المجتمع السوري

أوتستراد دمشق درعا: هل يتحول الشريان الحيوي إلى”نقطة انتحار” برعاية الإهمال الرسمي؟

بقلم: ديانا الصالح

مشكلة قديمة متجددة، تلك هي حال أوتستراد دمشق-درعا منذ سنوات، وسط تعالي الأصوات الشعبية المطالبة بإيجاد حلول جذرية أو إسعافية على أقل تقدير، للحدّ من الحوادث التي تحصد الأرواح وتبث الرعب في المنطقة، نتيجةً للسرعة الزائدة ورداءة ما يسميه الأهالي “طريق الموت” في ظل غياب الرقابة المرورية، وفي هذا السياق، يثور تساؤل ملحّ: ما هو مصير الخطط المليارية ومشاريع الصيانة المُعلنة التي لم تجد طريقها للتنفيذ بعد؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

أزمة أوتستراد دمشق-درعا

يُعد أوتستراد دمشق-درعا شرياناً تجارياً حيوياً، وحلقة وصل استراتيجية تمتد حتى معبر نصيب الحدودي مع الأردن، وعلى الرغم من أهميته الاقتصادية نتيجة لدوره الكبير في التبادل التجاري والنقل البري بين سوريا ودول الجوار، إلا أنه يعاني إهمالاً حكومياً يثير جدل الخبراء الاقتصاديين والأهالي منذ سنوات.

وتتجدد المطالب الشعبية بالنظر في حال الطريق على محمل من الجدية والمسؤولية، لكونه تخطى حدود المنطق في تكرار الحوادث، التي باتت مشهداً معتاداً لدى الأهالي والسائقين على حدٍّ سواء، وكان آخرها الحادث الذي أودى بحياة الطبيب عبد المعين الربداوي مخلفاً عدة إصابات.

فيما تتمحور الشكاوى حول كثرة المطبات الهوائية وغياب الشاخصات المرورية والتحذيرية، مع كثافة السيارات والشاحنات الثقيلة التي أدت إلى تآكل أكتاف الطريق، إلى جانب انعدام الرقابة المرورية والسرعة الزائدة فضلاً عن المخالفات المتكررة، وزيادة استخدام الدراجات النارية المرتبط بالواقع المعيشي المتردي، فالعديد من المواطنين باتوا يرون فيها ملاذاً للتنقل وسط غلاء الوقود، كما أن غياب جسور المشاة تحول إلى كابوس لطلاب المدارس وفقاً لما يصفه الأهالي.

وفي هذا السياق، يوضح المكلف بأعمال المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، عبر تصريح تلفزيوني، أن المؤسسة تقوم بشكل دوري وضمن خططها السنوية بإبرام عقود لمشاريع الصيانة على المحور، من بينها العقود التي أعدت خلال عام 2024، والتي تقدر قيمتها بملياري ليرة تقريباً، مشيراً إلى توقفها خلال الفترة السابقة ومحاولات تفعيلها من جديد.

وفي تصريح آخر، يؤكد فطوم تقديم طلب للحصول على حوالي 42 مليار ليرة سورية، ضمن خطة 2026، للعمل على معالجة العيوب والترهلات وإعادة تأهيل الأوتستراد، مشيراً إلى وضع جسرين جديدين (جسري محجة وخربة غزالة)، بالتعاون مع الشركة الفرنسية ماتيير، لإعادة تأهيل البنية التحتية.

إجراءات جزئية غير كافية

شهد الطريق انتشاراً لدوريات شرطة المرور وأمن الطرق كحملة للحد من المخالفات والحوادث المرورية، وتركزت مهمتها على ضبط المخالفات المتعلقة بالسرعة الزائدة أو رصد شاحنات تحمل بضائع بأوزان ثقيلة تتخطى الحد المسموح به، إلى جانب مخالفة المركبات التي لا تحمل لوحات تسجيل.

وفي صعيد متصل، يشير مراقبون إلى أن خطوة الانتشار الأمني للطرقات مهمة جداً ولكنها غير كافية، فهي تحتاج استمرارية جدية وعدم الاقتصار على تطبيقها في أماكن محددة ولعدة أيام، للتخفيف من الغضب الشعبي وإرضاء الإعلام، مؤكدين أن أي إجراء مؤقت لن يجدي نفعاً دون عملية إصلاح شاملة لكامل الأوتوستراد.

وفي محاولات إصلاحية جزئية وفقاً لما يصفه مهندسون، قامت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية بإجراء أعمال صيانة، تضمنت سدّ الجزر الوسطية إضافة إلى إغلاق فتحات الطرق غير النظامية للحدّ من الحوادث.

وهذا ما أكده في وقت سابق مدير المؤسسة أحمد زين العابدين، حيث أشار إلى القيام بإجراءات إصلاحية في إطار إزالة كافة المخالفات على هذا الطريق الحيوي، لضمان منع مظاهر العبور العشوائي على جانبي الطريق، وتحسين السلامة المرورية.

إلا أن ذلك لم يدم طويلاً وفقاً لناشطين محليين، فبعد فترة قصيرة تجدد ظهور تلك المخالفات من قبل مستخدمي الطريق، نتيجةً لانعدام الرقابة المرورية والمتابعة الدورية، لا سيما أن تلك السلوكيات المرورية مألوفة لدى البعض.

أرقام مقلقة

وفقاً لبيانات الدفاع المدني السوري، تمت الاستجابة لنحو 3000 حادث مروري، بمعدل 8 حوادث في اليوم خلال 2025، مسببةً إصابة 2600 مواطن تقريباً مع تسجيل حوالي 175 وفاة.

وتؤكد البيانات وقوع ثلاثة حوادث متفرقة في تاريخ 30 كانون الأول 2025، أدت إلى وفاة عشرة أشخاص وعدة إصابات على طرق درعا-دمشق، تدمر ودير الزور، دمشق وحمص.

وقد شهدت سوريا وقوع ما يزيد عن 600 حادث سير في الربع الأول من سنة 2025، أودت بحياة 39 مواطناً وإصابة 567 آخرين، فيما تم رصد نحو 726 حادثاً في منتصف شهر نيسان، مخلفةً 46 وفاة وإصابة 667 مواطناً.

كما تظهر إحصاءات وزارة الداخلية السورية توثيق 1442 حادث سير في الربع الأول من عام 2024، مما أدى إلى وفاة 85 شخصاً وإصابة 1232 آخرين، مما يعكس التدهور الخطير الذي آلت إليه الطرق دون وجود إصلاحات فعلية تستهدف البنية التحتية وتفعيل الرقابة المرورية.

أخطاء بشرية وثغرات فنية

بالنسبة لأسباب تلك الحوادث، فيبين المسؤول في الدفاع المدني السوري، وسام زيدان أنه إلى جانب الأخطاء البشرية، توجد عدة ثغرات فنية تتعلق بالبنية التحتية، بما في ذلك الحفر المفاجئة التي تربك السائقين إلى جانب تدهور وضع الطرق، وغياب الإضاءة وإشارات المرور، فضلاً عن تآكل أكتاف الطريق وسوء الصرف، مع تردي طبقة الإسفلت، إضافة إلى الظروف الاقتصادية التي دفعت المواطنين لاستخدام الدراجات النارية للتكيف مع مشكلة الوقود وتكاليف السيارات المرتفعة.

فيما يقترح زيدان اعتماد البيانات الميدانية كمحاولة للإصلاح والحد من الحوادث، من خلال تحديد المناطق التي تشهد معدلات أعلى في المخاطر المرورية وتوجيه فرق الصيانة نحوها كنوع من العمل المنظم بعيداً عن العشوائية، إضافة إلى السماح بمشاركة الفرق الميدانية في التخطيط المروري وتأهيل الطرق، لتحقيق استجابة استباقية لإصلاح التشوهات الفنية.

تكلفة الترميم التقديرية

يوضح مدير فرع مؤسسة المواصلات الطرقية بمحافظة درعا، أحمد زين العابدين، أن أعمال التزفيت في أجزاء أوتستراد دمشق-درعا تحتاج حوالي 29 مليار ليرة تقريباً، أي ما يعادل 2.5 مليون دولار، فيما تقدر تكلفة تحديد جوانبه بالدهان ما يقارب 8 مليارات ليرة، أي نحو 695 ألف دولار، فيما لم يتم تحديد التكلفة التقديرية للشاخصات المرورية حتى الآن.

أما بالنسبة للعواكس الضوئية المساعدة في تحديد أطرافه خلال الليل، فتكلفتها تتراوح بين 4500 دولار و9000 دولار للكيلومتر الواحد، مع مراعاة اختلاف السعر حسب النوع والجودة، وبتقدير كلي يمكن القول أن التكلفة للأوتوستراد الممتد 82 كم تبلغ حوالي 369 ألف دولار إلى 738 ألف دولار.

تحديات عميقة

وفقاً لورقة بحثية بعنوان “السلامة المرورية في سوريا”، تكمن المعضلة الطرقية المتمحورة حول رداءة الطرق لا سيما الحيوية والدولية منها مع تكرار الحوادث فيها إلى عدة عوامل منها ما يتعلق بالأسباب التقنية المتمثلة بتدهور البنية التحتية، وانعدام التخطيط المروري كغياب معابر المشاة، وعدم التنسيق بين حركة المركبات والأنشطة التجارية، مع تصميم تقاطع دون دراسة.

ولم يقتصر البحث على حصر الأسباب بالثغرات التقنية، بل تطرق إلى السلوكيات والأسباب الاجتماعية، كضعف التثقيف المروري، والقيادة المتهورة إلى جانب ضعف الرادع القانوني كالعقوبات وتداخل الصلاحيات وغياب الأنظمة المرورية الفعالة.

علاوة على ذلك، حددت الدراسة أيضاً مجموعة من العوائق المؤسسية والتنظيمية، والتي تتجسد بعدم وجود استراتيجية وطنية واضحة لسلامة الطرق، مما يعني ضعف التنسيق وتشتت الجهود، إضافة إلى عدم وجود قاعدة وطنية موحدة لبيانات الحوادث مما ينعكس بشكل سلبي على محاولات وضع سياسات وقائية، كما تؤكد الدراسة معاناة الجهات المعنية من نقص التمويل أيضاً.

حلول مقترحة

اقترح البحث عدة سياسات يمكن تطبيقها لضمان سلامة الأرواح وتعزيز حيوية الطرقات، وهي تحديث البنية التحتية من خلال إنشاء جسور ومعابر للمشاة، إلى جانب الاعتماد على إشارات مرور ذكية وإصلاح الطرق الحيوية.

كما تطرقت إلى أهمية تحسين إدارة المرور عبر وضع كاميرات المراقبة في التقاطعات، وتعزيز الدور الذي تلعبه شرطة المرور، إضافة إلى إنزال العقوبات الصارمة بحق أي مخالف، علاوة على ذلك أشار البحث إلى ضرورة إطلاق الحملات التثقيفية والتوعوية وتحديث قانون المرور ليناسب الوضع الراهن مع تحديد معايير صارمة في مسألة منح رخص القيادة، فضلاً عن دعم فرق الطوارئ لضمان سرعة استجابتها.

يبدو أن مشكلة أوتستراد دمشق-درعا لا تكمن في الأسباب الفنية فحسب وإنما تجتمع مجموعة من العوامل التي تحتاج تدخلاً فورياً لوقف زهق الأرواح، فمن الثغرات الفنية مروراً بالسلوكيات الفردية وصولاً إلى التحديات المؤسسية والتنظيمية، يبرز الحلّ بشكل جلي في وجود إرادة سياسية قادرة على إحداث تحول مؤسسي وثقافي طويل الأجل، مع اعتماد حلول إسعافية من شأنها الحد من تكرار الحوادث والمخالفات، على أمل التغيير الأعمق باتباع استراتيجية وطنية مدروسة بمشاركة مجتمعية.

اقرأ أيضاً: حوادث السير في سوريا: أرواح تزهق وطرقات بحاجة لصيانة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى