«أنتج ما يُباع».. الصناعة السورية تتخلى عن وصفة الاقتصاد القديم

الكاتب: أحمد علي
في ورشة نسيج بريف دمشق، لا يبدأ القرار الاقتصادي من كتاب نظري، يبدأ من صاحب معمل يسأل تاجراً إن كان اللون سيجد مشترياً، ومن عامل ينتظر أن تدور الآلة ساعات أطول، ومن أسرة تريد سلعة جيدة بسعر تستطيع دفعه. لهذه المسافة اليومية بين المصنع والسوق اختصر رئيس اتحاد غرف الصناعة مازن ديروان رؤيته بعبارة «صناعة ما يُباع» بدلاً من «بيع ما يُصنع».
قال ديروان في 4 أيلول 2026 إن الانفتاح والمنافسة ينبغي أن يرسما المرحلة الجديدة، مع حماية محدودة زمنياً لبعض الصناعات كي تجدد آلاتها، لا حماية دائمة لكل منشأة. تتقاطع الدعوة مع برنامج «صناعة سورية» الذي يشترط قيمة مضافة محلية لا تقل عن 40 في المئة ومعايير جودة معتمدة. غير أن انتقال الاقتصاد من الشعار إلى السلوك لن يحدث لمجرد تبديل الجملة، فالسوق نفسها ما زالت ضعيفة الدخل، والمصنع يعمل بطاقة مكلفة، والمشتري الخارجي لا يشتري الحنين إلى المنتج السوري بل يشتري مواصفة وسعراً وموعداً.
الشعار الذي يغيّر اتجاه المصنع
كانت نقطة البداية في الوصفة القديمة هي القدرة المتاحة داخل المصنع. تُنتج المنشأة ما تعرفه، ثم يبحث التاجر عن مكان لتصريفه. أما البدء مما يُباع فيعكس الاتجاه. تُقرأ حاجة المستهلك أولاً، وتُختبر الكمية والسعر والتغليف، ثم يُبنى الإنتاج على إجابة واقعية. يبدو الفرق لغوياً، لكنه ينقل المخاطرة من مخزن يمتلئ ببضاعة راكدة إلى قرار أصغر يمكن تعديله قبل أن يبتلع رأس المال.
هذا التحول يمنح التسويق والبحث والتطوير مكاناً إلى جانب الآلة. فالصناعي لا يعود ناجحاً لأنه صنع أكثر فقط، بل لأنه فهم لماذا اختار الناس منتجه وعادوا إليه. وفي سوق سورية تستقبل سلعاً من الخارج وتستعيد صلاتها التجارية، ستصبح المقارنة يومية، فلن يكفي أن يكون المنتج محلياً، وإن كان ذلك يحمل قيمة وجدانية وتشغيلية، بل يجب أن يكون اختياره منطقياً أيضاً.
الندرة صنعت بائعاً لا يسمع المشتري
لم تولد الذهنية القديمة من كسل الصناعي وحده، صنعتها عقود من القيود والاحتكار، ثم عمقتها الحرب والعقوبات ونقص القطع والوقود والعملات. عندما تكون السلع قليلة والبدائل أندر، يستطيع المنتج بيع ما يخرج من خطه ولو تأخر في الجودة والتصميم. كان هم المعمل أن يبقى مفتوحاً، وكان هم الأسرة أن تجد السلعة أصلاً.. في تلك البيئة يصبح صوت المستهلك خافتاً لأن الندرة تتكلم أعلى منه.
اليوم تخف بعض الحواجز الخارجية وتعود التحويلات والتواصل مع الموردين تدريجياً، لكن إرث الندرة لم يختف. هناك آلات هرمت، وعمال مهرة غادروا، ومصانع انقطعت عن اتجاهات السوق سنوات. كما أن الكهرباء ما زالت قيداً مركزياً، وهو ما يفسر اعتبار البنك الدولي إصلاح القطاع شرطاً لتعافي الاقتصاد. لذلك لا يصح مطالبة المصنع بالقفز إلى المنافسة العالمية فيما يدفع ثمن توقفه وتشغيل مولدته داخل كل قطعة.
الانفتاح بين المنافسة والإغراق
إلغاء الاحتكارات ودخول بدائل جديدة قد يخفضان السعر ويدفعان الجودة إلى الأعلى. وهذه مكسب مباشر للمستهلك الذي تحمل طويلاً كلفة سوق مغلقة. لكن فتح الباب دفعة واحدة أمام سلعة منتجة في مصنع مستقر وممول، بينما يقف نظيرها السوري على أرض متضررة، لا يصنع منافسة متكافئة. قد يغلق المعمل قبل أن يحصل على الوقت والائتمان اللازمين لإصلاح خطه.
لهذا تبدو «فترة الأمان» التي تحدث عنها ديروان معقولة إذا كانت محددة ومشروطة. فالحماية المؤقتة ينبغي أن تُمنح مقابل خطة تحديث وهدف إنتاجية وتاريخ انتهاء واضح، لا مقابل نفوذ صاحب المنشأة. وبعض الصناعات يستحق فرصة لأنه يملك مادة محلية أو معرفة أو سوقاً محتملة، وبعضها قد لا يكون مجدياً. فالصراحة في هذا الفرز أرحم من دعم مفتوح يدفع ثمنه المستهلك والخزينة معاً.
ما الذي يُباع فعلاً
السوق ليست استطلاعاً سريعاً على وسائل التواصل. ما يُباع اليوم قد يكون موجة قصيرة، وما يحتاجه البلد قد لا يحقق ربحاً سريعاً.. إذا فُهم الشعار على أنه ملاحقة كل طلب آني، فقد تتجه الأموال إلى التجميع والسلع السهلة وتترك الصناعات الغذائية والدوائية ومواد البناء التي يحتاجها التعافي. والاقتصاد لا يُدار بذوق المستهلك وحده، كما لا يُدار بأمر إداري يتجاهله.
المطلوب معرفة أعمق بالطلب، غرف الصناعة تستطيع جمع بيانات المبيعات والأسعار والأسواق الناقصة، والجامعات يمكن أن تساعد في اختبار المنتج، والدولة تستطيع استخدام مشترياتها لتثبيت مواصفات واضحة. أما شرط القيمة المحلية البالغ 40 في المئة فيحتاج إلى تدقيق، كي يميز من يصنع فعلاً ممن يركب أجزاء مستوردة ويضع ملصقاً وطنياً. حينها يصبح «ما يُباع» سلعة تحمل عملاً ومعرفة سوريين، لا علبة تغير اسمها عند الحدود.
من رف دمشق إلى المشتري الخارجي
خصص معرض دمشق الدولي أيامه الأولى لرجال الأعمال، وتحدث اتحاد غرف الصناعة عن معرض يستضيف مشترين من العراق والأردن ومصر والخليج وشمال أفريقيا وأسواق أبعد. هذه خطوة في الاتجاه الصحيح لأن المشتري المحترف يقول للمصنع ما لا تقوله لافتة دعائية. يسأل عن ثبات الجودة، والكمية الشهرية، ومدة التسليم، وشهادة المنشأ، ثم يعود أو لا يعود بناء على الوفاء بالعقد.
والتصدير لا يبدأ عند الشاحنة، يبدأ من مختبر موثوق، وعبوة تناسب السوق، وسعر لا يتبدل في منتصف الصفقة، ومصرف يستطيع تحصيل المال. وقد أزالت الولايات المتحدة معظم العقوبات الشاملة، مع بقاء عقوبات موجهة وفحوص امتثال، لكن السماح القانوني لا يضمن أن كل بنك أو شركة تأمين سيقبل المخاطرة فوراً. على الصناعة أن تبني سجلاً نظيفاً وقابلاً للتحقق، لأن الثقة هنا جزء من المنتج نفسه.
الدولة لا تخرج من بوابة المصنع
الاقتصاد الأكثر حرية لا يعني دولة غائبة، دورها يتغير من اختيار السلعة وتوزيع الامتياز إلى حماية المنافسة وضبط المواصفة وتوفير الكهرباء والقضاء والتمويل والمعلومة. خفض سعر الفيول للمصانع يخفف كلفة واضحة، لكن الصناعي يحتاج أيضاً جدول طاقة يمكن التخطيط عليه، وإفراجاً جمركياً مفهوماً، ونافذة واحدة للترخيص، وقرضاً يحسب دورة الإنتاج لا مزاج الموظف.
ويحتاج العامل إلى مكان في المعادلة، المصنع الذي يخفض السعر عبر أجر لا يكفي للعيش قد يبيع فترة، لكنه يفقد مهارته ويضعف الطلب المحلي الذي يعتمد عليه. فالإنتاجية الأفضل تأتي من آلة وتدريب وتنظيم، لا من ضغط الأجر وحده. وإذا أُعلنت مؤشرات سنوية عن الصادرات والقيمة المحلية والإنتاجية والوظائف والأجور، يمكن معرفة إن كانت الصناعة تغير وصفتها فعلاً أم تغير مفرداتها فقط.
ختاماً، تحمل عبارة «صناعة ما يُباع» قطيعة مفيدة مع اقتصاد كان المصنع فيه بعيداً عن المشتري ومحتمياً بالندرة. وهي تنسجم مع انفتاح أوسع وبرنامج يريد ربط الدعم بالقيمة المحلية والجودة. إلا أن السوق لا تستطيع وحدها إصلاح الكهرباء أو تمويل الآلة أو حماية المنافسة من الاحتكار والإغراق.
التغيير الحقيقي سيظهر عندما يسأل المصنع عن حاجة الناس قبل الإنتاج، وحين يجد جواباً من بيانات لا من تخمين، ثم ينافس من دون أن يُترك عارياً في سنة التعافي الأولى.. عندها تتخلى الصناعة السورية عن وصفة الاقتصاد القديم بهدوء..
اقرأ أيضاً: هل تعيد الشراكة السورية–التركية تشغيل الصناعة الحلبية؟









