المجتمع السوري

أهالي ريف اللاذقية … بين الماضي والحاضر نزحوا مرتين

لم يكن نزوح أهالي ريف اللاذقية مجرّد انتقال من بيت إلى آخر، بل كان اقتلاعاً من الجذور، وجرحاً غائراً في ذاكرة المكان والإنسان. حملوا معهم ما استطاعوا من بقايا حياة قديمة دافئة، وتركوا خلفهم بيوتاً عامرة بذكريات الطفولة ليعودوا إليها حطاماً فوق حطام. تركوا أرضاً سقوها بعرق ودم السنين.

حلم العودة ظلّ يضيء في قلوبهم رغم كل عتمة النزوح ومرارة الفقد وكَربة الغربة. ما يرممهم الصبر ويشدّهم إلى تراب أرضهم الحنين الذي لا يخبو. لكن حين بدأت خطوات العودة تقترب، جاءت الحرائق الأخيرة كصفعة موجعة تشعل بلهيبها ذكريات النزوح من جديد. حرائق التهمت الغابات والبيوت، وأعادت للقلوب ثِقل المرارة، وكأنها تقول لهم إن طريق الرجوع محفوف بالمِحِنْ وغير سالك مقطوع بحجارة الركام ولهيب الحرائق. كأن الذاكرة التي كانوا يتهيؤون لاحتضانها أُحرقت أمام أعينهم من جديد.. لتطل المأساة من جديد.

كيف حالت الحرائق دون عودة أهالي ريف اللاذقية إلى منازلهم، أين كانوا يسكنون قبل سقوط النظام. كيف كانت حياتهم وكم عددهم وتفاصيل باقية في هذا المقال.

أهالي ريف اللاذقية أين كانوا قبل سقوط النظام في سوريا

على مدى سنوات الصراع، هُجّر عدد كبير من سكان قرى جبلي الأكراد والتركمان بالقرب من الحدود السورية – التركية من ديارهم، وبحسب إحصائيات تم نشرها، وصل عدد النازحين في مخيمات ريف اللاذقية إلى نحو 150 ألفاً يقيمون في أكثر من 20 مخيماً إضافةً إلى عشرات الخيام المتفرقة.

استقر نازحوا ريف اللاذقية في مخيمات عشوائية بنيت على عجل في التلال والأودية والجبال وسط غياب شبه تام للمنظمات الإغاثية عن دعم هذه المنطقة التي غابت عنها أي مشاريع لبناء بيوت طينية أسوة بمناطق أخرى في حلب وإدلب، وعلى طول الجدار الحدودي مع تركيا بداية من قرية “اليمضية” في جبل التركمان بريف اللاذقية وصولا إلى “عين البيضا” و”خربة الجوز” يمكن لأيّ شخص ملاحظة حالة الفقر والعشوائية التي بنيت بها تلك المخيمات.

قَطَن سكان هذه المخيمات ضمن بقعة جغرافية جبلية وعرة للغاية مفتقدين لأدنى مقومات الحياة، كما كانوا بعيدين عن المناطق الحيوية شمال إدلب، ومراكز وجود المنظمات أكثر من 200 كيلومتر ذهاباً وإياباً، ما صعب من مهمة المنظمات في الوصول إليهم.

اقرأ أيضاً: 193 مخيماً للنازحين السوريين شمال غرب البلاد لم تحصل على مواد التدفئة لهذا العام

عودة أهالي ريف اللاذقية بعد سقوط النظام

على مد النظر دمار واسع في ريف اللاذقية. مع تسجيل غياب تام للخدمات الأساسية ما يعطل عودة الأهالي، فرغم انتهاء الحرب وسقوط النظام السوري، لا يزال ريف اللاذقية يرزح تحت وطأة الدمار الواسع وغياب أبسط مقومات الحياة. فتحولت عودة السكان إلى قراهم لعودة شبه مستحيلة.

في ظل انعدام أي دعم فعلي أو خطط واضحة لإعادة الإعمار، وانسحاب صامت للمنظمات الإنسانية التي كانت نشطة خلال سنوات الحرب.. بعد أن سقط النظام اختفت، تاركة خلفها القرى المنكوبة لتواجه مصيرها المجهول لوحدها كما واجهته وقت النزوح.

أما الجهات المحلية، فانشغلت بالخلافات السياسية الداخلية، واكتفت بإطلاق وعود “الإعمار التدريجي” التي لم يُنفّذ منها شيء يُذكر. الدمار طال معظم الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية، لكنه تركز في قرى مثل “سلمى وكنسبا ودورين”. لم يقتصر على المباني، بل امتد ليشمل البنية التحتية، والمدارس، والمراكز الصحية، والطرقات وكل شيء.. التهم الدمار الشجر والحجر.

عشرات القرى تحولت إلى أطلال تملؤها الأنقاض والألغام ومخلفات الحرب المُهملة التي تنفجر بأي لحظة منذرةً بكارثة. في ظل غياب تام لأي جهود حكومية أو محلية وصمت مطبق متغاضي عن إزالة الركام أو إصلاح ما تهدّم. فلماذا كل هذا الإهمال لريف اللاذقية؟ في حين أن محافظات ومناطق أخرى أزيل لها الركام على الأقل.

يعاني ريف اللاذقية بعد السقوط من دمار شامل وخدمات غائبة بالمطلق، فيما بقي أهاليه في أتون الانتظار، آملين تفعيل خطط جدية لإعادة الإعمار وتسهيل عودتهم، في منطقة دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الثورة والحرب.

اقرأ أيضاً: “الإدارة الذاتية” تشارك في إخماد حرائق الساحل السوري

حرائق ريف اللاذقية وجه آخر للنزوح

بعد اندلاع حرائق غير مسبوقة في ريف اللاذقية، أعلن محافظ اللاذقية “محمد عثمان” أن الحرائق دمّرت 2200 هكتار من الأراضي الزراعية وتضررت منها 45 قرية، في حين بلغ عدد العائلات المتضررة نحو 1200، ما اضطر أكثر من 1120 شخصاً إلى مغادرة منازلهم.

قدّر عدد المتضررين بنحو 5 آلاف شخص، بينهم أطفال ومرضى ومسنون يعانون من أمراض تنفسية زادها الدخان الكثيف الذي وصل إلى مدينة حماة وريفها وجنوبي إدلب. تسببت هذه الحرائق في موجة نزوح جديدة بعد أن كان بعض الأهالي قد عادوا إلى قراهم لأول مرة منذ 14 عام من التهجير ومرارة النزوح.

كانت منظمة الزراعة والتنمية الريفية (SARD) قد كشفت في تقرير لها الشهر الماضي، أن الحرائق الممتدة اجتاحت ريف محافظة اللاذقية، وأسفرت عن تدمير أكثر من 10 آلاف هكتار من الأراضي الحرجية والزراعية، ما يعادل نحو 100 كيلومتر مربع، أي ما يعادل أكثر من 3 في المئة من إجمالي الغطاء الحراجي في سوريا.

في تصريح لأحد أهالي ريف اللاذقية لوسائل إعلام محلية غطت سلسلة الحرائق الواسعة التي طالت المنطقة، قال أن الحريق أخّر عودة الكثير من السكان، لافتاً إلى أن القرى والمنطقة هنا تعتمد على الزراعة، ومن دون توفر الدعم الحكومي الحقيقي لن يتمكن الأهالي من الاستقرار مجدداً فيها.

فما زال الأهالي قيد الوعود والانتظار … إلى متى سيبقى الانتظار يحكم السوريين؟

اقرأ أيضاً: الحرائق الأخيرة ما بين رماد الواقع والحلول الوزارية

ختاماً، أهالي ريف اللاذقية نزحوا مرتين ولأسباب قاهرة. لم يرحمهم القصف ولم تغفر لهم نيران الحرائق مشقة الفقد والتهجير. متى العودة للأرض والزراعة؟ إلى متى سيعانون، متى ستُنفذ الوعود الوزارية ويعانق أهالي ريف اللاذقية الحياة الطبيعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى