أنشط الوزراء على فيسبوك في 2026.. من الأقرب إلى السوريين؟

بقلم: ريم ريّا
في عصر تنتشر فيه الأخبار بسرعة فائقة، ويتشكل فيه الرأي العام بنقرة زر، لم تعد صفحات الوزراء على فيسبوك – وهو المنصة الرقمي الأكثر انتشاراً بين السوريين – مجرد منصات لنشر المعلومات أو توثيق الاجتماعات الرسمية. خلال النصف الأول من عام 2026، برزت ظاهرة لافتة، حيث أصبح العديد من الوزراء السوريين شخصيات بارزة ذات حضور يومي على وسائل التواصل الاجتماعي، يخاطبون الجمهور مباشرة، ويشرحون القرارات، ويرصدون الأزمات، ويقدمون وجهات نظرهم حول الأحداث، متجاوزين بذلك الخطاب الحكومي التقليدي.
لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في أسلوب التواصل، بل عكس وعياً متزايداً بأهمية الفضاء الرقمي كمنصة أساسية يتابع من خلالها السوريون الشؤون العامة، ويسعون للحصول على إجابات سريعة ومعلومات موثوقة. في المجالات الإنسانية والخدمية والأمنية والثقافية، نجح العديد من الوزراء في توظيف فيسبوك كأداة تواصل فعّالة مع الجمهور.
من إدارة الكوارث إلى صناعة الثقة.. رائد الصالح في صدارة الوزراء
يصعب الحديث عن أنشطة الحكومة على فيسبوك في عام 2026 دون ذكر وزير إدارة الطوارئ والكوارث، رائد الصالح، الذي تحولت صفحته إلى غرفة عمليات مفتوحة تابع من خلالها السوريون عن كثب تطورات الحرائق والكوارث الطبيعية وحملات الاستجابة الإنسانية.
في ذروة موسم الحرائق العام الماضي في الساحل السوري، لم يكتفِ الصالح بنشر الأرقام والإحصاءات المتعلقة بمئات الحرائق التي استجابت لها فرق متخصصة يومياً، بل حرص أيضاً على توفير رؤية شاملة لحجم التحديات التي تواجهها فرق الاستجابة وأهمية مشاركة المواطنين في جهود الوقاية وحماية المحاصيل الزراعية والموارد الحرجية.
كما كان حضوره بارزاً خلال رصد مخاطر الفيضانات التي حدثت مؤخراً على طول نهر الفرات، حيث شارك الجمهور تفاصيل العمليات الميدانية وغرف العمليات المشتركة ونشر فرق الدعم بين المحافظات، مقدماً نموذجاً للتواصل المباشر أثناء الأزمات.
وامتد عمله إلى ما هو أبعد من إدارة الطوارئ ليشمل جهود التعافي وإعادة الإعمار، كما يتضح من تحليله لمشروع ترميم جسر الرستان. لقد نقل رسالة مفادها أن إعادة إعمار سوريا لا تبدأ فقط بإزالة آثار الكوارث، بل أيضاً بإعادة ربط المدن والمجتمعات التي فصلتها سنوات الحرب.
اقرأ أيضاً: “أنس خطاب” وزير الداخلية السوري.. من هو؟

وزراء الخدمات والأمن.. من البيانات الرسمية إلى الحوار مع المواطنين
في المقابل، شهدت حسابات بعض الوزراء على مواقع التواصل الاجتماعي تحولاً ملحوظاً، إذ انتقلت من مجرد نشر أخبار الحكومة إلى لعب دور توضيحي وتفسيري يُعنى بشؤون المواطنين اليومية.
وقدم وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، عبد السلام هيكل، نموذجاً مختلفاً في هذا الصدد، حيث ركّز على شرح المسائل التقنية والخدمية بلغة بسيطة. فبدلاً من مجرد إعلان القرارات، تعمّق في تفاصيل المشاكل التي تهم المستخدمين، بدءاً من خدمات الدفع الإلكتروني وصولاً إلى أسباب غياب خدمات الملاحة الذكية في التطبيقات العالمية داخل سوريا، موضحاً العقبات التقنية والقانونية التي تعيق تطويرها. وقد ساهم هذا النوع من الحوار في تقريب وجهات النظر بين المواطنين وصنّاع القرار، إذ وجد الكثيرون، ولأول مرة، تفسيرات واضحة لقضايا طالما حيّرتهم.

وفي المجال الأمني، حرص وزير الداخلية أنس خطاب على التواجد الدائم، مستعرضاً نتائج العمليات الأمنية وجهود مكافحة المخدرات، ومسلطاً الضوء على عمل المؤسسات الأمنية في مواجهة التحديات الداخلية. كما انتهز الفرصة للتعبير عن امتنانه للعاملين على الأرض، بهدف تحسين صورة قوات الأمن وإطلاع الجمهور على تفاصيل عملهم.

الثقافة والهوية الوطنية.. حضور يتجاوز العمل الإداري
رغم أن قضايا الخدمة العامة والأمن تستحوذ عادةً على اهتمام الرأي العام، إلا أن النشاط الرقمي لم يقتصر على هذه القضايا. فقد برز وزير الثقافة، محمد ياسين الصالح، من خلال منشوراته التي جمعت بين الرسائل الوطنية وتغطية الفعاليات الثقافية والفنية في مختلف أنحاء البلاد. وقد كشف هذا الحضور عن جانب آخر لدور وسائل التواصل الاجتماعي، مُظهراً أنها لم تعد مجرد منصة للتعليق على الأزمات، بل أصبحت فضاءً لتعزيز الحوار الثقافي وتوسيع نطاق الاهتمام بالأنشطة الفكرية والفنية والوطنية. كما ساهمت هذه المنشورات في الحفاظ على مكانة الثقافة في النقاش العام في وقتٍ تُهيمن فيه الاحتياجات والخدمات الأساسية على أولويات المواطنين.

فيسبوك كأداة حكم جديدة
تكشف تجربة النصف الأول من عام 2026 عن تحولٍ جوهري في طبيعة العلاقة بين المسؤولين والمواطنين في سوريا. فبعد سنواتٍ من نشر المعلومات الحكومية عبر بياناتٍ مقتضبة أو مؤتمراتٍ صحفية متفرقة، أصبحت المنصات الرقمية فضاءً مفتوحاً للتواصل اليومي وتبادل الرسائل والتوضيحات.
ورغم اختلاف المناهج والحقائب الوزارية، إلا أن القاسم المشترك بينها هو السعي إلى التواصل المباشر مع الجمهور، سواءً من خلال إدارة الأزمات، أو شرح القرارات، أو نشر الإنجازات، أو معالجة قضايا المصلحة العامة.
ونظراً لتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام والاتجاهات، لم يعد التواجد الرقمي ميزةً إضافية للمسؤولين الحكوميين، بل أصبح أداةً أساسيةً للخدمة العامة ومؤشراً متزايد الأهمية على مدى ارتباط المسؤول بواقع المواطنين وقدرته على التواصل معهم خارج القنوات الرسمية.









