ألف جهة و60 دولة في معرض دمشق: ماذا تعني هذه الأرقام؟

الكاتب: أحمد علي
قبل ثمانية أيام من افتتاح الدورة الثالثة والستين لمعرض دمشق الدولي، أعلنت المؤسسة المنظمة أن نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة ستشارك بين 26 آب و4 أيلول 2026. وفي الدورة السابقة كان الرقم المعلن 800 شركة وأكثر من 20 دولة. القفزة تبدو كبيرة بما يكفي لقراءة سياسية واقتصادية متفائلة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: هل تتجه الشركات إلى بيع منتجاتها والاستثمار في سوريا، أم أن معظمها يشتري موقعاً مبكراً في صورة بلد خرج من العزلة ولم يكتمل بعد كسر مخاطر سوقه؟
صياغة الإعلان دقيقة وتحتاج إلى أن تبقى كذلك. الحديث هو عن «جهات» تشمل شركات محلية وعربية ودولية، ووزارات وهيئات عامة وغرف تجارة ومجالس أعمال وأجنحة خدمية واستثمارية وحرفية. كما أن تمثيل نحو 60 دولة لا يعني بالضرورة حضور 60 حكومة بجناح وطني، ولا يعني أن كل جهة وافدة شركة أجنبية مستقلة. الرقم واسع لأنه يجمع أنماطاً مختلفة من المشاركة. وهذه ليست ملاحظة تقلل من الحدث، بل شرط لفهم ما يقيسه فعلاً.
معرض دمشق الدولي بالأرقام: ماذا تعني ألف جهة؟
تضع الجهة المنظمة أكثر من ألف مؤسسة في الدورة الجديدة، إلى جانب ما يزيد على 40 وزارة وهيئة عامة سورية. وستتوزع المشاركات على قطاعات البناء والغذاء والطاقة والتقنية والصناعة والخدمات. هذه التركيبة منطقية في اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة، لكنها تجعل العدد الإجمالي مزيجاً من عارض يبحث عن مشتر، ووزارة تعرض مشاريع، ومجلس أعمال ينسج علاقات، وشركة محلية تمثل علامة خارجية، ومستثمر ما زال في مرحلة الاستطلاع.
المقارنة مع الدورة الثانية والستين مفيدة. الانتقال من أكثر من 20 دولة إلى قرابة 60 يعني أن دائرة الراغبين في الحضور أو التمثيل اتسعت نحو ثلاثة أضعاف بحسب هذا المؤشر. والانتقال من 800 شركة إلى قرابة ألف جهة يعني نمواً يقارب الربع، مع ضرورة الانتباه إلى اختلاف المصطلحين. في العام الماضي كان الإعلان يميل إلى عد الشركات، أما هذا العام فيجمع جهات أوسع. لذلك لا يمكن بناء سلسلة إحصائية صلبة من الرقمين من دون كشف قائمة العارضين وتصنيفهم بالطريقة نفسها.
حتى أرقام الجمهور والعقود تحتاج إلى تعريف. منصة اقتصادية سورية نقلت أن دورة 2025 استقبلت نحو 2.261 مليون زائر وشهدت عقوداً بقيمة 935 مليار ليرة سورية. إذا صح الرقم، فهو يوضح قوة المعرض كحدث جماهيري ومكان للتفاوض. لكنه لا يوضح كم عقداً نُفذ، وبأي عملة سُعّر، وما نسبة العقود الحكومية منه، ولا مقدار المكوّن المستورد أو الإنتاج المحلي. في اقتصاد سريع التغير، قد تكون القيمة الاسمية كبيرة بينما تكون القدرة الفعلية على التمويل والتسليم أقل بكثير.
الفرق بين عدد الزائرين وعدد المشترين هو أول اختبار. المعرض يستطيع أن يملأ الفنادق والحافلات والمطاعم لأيام، وأن يمنح الشركات آلاف نقاط الاتصال. لكن السوق تعود عندما تتحول هذه الاتصالات إلى طلبات شراء ممولة، وخطوط توريد منتظمة، وشراكات إنتاج، ووظائف، وضرائب، وصادرات. لهذا ينبغي أن تكون الأرقام اللاحقة للدورة أكثر أهمية من أرقام الافتتاح: عدد العقود المنفذة بعد ستة أشهر، قيمة التحويلات المصرفية، نسبة المشتريات المحلية، وحجم الطاقة الإنتاجية التي دخلت الخدمة.
هناك أيضاً سؤال مصدر المشاركة. صفحة مخصصة للشركات الألمانية تصف سوريا بأنها عادت إلى مجال اهتمام الشركات، وتقدم المعرض منصة لاستكشاف الفرص والحضور المبكر. هذه لغة سوقية واضحة، لكنها لغة استطلاع لا قرار استثماري نهائي. فالشركة تستطيع إرسال مندوبين أو حجز جناح بكلفة محدودة لتتعلم عن المنافسين والعملاء والقوانين. بناء مصنع أو تمويل محطة كهرباء قرار مختلف، يحتاج إلى سنوات من الثقة وإلى ضمانات لا يوفرها جناح عرض.
من فك العزلة إلى اختبار السوق
لا يمكن فصل الدورة الجديدة عن التحول السياسي الذي غيّر موقع سوريا الخارجي. في 2019 كانت الولايات المتحدة تحذر الشركات صراحة من المشاركة في معرض دمشق بسبب العقوبات وعلاقتها بالنظام السابق. وفي أيار 2025 اعتمد الاتحاد الأوروبي إجراءات رفع العقوبات الاقتصادية، ثم أعاد في أيار 2026 التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا، مع الإبقاء على تدابير تستهدف أفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق. كذلك نقلت الولايات المتحدة برنامج العقوبات السوري الواسع إلى الأرشيف، مع بقاء برامج وعقوبات أخرى يجب فحصها حالة بحالة.
هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من ارتفاع عدد الدول. الحضور الذي كان يحمل قبل سنوات مخاطرة قانونية وسمعة سياسية صار الآن إشارة إلى التطبيع ودعم التعافي. بالنسبة إلى دمشق، صورة الأجنحة الأجنبية مهمة لأنها تقول إن العزلة لم تعد القاعدة. وبالنسبة إلى الحكومات والشركات، الظهور المبكر يمنع المنافسين من احتكار العلاقات إذا تحسن الاقتصاد سريعاً. ولذلك فإن السياسة والاقتصاد لا يتحركان هنا في مسارين منفصلين. الصورة السياسية نفسها تخفض كلفة الدخول الاقتصادي، ولو تدريجياً.
لكن رفع العقوبات الحكومية لا يلغي فوراً ما يسمى في عالم الأعمال «مخاطر الامتثال». المصارف الدولية قد تبقى شديدة الحذر في فتح الاعتمادات أو تنفيذ التحويلات. شركات التأمين والشحن تحتاج إلى تسعير مخاطر الموانئ والطرق والعقود. والمستثمر يريد معرفة طريقة تحويل الأرباح وتسوية النزاع وحماية الملكية. يمكن لوزارة أن تقول إن الباب مفتوح، بينما يبقى موظف الامتثال في بنك أوروبي أو خليجي غير مستعد للتوقيع. المسافة بين القرار السياسي والمعاملة المصرفية اليومية قد تستغرق وقتاً.
حجم الحاجة السورية يجعل الفرصة كبيرة مهما كانت الصعوبات. البنك الدولي قدّر في تشرين الأول 2025 كلفة إعادة الإعمار بعد الحرب بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري واسع، وقال إن الرقم يعادل قرابة عشرة أمثال الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024. وفي تقرير سابق توقع نمواً متواضعاً بنحو واحد في المئة خلال 2025، مع استمرار قيود السيولة والأمن والبنية التحتية. اجتماع الطلب الهائل مع اقتصاد صغير ومتضرر يخلق مفارقة: توجد مشاريع كثيرة، لكن القدرة على دفع ثمنها وتمويلها وضمانها محدودة.
لهذا قد تكون قطاعات معينة أقرب إلى العودة من غيرها. السلع الغذائية ومواد البناء وقطع الغيار والخدمات اللوجستية تستطيع البدء بصفقات أصغر ودورات نقدية أقصر. أما الكهرباء والمياه والسكك والاتصالات والمشاريع العقارية الكبرى فتحتاج إلى تمويل سيادي أو شراكات طويلة الأجل وعقود شراء وضمانات. عرض نموذج محطة أو مدينة في المعرض لا يعني أن الإغلاق المالي تحقق. المستثمر في البنية التحتية لا يسأل عن عدد الزوار فقط، بل عن تعرفة الخدمة، ومخاطر العملة، ومن يتحمل التأخير، وكيف يحل النزاع.
كما أن السوق ليست دمشق وحدها. أي عودة اقتصادية تحتاج إلى قدرة البضائع على الوصول إلى حلب وحمص والساحل والجنوب والشمال الشرقي، وإلى نظام جمركي وضريبي لا يتغير عند كل نقطة. تحتاج المصانع إلى كهرباء ووقود، والمزارعون إلى نقل وتخزين، والتجار إلى أسعار صرف قابلة للتوقع. إذا بقيت تكاليف الحركة مرتفعة، يمكن للمعرض أن ينجح في جمع البطاقات التعريفية من دون أن يخلق سوقاً وطنية مترابطة.
متى تصبح المشاركة عودة اقتصادية؟
أول معيار هو الشفافية في تركيب الرقم. من المفيد أن تنشر إدارة المعرض قائمة توضح عدد الشركات الأجنبية المباشرة، والشركات السورية، والهيئات الرسمية، والغرف والمجالس، والدول ذات الأجنحة الوطنية. عندها يعرف الجمهور إن كانت قفزة الستين دولة تعكس اتساعاً دبلوماسياً أو تجارياً أو كليهما. ويمكن مقارنة الدورات التالية على أساس ثابت، بدلاً من أرقام كبيرة يصعب ردها إلى وحدة واحدة.
المعيار الثاني هو متابعة العقود لا إعلانها. يجب التفريق بين مذكرة تفاهم، واتفاق إطار، وعقد نافذ، ومشروع وصل إلى الإغلاق المالي، ومصنع بدأ الإنتاج. المذكرات ضرورية لأنها تفتح مساراً، لكنها لا توفر وظيفة أو ميغاواطاً أو طناً من الصادرات في يوم توقيعها. سجل دوري بعد ثلاثة وستة واثني عشر شهراً يمكن أن يبين كم مشروعاً تقدم، ولماذا توقف غيره، وما الذي تحتاج القوانين إلى إصلاحه.
المعيار الثالث هو الأثر المحلي. قد تعود العلامات الأجنبية إلى السوق عبر الاستيراد فقط، فتزيد الخيارات للمستهلك لكنها ترفع الطلب على العملة الصعبة ولا تبني قاعدة إنتاج. وقد تدخل عبر شريك يصنع جزءاً من المنتج محلياً، ويدرّب عمالاً، ويشتري مواد من موردين سوريين. كلا النموذجين نشاط اقتصادي، لكن الثاني أعمق أثراً. لذلك ينبغي قياس المحتوى المحلي، وعدد الوظائف المستدامة، ونسبة الصادرات، ونقل المعرفة، لا الاكتفاء بقيمة المبيعات.
المعيار الرابع هو المنافسة العادلة. وجود وزارات وهيئات عامة داخل المعرض يمنحها فرصة لعرض المشاريع، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه نشر شروط المناقصات وتجنب منح العقود عبر العلاقات التي يبدأها الجناح وحده. المستثمر الجاد يحتاج إلى قواعد متساوية، والمجتمع السوري يحتاج إلى ضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى سوق مغلقة على أصحاب الوصول السياسي. الإعلان عن المستفيد الحقيقي من الشركات، وآليات فض النزاع، والعطاءات المفتوحة، يقلل المخاطر ويخفض كلفة التمويل.
ويأتي المستهلك في قلب الصورة، لا على هامشها. عودة شركات دولية لا تكون نجاحاً اجتماعياً إذا بقيت المنتجات بعيدة عن قدرة أغلبية الأسر. السوق السورية تعاني من تآكل الدخل وتفاوت كبير بين الأسعار والرواتب. يمكن أن يزدهر قطاع موجه إلى الزوار والشرائح الأعلى دخلاً، بينما يبقى الطلب الواسع ضعيفاً. لذا يرتبط نجاح المعرض بسياسات الأجور والإنتاج والزراعة والنقد بقدر ارتباطه بالتسويق.
أما القيمة السياسية فلا ينبغي إنكارها أو تقديمها كشيء زائف. الدول تعيد فتح قنواتها عبر المعارض لأن التجارة وسيلة منخفضة الكلفة لاختبار العلاقة. تجمع الدورة وفوداً وشركات ومسؤولين في مساحة واحدة، وتمنح الحكومة السورية فرصة لشرح قوانينها ومشاريعها. صورة بلد قادر على تنظيم حدث بهذا الحجم قد تساعد في استعادة الثقة. المشكلة تبدأ فقط عندما تُعامل الصورة كدليل كاف على تدفق الاستثمار.
الدورة الثالثة والستون تستطيع أن تكون نقطة تحول إذا استُخدمت كمنصة بيانات ومساءلة، لا كاحتفال بالعدد وحده. من الممكن نشر خريطة للفرص الجاهزة فعلاً، تتضمن الأرض والتراخيص والطاقة والتمويل والجدول الزمني، بدلاً من عناوين عامة عن إعادة الإعمار. ويمكن تخصيص مسار للشركات الصغيرة السورية كي لا تبتلعها الأجنحة الكبرى، ومسار للبنوك وشركات التأمين يشرح ما تغير قانونياً وما بقي عالقاً.
الخلاصة أن العالم يعود إلى صورة سوريا السياسية بصورة أسرع وأوضح من عودته إلى سوقها. رقم ألف جهة و60 دولة دليل قوي على أن باب الاتصال اتسع وأن كلفة الظهور في دمشق انخفضت. وهو أيضاً بداية اقتصادية حقيقية لأن الشركات لا تنفق وقتاً ومالاً بلا أي توقع. لكنه ليس بعد دليلاً على عودة رأس المال والإنتاج على نطاق يناسب فجوة إعادة الإعمار. الحكم العادل سيأتي بعد إطفاء أضواء المعرض، عندما نعرف كم عقداً نُفذ، وكم دولاراً عبر قناة مصرفية قانونية، وكم وظيفة ومصنعاً وطلب تصدير بقي داخل سوريا. عندها فقط ينتقل الحدث من استعادة الصورة إلى استعادة السوق.
اقرأ أيضاً: كيف سيؤثر معرض ناس تكس على صناعة النسيج السوري؟









