سياسة

ألا يزال التعليم والدراسة في بلادنا «بيجيب همو»؟

الكاتب: أحمد علي

حين يقول أهل كثيرون إن الدراسة صارت ما «بتجيب همها»، فهم لا يهاجمون التعليم من حيث المبدأ. هم يصفون حساباً يومياً صار قاسياً: كلفة المدرسة أو الجامعة، أجور النقل والكتب، سنوات طويلة من التعب، ثم سوق عمل لا يستقبل الخريج كما كان متخيلاً. في سوريا اليوم، يصبح السؤال أكثر جدية بسبب رقمين متوازيين: أكثر من 2.4 مليون طفل خارج المدرسة بحسب يونيسف، ونحو ثلث الشباب في سن العمل بلا وظيفة وفق بيانات البنك الدولي المنشورة عبر FRED لعام 2025.

التعليم كان لسنوات طويلة طريقاً واضحاً نسبياً للصعود الاجتماعي. لم يكن الطريق سهلاً دائماً، لكنه كان مفهوماً: شهادة، وظيفة، دخل أكثر استقراراً، ومكانة اجتماعية أفضل. الحرب وما رافقها من انهيار في الدخل وتراجع في المؤسسات غيّرت هذا الحساب. صار السؤال داخل كثير من البيوت عملياً جداً: هل ندفع ثمن الدراسة الآن أم ندفع الولد أو البنت إلى عمل مبكر يساعد الأسرة على البقاء؟

التعليم والدراسة وسوق العمل

تظهر أزمة التعليم في سوريا من جهتين في وقت واحد. الجهة الأولى داخل المدرسة نفسها. يونيسف تتحدث عن أكثر من 2.4 مليون طفل خارج المدرسة، وأكثر من مليون طفل معرضين لخطر التسرب، مع مدرسة من كل ثلاث مدارس غير صالحة للاستخدام لأنها متضررة أو مدمرة أو تحولت إلى مأوى. وفي صفحة التعليم الخاصة بسوريا تشير المنظمة إلى أكثر من 7 آلاف مدرسة تضررت أو دمرت، وإلى نحو مليوني طفل خارج التعليم. اختلاف الرقم بين صفحة وأخرى مرتبط بتحديثات زمنية ومنهجية، لكنه لا يغير الصورة العامة: ملايين الأطفال فقدوا انتظامهم التعليمي أو يدرسون في ظروف ضعيفة.

الجهة الثانية تظهر بعد التخرج. بيانات FRED، المستندة إلى مؤشرات البنك الدولي، تقدر بطالة الشباب في سوريا عام 2025 بنحو 33.1%. أما معدل البطالة العام فيقدره موقع Trading Economics، استناداً إلى بيانات منظمة العمل الدولية، بنحو 13.6% في 2025. توجد تقديرات أعلى في مصادر أخرى، منها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء التي نقلت أن البطالة بلغت 24% في 2024، وتقرير للأمم المتحدة يورد رقماً عند 21.3% في العام نفسه. هذا التفاوت مفهوم في بلد لا تزال قدرته الإحصائية محدودة، وفي سوق يعمل جزء واسع منه خارج الأطر الرسمية. المهم أن كل التقديرات تشير إلى سوق عمل ضيق، وخاصة أمام الشباب.

عند هذه النقطة يصبح غضب الناس مفهوماً. الأسرة لا تقيس التعليم بالخطاب العام وحده. تقيسه بما يحدث بعد سنوات الدراسة. إذا بقي الخريج بلا عمل أو دخل ضعيف، تتراجع ثقة الناس بالشهادة. وإذا رأى الطالب أن العمل المبكر يعطيه دخلاً فورياً، حتى لو كان هشاً، فقد يختار ترك الدراسة. وقرار مثل هذا القرار يخفف ضغطاً قصير الأجل على الأسرة، لكنه يترك أثراً بعيداً على الفرد والاقتصاد.

لماذا تراجعت الثقة بالشهادة؟

المشكلة لا تبدأ من الطالب وحده، الاقتصاد السوري فقد خلال سنوات الحرب جزءاً كبيراً من قاعدته الإنتاجية. البنك الدولي قال في تموز 2025 إن الناتج المحلي الإجمالي انكمش تراكمياً بأكثر من 50% منذ 2010، وإن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي بلغ 830 دولاراً في 2024. عندما يضعف الاقتصاد بهذا الحجم، يصبح التعليم أقل قدرة على وعد صاحبه بعمل مناسب. الشهادة تحتاج إلى اقتصاد يستوعبها، وإلى مؤسسات تربطها بمهارات مطلوبة، وإلى سوق يستطيع دفع أجر يكفي.

هناك أيضاً فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يطلبه العمل. وفي هذا السياق، أشار تقرير للبنك الدولي عن الانتقال من التعليم إلى العمل في سوريا، إلى أهمية تقريب خريجي الجامعات من أصحاب العمل عبر التدريب العملي وأشكال منتظمة من الخبرة، وإلى ضرورة إشراك القطاع الخاص في التدريب المهني. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تكشف خللاً أساسياً. فالجامعة أو المعهد لا يستطيعان وحدهما حل مشكلة البطالة إذا بقيت المناهج منفصلة عن حاجات الاقتصاد، وإذا لم يجد الطالب تجربة عمل حقيقية قبل التخرج.

هذا لا يعني أن التعليم فقد أهميته، الأصح أن أهميته تغيرت، فلم يعد كافياً أن يحصل الشاب على شهادة عامة ثم ينتظر وظيفة. التعليم المطلوب اليوم يجب أن يمنح معرفة أساسية قوية، وقدرة على التعلم المستمر، ومهارة قابلة للاستخدام في الزراعة والصناعة والخدمات والتقنيات البسيطة والإدارة. سوريا تحتاج إلى أطباء ومهندسين ومدرسين، وتحتاج أيضاً إلى فنيين ومهنيين قادرين على إعادة تشغيل الورش والبنى المحلية. واقتصاد التعافي لا يقوم على حملة الشهادات الجامعية وحدهم.

تراجع الثقة بالشهادة يضرب الفقراء أولاً. الأسرة الميسورة تستطيع أن تنتظر، وأن تدفع دروساً خاصة، وأن تبحث عن جامعة أو تدريب أو هجرة. الأسرة الفقيرة لا تملك هذا الهامش. لذلك يصبح التسرب التعليمي شكلاً من أشكال إعادة إنتاج الفقر. الطفل الذي يخرج من المدرسة مبكراً يدخل غالباً عملاً منخفض الأجر، بلا حماية كافية، وبفرص أضعف للترقي لاحقاً. وعندما يتكرر ذلك على نطاق واسع، يخسر المجتمع جيلاً من المهارات التي يحتاجها في إعادة البناء.

ما الذي يلزم عملياً؟

الحل يبدأ من الاعتراف بأن التعليم لا يستعيد قيمته بقرار تربوي فقط. المدرسة تحتاج إلى تمويل وأبنية آمنة وكتب ومعلمين قادرين على البقاء في مهنتهم. تجربة العودة إلى مدارس مدمرة أو بلا مقاعد، كما وثقتها وكالة أسوشيتد برس في ريف إدلب عام 2025، تشرح جانباً من المشكلة. لا يمكن مطالبة الأسرة بالتمسك بالتعليم إذا كانت كلفته اليومية أعلى من قدرتها، وإذا كان الطفل يجلس في صف بارد أو بلا مستلزمات أساسية.

الخطوة الأولى هي منع التسرب. هذا يعني دعماً مباشراً للأسر الأشد فقراً، وربط المساعدات بعودة الأطفال إلى التعلم، وتأمين النقل والمواد الأساسية حيث تكون الكلفة سبباً في الانقطاع. الدعم هنا ليس إنفاقاً خيرياً. هو استثمار يمنع خسارة أكبر في سوق العمل بعد سنوات. الطفل الذي يبقى في المدرسة اليوم يملك فرصة أفضل للتدريب والعمل لاحقاً، بشرط ألا تبقى المدرسة معزولة عن الواقع الاقتصادي.

الخطوة الثانية هي إصلاح العلاقة بين التعليم والعمل. المطلوب مسارات مهنية حقيقية بعد التعليم الأساسي، وبرامج تدريب مرتبطة بالمناطق والقطاعات التي يمكن أن تولد فرصاً أسرع. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يرى أن خلق الوظائف في سوريا يجب أن يبدأ من قطاعات كثيفة العمل مثل الزراعة والتصنيع الغذائي والبناء والصناعات الخفيفة والخدمات المحلية. هذا يعطي التعليم اتجاهاً عملياً. ليس كل طالب يحتاج إلى المسار الجامعي نفسه، وليس كل تدريب مهني يجب أن يُعامل كخيار أدنى.

الخطوة الثالثة تتعلق بالجامعة. التعليم العالي يحتاج إلى مراجعة هادئة في الاختصاصات وأعداد المقبولين، وفي التدريب العملي قبل التخرج، وفي العلاقة مع أصحاب العمل. إذا كانت الجامعة تخرّج آلاف الشباب في اختصاصات لا تستوعبها السوق، فالمشكلة ستعود بعد كل دفعة. وإذا تركت السوق وحدها تحدد الحاجة، فسيتسع التعليم الخاص والعشوائي على حساب العدالة. المطلوب تخطيط يربط القبول الجامعي بحاجات البلد، من دون إغلاق حق الناس في التعلم.

يبقى جانب مهم في السؤال الشعبي نفسه. عندما يقول الناس إن التعليم ما «بيجيب همو»، فهم يتحدثون عن تجربة ملموسة: طالب يتخرج ثم ينتظر، أو يعمل خارج اختصاصه، أو يفكر بالسفر، أو يعود إلى عمل لا يحتاج إلى شهادته. الرد على هذا القلق لا يكون بتذكير الناس بقيمة العلم فقط. الرد يكون بسياسات تجعل التعليم أقل كلفة على الأسرة، وأكثر اتصالاً بالعمل، وأوضح مساراً بعد التخرج.

ختاماً، التعليم في سوريا ما يزال ضرورياً، والضرورة هنا عملية قبل أن تكون أخلاقية. بلد يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته وخدماته واقتصاده لا يستطيع أن يفعل ذلك بقوة عمل منقطعة عن المدرسة أو بتعليم لا ينتج مهارة. لكن إبقاء الأطفال في الصفوف والشباب في الجامعات لن يكفي إذا بقيت البطالة مرتفعة والمهارات منفصلة عن فرص العمل. السؤال الحقيقي لم يعد إن كان التعليم مهماً، السؤال هو كيف يصبح التعليم مجدياً للناس، لا عبئاً إضافياً على عائلاتهم.

اقرأ أيضاً: وزارة التربية والتعليم تصدر قراراً باعتماد شهادات الإدارة الذاتية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى