أمن المرافق الاستراتيجية في سوريا: كيف نحمي المرافئ ومحطات الطاقة؟

الكاتب: أحمد علي
مع بزوغ ضوء الفجر على ساحل اللاذقية، تستيقظ المرافئ كمشاهد حية لنبض سوريا الاقتصادي. تلك المرافئ التي كانت دوماً بوابةً للتجارة والحياة باتت اليوم أقرب إلى شرايين دقيقة تحتاج حماية خاصة بعد سنوات الصراع العنيف. وعلى امتداد البلاد، تنتصب محطات الطاقة كقلاعٍ تمد المدن والقرى بالنور والدفء، لكنها عانت الأمرّين في حربٍ استهدفت بنيتها وجعلت الظلام ضيفاً ثقيلاً على الليالي السورية. في هذا المشهد الذي يختلط فيه الأمل بالحذر، يبرز سؤال ملحّ: كيف يمكن لسوريا أن تصون مرافقها الاستراتيجية – المرافئ ومحطات توليد الكهرباء – في وجه التهديدات المتزايدة، وتؤمّن هذه الشرايين الحيوية التي يتوقف عليها تعافي الوطن ومستقبله؟
أمن المرافق الاستراتيجية: مفهومه ودروسه من العالم
يشير مفهوم أمن المرافق الاستراتيجية إلى حماية المنشآت الحيوية التي لا غنى عنها لاستمرار الخدمات الأساسية ولضمان استقرار الدولة واقتصادها. هذه المرافق تشمل الموانئ البحرية ومحطات توليد الكهرباء فضلاً عن شبكات النقل والاتصالات وغيرها من البنى التحتية الحساسة. وتدرك الدول المتقدمة أن تعرّض هذه المرافق لأي خلل جسيم – سواء بسبب كوارث طبيعية أو أعمال عدائية – قد يؤدي إلى شلل في الخدمات وخسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد. لذلك تخصص تلك الدول موارد هائلة وتضع خططاً محكمة لتأمين مرافقها الاستراتيجية، وتنشئ هيئات متخصصة لهذا الغرض.
على سبيل المثال، تولي المملكة المتحدة حماية البنية التحتية الوطنية الحرجة أولوية قصوى من خلال المركز الوطني لأمن البنية التحتية (NPSA) الذي يقدّم المشورة لحماية هذه العناصر الحيوية من التهديدات الأمنية. وفي الولايات المتحدة، تأسست وكالة متخصصة (CISA) بعد أحداث 11 أيلول لضمان أمن المرافق الوطنية، ولتقييم المخاطر ووضع خطط الاستجابة لحماية محطات الطاقة والمطارات والموانئ وغيرها.
لكن أهمية تأمين المرافق الاستراتيجية ليست حكراً على الدول التي تنعم بالاستقرار، بل تتضاعف في الدول التي شهدت حروباً وصراعات. وتعلّمت دول مثل العراق هذا الدرس بدماء ودموع خلال العقدين الماضيين. فمع انهيار الأمن في مرحلة ما بعد 2003، تعرضت البنى التحتية هناك لهجمات متكررة من جماعات متمردة؛ حيث تم تفجير محطات كهرباء وخطوط نقل الطاقة واستُهدفت أنابيب النفط بشكل ممنهج.
ورداً على ذلك اضطرّت الحكومة العراقية إلى إنشاء قوات حراسة متخصصة لحماية المنشآت النفطية والكهربائية، وتم نشر عشرات الآلاف من عناصر الأمن لتأمين محطات التوليد وخطوط الأنابيب. هذه التجربة المريرة أبرزت أن إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات لا يمكن أن يتحققا دون ضمان أمن المرافق الحيوية من أيادي التخريب والإرهاب.
على الصعيد العالمي، أدت حوادث استهداف البنية التحتية الحيوية إلى استنفار واسع ورفع درجة الحماية. فمثلاً، بعد حادثة تخريب أنابيب الغاز نورد ستريم في بحر البلطيق عام 2022 – والتي وُصفت بأنها أعمال تخريب استراتيجية – سارعت الدول الأوروبية وحلف الناتو إلى تعزيز إجراءات حماية منشآتها البحرية وتكثيف المراقبة على الكابلات وخطوط الأنابيب البحرية.
أدركت تلك الدول أن أمن المرافق الاستراتيجية لم يعد قضية داخلية فحسب، بل هو شأن دولي يتطلب التعاون وتبادل المعلومات بين الدول. وحتى الموانئ والمطارات في الدول المتقدمة أصبحت تخضع لبروتوكولات أمنية صارمة بموجب قوانين دولية (مثل المدونة الدولية لأمن السفن والموانئ الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية) لضمان عدم تعرضها لأعمال إرهابية أو تهريب قد يزعزع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتُبيّن التقارير الحديثة أن المرافئ بشكل خاص باتت هدفاً مغرياً لمروحة واسعة من التهديدات في عصرنا الحالي. فهذه المرافئ تمثل العمود الفقري للتجارة العالمية وتسهل حركة البضائع والطاقة عبر البحار، مما يجعل أي هجوم ناجح عليها قادراً على شلّ سلاسل الإمداد وإحداث اضطراب اقتصادي كبير. ومع اتساع نطاق التقنيات الحديثة، تواجه الموانئ تحديات من الإرهاب والتخريب إلى الجرائم المنظمة كتهريب الأسلحة والبشر، وصولاً إلى الهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة التحكم الرقمي في الموانئ.
لذا، نرى تعاوناً وثيقاً اليوم بين هيئات الأمن الحكومية وشركات الأمن الخاصة المتخصصة في المجال البحري لرفع جاهزية المرافئ ضد هذه التهديدات. وتشمل الإجراءات المتبعة في دول رائدة تركيب أنظمة مراقبة متطورة وكاميرات حرارية، واستخدام الدوريات البحرية لتأمين محيط الميناء، بل وحتى إدماج تقنيات كالطائرات المُسيَّرة للكشف المبكر عن أي تحركات مريبة قرب المنشآت المرفئية.
المرافق الاستراتيجية في سوريا تحت الخطر
في سوريا، تشكّل المرافئ ومحطات الطاقة عصب الحياة الاقتصادية ومصدر استمرارية الخدمات الأساسية، لكنها أيضاً كانت ومازالت في مرمى نيران الصراع. فعلى الساحل السوري، يبرز مرفأ اللاذقية ومرفأ طرطوس كمنفذين أساسيين للتجارة والإمداد، وقد حافظا على عملهما نسبياً طوال الحرب إلا أنهما لم يسلما تماماً من الأخطار. في أواخر عام 2021 شهد مرفأ اللاذقية سلسلة غارات «إسرائيلية» استهدفت ساحة الحاويات وأدت إلى حرائق وأضرار مادية كبيرة في الميناء الحيوي.
هذه الهجمات التي جاءت بشكل مباغت من البحر المتوسط أظهرت هشاشة المنشآت الحيوية أمام الضربات الجوية عالية الدقة، وأطلقت جرس إنذار حول ضرورة تعزيز وسائل الدفاع الجوي وتأمين المنشآت الساحلية. وقد أكّدت التقارير أن الضربة الإسرائيلية الثانية في كانون الأول 2021 – والتي أضاء وهجها ليل المدينة الساحلية – تسببت بأضرار واسعة في منطقة التخزين والحاويات، تاركة المرفأ غارقاً في الظلام لبعض الوقت. وبرغم أن الدافع المُعلن لتلك الضربات كان استهداف «شحنات أسلحة إيرانية مخزنة في الميناء»، فإن تأثيرها عمّق المخاوف من تعرّض أحد أهم مرافق سوريا الاقتصادية لمزيد من الهجمات في ظل التوترات الإقليمية.
أما في عمق البلاد، فالوضع أكثر تعقيداً بالنسبة لقطاع الكهرباء ومحطات الطاقة. لقد تكبّد هذا القطاع خسائر فادحة خلال الحرب، إذ تعرضت محطات توليد الكهرباء وشبكات النقل لهجمات متكررة أدت إلى تدمير ما يزيد عن نصف البنية التحتية الكهربائية في سوريا. ووفق التقارير الميدانية، انخفضت القدرة الإنتاجية الفعلية للكهرباء بنسب عالية جداً مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011، مما أغرق البلاد في عجز مزمن بالطاقة وتأثرت كافة مناحي الحياة اليومية. لم تكن هذه الخسائر مجرد أرقام، بل لمسها المواطن السوري في بيته ومعمله ومستشفاه على شكل انقطاعات طويلة وانهيار في خدمات أساسية.
يعود السبب الرئيسي في هذا التدهور إلى الاستهداف الممنهج لمحطات التوليد وخطوط نقل الطاقة خلال سنوات النزاع؛ فالمحطات الكبيرة كمحطة حلب الحرارية ومحطة محردة ومحطات دير الزور وغيرها تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة المعارك أو القصف المتبادل بين الأطراف المتحاربة. كما أنّ تنظيمات متطرفة مثل “داعش” لم تتوانَ عن تفجير محولات الكهرباء وخطوط الغاز وحقول النفط كجزء من حربها ضد الدولة والمجتمع، ما أدى لانهيار التغذية الكهربائية في العديد من المناطق خلال ذروة الصراع.
وحتى بعد انحسار المعارك الواسعة، ما زالت التهديدات الأمنية للمرافق الاستراتيجية في سوريا مستمرة بأشكال مختلفة. في شمال وشرق البلاد، حيث تسيطر الإدارة الذاتية الكردية، شنّت تركيا مراراً غارات جوية وضربات بطائرات مسيّرة استهدفت البنية التحتية الحيوية. وتشير تقارير موثقة إلى أنّ حملة تركية في تشرين الاول 2023 ضربت عشرات المواقع الخدمية والمنشآت الحيوية للأهالي هناك، من خزانات وقود وآبار نفط إلى صوامع حبوب ومحطات مياه وكهرباء. وقد اعتبرت أنقرة صراحةً أن البنية التحتية هدف مشروع لعملياتها العسكرية، ما جعل هذه المنشآت تدفع ثمن التجاذبات الإقليمية. وأحد أبرز الأمثلة كان قصف محطة السويدية للغاز والكهرباء في ريف الحسكة – وهي محطة استراتيجية تعدّ شرياناً يغذي المنطقة بالطاقة – ما أدى إلى تدمير كبير في تجهيزاتها وخروجها عن الخدمة أكثر من مرة.
فضلاً عن ذلك، لا يمكن إغفال خطر الخلايا النائمة والجماعات التخريبية داخل سوريا نفسها. فعلى الرغم من «السيطرة الأمنية» الحالية في معظم المناطق والتي لا تخلو من اضطرابات وتوترات بين الفينة والاخرى، ما زالت بعض الخلايا المسلحة أو حتى عصابات الجريمة المنظمة تحاول استهداف مرافق الدولة بقصد إرباك السلطات أو لتحقيق مكاسب خاصة. إذ شهدت بعض المناطق حوادث تفجير أبراج توتر عالٍ وسرقة كابلات النحاس من خطوط الكهرباء، إما بدافع التخريب أو بدافع سرقة المواد وبيعها في السوق السوداء. هذه الممارسات، وإن كانت محدودة النطاق، إلا أنها تزيد الضغط على قطاع هش بالأصل وتستدعي معالجات حازمة تشمل تعزيز الحماية الأمنية وتأمين مخازن قطع التبديل لضمان سرعة صيانة الأعطال الناتجة عنها.
حماية المرافئ ومحطات الطاقة: الإجراءات العسكرية والأمنية
في ظل هذه التهديدات المتعددة الأوجه، أصبح تأمين المرافئ ومحطات الطاقة في سوريا أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل. من الناحية العسكرية والأمنية، اتخذت السلطات السورية خطوات لتعزيز حماية هذه المنشآت الاستراتيجية مستفيدةً من خبرات الحلفاء وتجارب الدول الأخرى. من بين تلك الخطوات نشر قوات أمنية متخصصة في مواقع المرافق الحيوية: فالمرافئ السورية باتت تحت حراسة مشددة تشمل دوريات من قوات خفر السواحل على مدار الساعة، إلى جانب وحدات من قوات الدفاع تتولى حماية محيط الميناء ومنشآته الحيوية. ويتم تفتيش السفن الداخلة بحزم أكبر لمنع أي عمليات تهريب أسلحة أو متفجرات قد تستهدف أمن الميناء. كما عُزّزت الإجراءات التقنية عبر تركيب كاميرات مراقبة عالية الدقة وأنظمة إنذار مبكر ضد أي اقتراب غير مصرح به في نطاق الميناء.
على صعيد الدفاع الجوي، ورغم التعقيدات السياسية، سعت سوريا سابقاً إلى تطوير قدراتها لحماية منشآتها من الضربات الجوية. فجرى نشر أنظمة دفاع جوي متوسطة المدى في محيط مواقع استراتيجية – منها محطات توليد ومحاور كهربائية رئيسية – لصد أي اعتداء محتمل سواء من طائرات معادية أو صواريخ، ولكن هذا ما قبل سقوط سلطة بشار الأسد، أي قبل أي تنهال على أنظمة الدفاع هذه الغارات الجوية «الإسرائيلية» وتدمرها بشكل كامل، ناهيك عن أنّ الجهود المبذولة في هذا الخصوص لم تكن تفي بالمطلوب اليوم.
وفي مرافئ الساحل، حيث الخطر الأكبر من غارات مثل التي شهدتها اللاذقية، كان التنسيق جارٍ مع الحليف الروسي الذي يمتلك حضوراً عسكرياً في قاعدة طرطوس البحرية، لتعزيز التغطية الرادارية وإنذار الدفاعات مبكراً عن أي اختراق للأجواء، ولا يوجد معلومات حالية إذا ما كان هذا التنسيق مستمر حتى اللحظة أم لا، فكل ما هو مرابط بالملف الروسي في البلاد قيد النقاش والبحث بين الجانبين السوري والروسي. والحق يقال، حتّى ما قبل سقوط السلطة، لم يبدُ أنّ الروس يتدخلون لحماية أي مكان سوى أماكن تواجد قواتهم، والدليل على ذلك الهجمات التي كانت تشنها إسرائيل في كامل أنحاء سوريا بذريعة محاربة الميليشيات الإيرانية الموجودة على الأرض.
الآن، ووفق المعلن، تفكّر الجهات المعنية بإدخال تقنيات مضادة للطائرات المسيّرة بعد تزايد تهديد المسيّرات بشكل واضح في المسرح السوري. فهذه التقنيات باتت ضرورة لحماية المنشآت النفطية والكهربائية خصوصاً في الشرق السوري، حيث شهدت الشهور الماضية هجمات مسيّرات على حقول نفط ومحطات غاز أدت لأضرار ملحوظة.
وفي التجربة العراقية، وتحديداً في قطاع الكهرباء، تم تأسيس ما يشبه قوات شرطة الطاقة لحراسة محطات التوليد ومراكز التحكم وشبكات التوزيع الرئيسية. تنتشر هذه القوات في محيط المحطات الحساسة، مزوّدة بأسلحة خفيفة ومتوسطة، ولديها تفويض بالرد السريع على أي محاولة اعتداء أو تسلل. إضافة لذلك، تعمل أجهزة الاستخبارات على تفكيك أي شبكات تخطيط لضرب البنية التحتية من خلال جمع المعلومات والتحرك الاستباقي. وتضرب السلطات بيد من حديد على أيدي كل من تسوّل له نفسه العبث بشبكة الكهرباء، لاسيما وأن استهداف محطة كهرباء لا يعد مجرد جريمة ضد منشأة، بل هو اعتداء على آلاف المدنيين الذين تعتمد حياتهم على تلك المحطة.
ولعلنا نتذكر كيف أن توفير الحماية الكافية لخطوط نقل النفط والكهرباء في العراق شكّل شرطاً أساسياً لإقناع الشركات العالمية بالعودة للاستثمار؛ والأمر سيّان في سوريا اليوم، حيث لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار أو نهوض اقتصادي دون تأمين بيئة آمنة لعمل المرافق الحيوية واستقرارها. من هنا، نجد أن الخطط الحكومية لا بدّ أن تتضمن التعاون مع شركات أمنية وخبراء دوليين لتقييم نقاط الضعف في منشآت الموانئ ومحطات الطاقة السورية، واقتراح حلول كتقوية الأسوار وبناء غرف تحكم محصنة وزيادة تدريب كوادر الحراسة على التعامل مع الطوارئ والهجمات المفاجئة.
جانب آخر مهم في استراتيجية الحماية العسكرية هو إيجاد بدائل وخطط طوارئ. فالدولة التي تعتمد على محطة معينة أو ميناء واحد بشكل كلي تصبح في موقف ضعيف إذا ما تعطل ذلك المرفق. لذا ربما سيكون من المهم بالنسبة لسوريا وبدعم من حلفائها تنويع خياراتها: كمثال، العمل على إنشاء محطات توليد متنقلة أصغر موزعة في عدة مناطق كحلول إسعافية في حال خروج محطة كبرى عن الخدمة بسبب هجوم أو عطل، بحيث لا تنقطع الكهرباء تماماً عن المدن. وفي الموانئ، يقترح البعض تجهيز مرفأ طرطوس ليعمل بطاقة إضافية كبديل داعم لمرفأ اللاذقية في حال تأثر الأخير بأي حدث طارئ. وهذه الخطوات، مع أنها مكلفة، لكنها توفر درجة من المرونة وتقلل من تأثير الضربة الواحدة على المنظومة ككل، وهو مبدأ أساسي في علم حماية البنية التحتية يسمى بناء القدرة على الصمود (Resilience).
البعد الاجتماعي في تأمين المرافق الاستراتيجية
لا يقتصر أمن المرافق الاستراتيجية على التدابير العسكرية والتقنية فحسب، بل يشمل أيضاً أبعاداً اجتماعية ومجتمعية ينبغي مراعاتها لضمان حماية مستدامة لهذه المنشآت. فقد أثبتت التجارب أن المجتمع المحلي يمكن أن يكون خط الدفاع الأول عن مرافقه الحيوية إذا شعر بأنها تمثّل شريان حياته ومصدر ازدهاره. في سوريا اليوم، تُطرح تساؤلات حول كيفية إشراك المواطنين في حماية المرافئ ومحطات الطاقة، ليس كحراس مسلحين بالطبع، بل كشركاء في الحفاظ على هذه الممتلكات العامة والإبلاغ عن أي أخطار محتملة.
أحد الجوانب المهمة هو تعزيز الوعي الشعبي بقيمة هذه المرافق وأهميتها لجميع فئات المجتمع. عندما يدرك الصياد في طرطوس أو العامل في حقل نفط بدير الزور أن رزقه ورخاء أسرته مرتبطان باستمرار عمل الميناء أو المحطة بأمان، فسوف يكون أحرص الناس على حمايتها والإبلاغ عن أي تحرك مريب حولها. لذلك إن تنمية هذا الشعور بالمسؤولية المجتمعية يتطلب جهوداً في التربية والإعلام المحلي، من خلال حملات توعية تشرح للمواطن بلغة بسيطة كيف يؤثر أمن المرافق على جودة حياته اليومية – من توفر الكهرباء في منزله إلى توفر السلع في أسواق مدينته التي تأتي عبر الميناء. وقد بدأت بوادر مثل هذه الحملات فعلاً في بعض المناطق، حيث نظّمت فعاليات مجتمعية لغرس الأشجار في محيط منشآت الكهرباء لحمايتها ومنع التعديات، إضافة إلى مبادرات شبابية لحراسة خطوط المياه أحياناً بالتنسيق مع السلطات لمنع سرقة المعدات.
جانب آخر لا يقل أهمية هو كسب ثقة المجتمع المحلي في إدارة هذه المرافق. كثيراً ما رأينا في فترات عدم الاستقرار أن انقطاع الخدمات أو سوء توزيعها قد يدفع بعض الأفراد الساخطين إلى التخريب بدافع الاحتجاج أو الانتقام. لذا فإن العدالة في توزيع الطاقة والخدمات تجعل الجمهور حليفاً للأمن بدل أن يكون تهديداً له. وفي الحالة السورية، يعني ذلك بذل جهد خاص لضمان تغذية المناطق المختلفة بالتيار الكهربائي بشكل منصف قدر الإمكان، وتجنب حرمان منطقة معينة طويلاً بلا مبرر. كما يعني مكافحة الفساد في قطاعي الموانئ والطاقة، حتى لا يشعر المواطن أن موارده يتم هدرها أو سرقتها، فترتفع ثقتهم بإدارة الدولة لهذه المنشآت.
ومن البعد الاجتماعي أيضاً دعم العاملين في تلك المرافق وتحسين ظروفهم، فهؤلاء الجنود المجهولون – من مهندسين وفنيين وعمال – هم خط الدفاع التشغيلي عن المنشآت. رفع كفاءتهم عبر التدريب المستمر على إجراءات السلامة والأمان، وتوفير رواتب مجزية لهم، وحمايتهم قانونياً، كلها عوامل تجعلهم أكثر قدرة على التصدي لأي مخاطر داخلية أو محاولات إفساد متعمد. ووجود طاقم مؤهل ومؤمن بقضية حماية المرفق قد يحبط محاولة تخريب قبل وقوعها؛ فكثير من الحوادث أُحبطت تاريخياً على أيدي عمال تنبهوا لخلل أمني أو لغم مزروع، وقاموا بالإبلاغ السريع وإنقاذ الموقف.
خلاصة
في الختام، يبدو واضحاً أن أمن المرافق الاستراتيجية في سوريا ليس ترفاً أو شأناً ثانوياً، بل هو حجر الزاوية في عملية التعافي الوطني. فبدون موانئ آمنة تستقبل البضائع دون خشية من انفجار الحاويات، وبدون محطات كهرباء محصنة توفر الطاقة دون انقطاع، ستظل جهود إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد تراوح مكانها. والتجارب الدولية، من الشرق إلى الغرب، تقدّم دروساً ثمينة: الحماية الفعالة للمرافق الاستراتيجية تتطلب مزيجاً متكاملاً من القوة العسكرية اليقظة، والإدارة الرشيدة المنصفة، والمجتمع المشارك الواعي.
على المدى القريب، قد يبقى التحدي كبيراً في وجه المخاطر الأمنية الراهنة، لكن المهم البدء، فالاستثمار في أمن المرافق سيؤتي ثماره حتماً. هذا الاستثمار يعني جذباً أكبر للسفن إلى مرافئنا، ومزيداً من ساعات الكهرباء في بيوت مواطنينا، ومزيداً من المصانع التي تعود للدوران بلا خوف من انقطاع أو دمار…
اقرأ أيضاً: 400 كيلو فولت.. هل تنجح الحلول الإسعافية في إنقاذ شبكة الكهرباء السورية؟









