي يمكن أن تدخل إلى البلاد وتخرج منها، بل يساهم في بناء شبكة اتصالات دولية تهدف لتقليل الاعتماد على مسارات محدودة وفتح الطريق أمام سوريا لتكون بوابة عبور البيانات بين أوروبا وآسيا.

ففي 28 تموز الماضي، وقّعت المؤسسة السورية للاتصالات اتفاقية مع هيئة الاتصالات القبرصية “سيتا” وشركة “يونيفاي كوميونيكيشنز” الأميركية لإنشاء وصيانة الكابل البحري “أوغاريت 2″، قبل أن يُعلن عن الاتفاق في 11 آب الجاري.

وفي الواقع، المشروع لم يولد اليوم، بل كان نتيجة تحضيرات بدأت منذ عام 2024، وحصل خلال مراحل تطويره على ترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، ومن المفترض أن يدخل الكابل في الخدمة مع بداية عام 2028، إذا سارت عمليات التصنيع والتركيب بحسب الخطة الموضوعة، وتوافرت الموافقات والسفن والظروف البحرية والأمنية المطلوبة.

لكن ما قصة هذا الكابل؟ ولماذا تحتاج سوريا إليه؟ وهل يعني تشغيله أن الإنترنت في المنازل سيصبح أسرع بعشرات الآلاف من المرات؟ والأهم، ماذا يمكن أن يضيف للاقتصاد السوري؟

“أوغاريت 2”.. ماذا يوجد تحت البحر؟

في تفاصيل الاتفاقية المعلن عنها، سيمتد الكابل الجديد لمسافة حوالي 240 كيلومتراً بين بنتاسخينوس في قبرص وطرطوس، وسيضم 24 زوجاً من الألياف الضوئية. أما سعته عند بدء التشغيل، فمن المقرر أن تصل إلى 31 تيرابت في الثانية، مع تصميم يسمح برفعها مستقبلًا إلى نحو 370 تيرابت في الثانية.

وحتى نعرف مقدار الفرق بين الكابل القديم والجديد، علينا أن نعود للكابل القديم، فالكابل الأصلي “أوغاريت” بدأ العمل عام 1995، وكان يمتد لمسافة نحو 239 كيلومتراً بين طرطوس وقبرص، وبلغت قدرته في ذلك الوقت 622 ميغابت في الثانية.

أما اليوم فنحن أمام مشروع سعته البدائية أكبر بحوالي 50 ألف مرة من قدرة الكابل القديم، بينما تصل السعة التصميمية القصوى إلى نحو 595 ألف مرة. لكن ما يجب أن ننتبه له هو أن فكرة إن تشغل هاتفك بعد عام عام 2028 وتحصل على سرعة 31 تيرابت ليست صحيحة.

ويعود السبب في ذلك إلى أن الكابل البحري هو عبارة عن الطريق الدولي الذي تدخل منه البيانات إلى سوريا وتخرج منه. أما وصول هذه البيانات إلى منزلك أو شركتك، فيعتمد على شبكة كاملة تبدأ من محطة الإنزال، ثم تنتقل إلى الشبكات الداخلية، والألياف الضوئية، والمقاسم، ومزودي الخدمة، وحتى آخر نقطة تصل فيها الشبكة إلى المستخدم.

هذا يعني ببساطة أن الطريق الدولي واسع وسيكون موجوداً، لكن الطرق الضيقة داخل سوريا هي مسؤولية وزارة الاتصالات. فكابل “أوغاريت 2” يحل جزءاً مهماً من مشكلة الإنترنت، لكنه لا يحل المشكلة كلها.

والكابل الجديد سيكون من نوع Repeaterless، أي إنه لا يحتاج إلى محطات تقوية بحرية على طول المسار بسبب قصر المسافة بين قبرص وطرطوس.

أما التنفيذ فقد بدأت خطواته بالفعل. فقد طُلب الجزء البحري من شركة Prysmian، واختيرت Elettra TLC لتنفيذ أعمال التركيب البحري المتكاملة، بينما ستوفر Nokia تجهيزات النقل الضوئي للمرحلة الأولى.

وفي نفس الوقت بدأت أعمال المسح البحري للمسار وتصنيع الكابل. وستكون محطة الإنزال في طرطوس تحت تشغيل المؤسسة السورية للاتصالات، بينما تتولى “سيتا” إدارة محطة بنتاسخينوس في قبرص.

أما شركة “يونيفاي كوميونيكيشنز” الأميركية فتعمل كمقاول رئيسي للمشروع، وتمتلك حصة تبلغ 5% بحسب المعلومات التي تم نشرها.

ومن المهم أيضاً توضيح فكرة مهمة قد تربك البعض، وهي أن المسار الذي أعلن عنه هو كابل بين قبرص–طرطوس، ولا يوجد ضمن الاتفاق الحالي نقطة إنزال مباشرة في لبنان. ويمكن ربط لبنان أو غيره من دول الجوار في المستقبل عبر شبكات برية أو ترتيبات أخرى.

لماذا تحتاج سوريا إلى “أوغاريت 2″؟

حتى نفهم أهمية المشروع أكثر، علينا أن ننظر إلى ما حدث قبل توقيع الاتفاق. “فأوغاريت 2” لم يبدأ من الصفر في عام 2026، بل جاء نتيجة تفاهمات أولية حصلت في نيسان وأيار 2025، أي عندما أعلنت وزارة الاتصالات عن إطلاق المرحلة الأولى من المشروع بالتعاون مع “يونيفاي” و”سيتا” والمؤسسة السورية للاتصالات.

فقد تضمن الاتفاق الأولي الذي حصل العام الماضي التركيز على تحديث التجهيزات الموجودة في الجانب السوري، وتجهيز البنية اللازمة لتطوير الاتصال الدولي عبر قبرص. أما الاتفاق الجديد، فينقل المشروع إلى مرحلة أكبر بكثير، قائمة على إنشاء كابل بحري جديد بالكامل بدلًا من الاستمرار في الاعتماد على كابل عمره أكثر من ثلاثين سنة.

وهنا تظهر أهمية حادثة حصلت قبل أسابيع فقط. ففي حزيران 2026، تعرض الكابل البحري الذي يربط طرطوس بالإسكندرية لأضرار، مما أدى إلى خروج جزء كبير من السعات الدولية السورية من الخدمة.

وبسبب ذلك اضطرت المؤسسة السورية للاتصالات إلى إدارة حركة الإنترنت عبر كابل “أوغاريت” باتجاه قبرص، بالإضافة إلى المسار الدولي عبر تركيا، مع رفع جاهزية المسار التركي ليستوعب سعة أولية بلغت نحو تيرابت واحد في الثانية.

كما جرى العمل على إضافة مسار دولي عبر الأردن وصولًا إلى خليج العقبة. قد تبدو هذه التفاصيل تقنية، لكنها في الحقيقة تكشف مشكلة اقتصادية مهمة.

فإذا نظرنا للواقع اليوم، سنجد أنه لا تستطيع المصارف والشركات والمتاجر والمنصات الحكومية وحتى الكثير من الأعمال الصغيرة الاستغناء عن الإنترنت. لذلك فإن انقطاع مسار دولي واحد يمكن أن يؤثر في عدد كبير من الخدمات.

وهنا تظهر فكرة المرونة، فكلما كان لدى الدولة أكثر من طريق للبيانات، أصبح بإمكانها تحويل الحركة إلى مسار آخر عند حدوث عطل. وهذا ما يفسر تعدد أهمية “أوغاريت 2” من سعته الضخمة فقط، بل من كونه مساراً جديداً يمكن أن يقلل اعتماد سوريا على عدد محدود من طرق الاتصال.

من “31 تيرابت” إلى “سيلك لينك” و”ميدوسا”.. القصة أكبر من كابل

إذا حللنا عمل وزارة الاتصالات سنجد أنها تعمل على أكثر من مشروع خاص بالإنترنت في وقت واحد. فمع وجود مشروع “أوغاريت 2” هناك أيضاً مشروع “SilkLink” الذي تعمل عليه سوريا مع مجموعة الاتصالات السعودية STC باستثمار يتجاوز 3 مليارات ريال سعودي، أي نحو 800 مليون دولار.

وبذلك يكون المشروع الأول موجهاً لتعزيز شبكة ربط الإنترنت السوري بالخارج، بينما يعمل المشروع الثاني على تعزيز المسارات الضوئية الداخلية، وشبكة الاتصالات الفرعية بالمحافظات.

وهناك أيضًا مشروع “Medusa” الذي يتضمن إنزال كابل بحري في طرطوس وربط سوريا بشبكة بحرية تمتد عبر جنوب أوروبا وشمال أفريقيا.

وفي حال اكتملت هذه المشاريع كما هو مخطط، فقد تمتلك سوريا في المستقبل أكثر من بوابة اتصال دولية، وهي طريق عبر قبرص، وطريق عبر شبكة المتوسط، ومسارات برية عبر تركيا والأردن، بالإضافة إلى شبكة ألياف داخلية واسعة.

هل سيغيّر “أوغاريت 2” حياة المستخدم والاقتصاد السوري؟

من كل الكلام السابق ربما أكثر ما يهم المواطن السوري هو أسعار الإنترنت، فمع تجربة الكهرباء التي حولت الوصل الكهربائي لعبء مالي، وأسعار باقات الإنترنت التي ارتفعت أضعافًا مضاعفة، أصبح السؤال المشروع: هل ستنخفض أسعار الإنترنت؟ هل سترتفع السرعات؟ وهل ستصبح خدمات الإنترنت أفضل؟

في الواقع الجواب أن هذه الميزات التي يسأل عنها المواطن لن تكون بهذه السرعة. فتشغيل “أوغاريت 2” لا يعني انخفاض الأسعار أو ارتفاع سرعة الإنترنت المنزلي، لأن هذه الأمور تعتمد أيضًا على الشبكات المحلية، والمنافسة بين الشركات، وتكلفة التشغيل، ورسوم السعات، والاستثمار في الألياف، وطريقة توزيع الاتصال على المستخدمين.

لكن المشروع يمكن أن يزيل واحداً من الاختناقات الكبيرة، وهي الاتصال الدولي، وهذا مهم جدًا لأن الاقتصاد نفسه أصبح يعتمد على الاتصال أكثر من أي وقت مضى. فأي شركة تستخدم نظامًا سحابيًا تحتاج إلى الإنترنت، وأي مصرف يقدم خدمات رقمية يحتاج إليه، عدا عن شركات البرمجيات التي تتعامل مع عملاء خارج سوريا تحتاج إلى اتصال مستقر. والجامعات الإلكترونية، والمتاجر الإلكترونية، وغيرها. كل ذلك يحتاج لإنترنت مستقر ومدعوم.

حتى الذكاء الاصطناعي يدخل في هذه المعادلة، لأن الخدمات الحديثة تحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات، وإلى اتصال سريع بمراكز الحوسبة والخدمات السحابية.

لكن مرة أخرى نقول إن الكابل وحده لا يكفي. فإذا أرادت سوريا الاستفادة اقتصادياً من هذه البنية، فهي تحتاج أيضاً إلى كهرباء مستقرة، ومراكز بيانات، وتشريعات واضحة، وحماية للبيانات، وأمن سيبراني، وتمويل، وبيئة تسمح للشركات الرقمية بالنمو.

في النهاية، وجود الكابل البحري “أوغاريت 2” قد يكون إنجازاً كبيراً يحسب لوزارة الاتصالات، لكن كما ذكرنا سابقًا لا يكفي لوحده في رفع السرعات داخل الكابلات الفرعية. فالمهم أن تمتلك سوريا شبكة إنترنت قوية تخدم المواطنين والمستثمرين الدوليين في نفس الوقت.

اقرأ أيضاً: إيقاف الإنترنت الهوائي .. كيف تحولت شائعة إلى بيان رسمي خلال ساعات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى