أكوام القمامة تكشف أزمة أكبر.. كيف تحاول سوريا تغيير ملف النفايات؟

بقلم هلا يوسف
عندما نقول باب توما، نقصد مباشرة منطقة سياحية مزدحمة بالزوار والسياح القاصدين مدينة العراقة والتاريخ دمشق، لذلك يتوقع كثيرون أن يكون الاهتمام كبيراً بها مقارنة بباقي المناطق، غير أن الواقع كشف عن وجود حقل من النفايات جعله منظراً جاذباً للتصوير، لكن ليس لحمايته، بل لإيقاظ البلدية والمحافظة بأن القمامة منتشرة في منطقة من المفروض أن يكون الاهتمام بها أكبر. الفيديوهات المنتشرة حولت الأنظار إلى طريقة إدارة ملف النفايات في سوريا، مما كشف عن معالجة جديدة تسلكها الجهات المعنية للتخلص من المكبات في عدد من المحافظات، ومبادرة تسلط الضوء على دور المجتمع المدني في معالجة المشكلة.
من إغلاق المكبات إلى تحسين الخدمات.. خطة تبدأ من الأساس
بدأت التحركات في موضوع النفايات من وزارة الإدارة المحلية والبيئة عبر مسودة وضعت فيها استراتيجية وطنية لإدارة النفايات الصلبة تقوم على إغلاق نحو 1400 مكب عشوائي، في الوقت الذي بدأت فيه مراجعة مسودة عمليات جمع النفايات وفرزها ومعالجتها حتى يتم الوصول إلى عمليات إعادة التدوير.
لا تقوم هذه الخطة على معالجة النفايات بشكل سطحي، بل على بناء منظومة تستطيع التعامل معها بطريقة أفضل. ولهذا أكدت الوزارة خلال ورشة مناقشة المسودة الأولية للاستراتيجية في 28 كانون الثاني 2026، أن التوجه الجديد يقوم على الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى إدارة متكاملة ومستدامة.
وهذا يتطلب قبل كل شيء توفير الأدوات اللازمة، لذلك تم إدراج احتياجات المحافظات من آليات النظافة ضمن الخطط الاستثمارية لعامي 2025 و2026، مع التركيز على تأمين الضواغط والكانسات وآليات غسيل الحاويات، حتى تتمكن الوحدات الإدارية من تنفيذ عمليات الجمع والترحيل بطريقة منتظمة أكثر.
ولأن تنظيم العمل لا يعتمد على الآليات وحدها، بدأت الوزارة في 2 آب مراجعة قانون النظافة العامة وإدارة النفايات رقم 49 لعام 2004، وذلك لتحديد المسؤوليات بشكل أوضح، ورفع كفاءة جمع النفايات ونقلها ومعالجتها، والحد من المخالفات.
كل ذلك يُعد خططاً مكتوبة على الورق تنتظر فرصة انتقالها إلى الشوارع، لأن من يتجول في الشوارع تظهر مشكلة النفايات بشكل واضح، وإذا أخذنا دمشق كمثال، فسنلاحظ أن هناك العديد من الأحياء التي تعاني من تراكم النفايات. ففي حي الدحاديل، تحدث سكان عن أكوام من القمامة والروائح الكريهة، وأشاروا إلى أن جزءاً من المشكلة يعود إلى رمي مخلفات أسواق الخضار ومحلات بيع الفروج بجانب الحاويات، مطالبين بزيادة عددها وتشديد الرقابة.
غير أن عمال النظافة لديهم رأي آخر في هذا الموضوع، ويؤكدون أن المشكلة لا تتعلق بالخدمات وحدها. فهناك من يرمي النفايات خارج الحاويات أو من النوافذ، وهناك من يحرق الأكوام، بينما يؤدي نبش الحاويات بحثاً عن مواد يمكن بيعها إلى بعثرة محتوياتها وزيادة صعوبة جمعها.
وتحاول محافظة دمشق التعامل مع شكاوى السكان من خلال بوابة “محلولة” الإلكترونية، التي تتيح تحويل الملاحظات إلى إجراءات معالجة، بالإضافة إلى تخصيص رقم لاستقبال الشكاوى المتعلقة بالخدمات، ومنها تراكم النفايات.
وتزداد صعوبة المهمة عندما يتعلق الأمر بعملية الترحيل نفسها. فتغيير وجهة نقل النفايات من محطة الإدعشرية في منطقة باب شرقي إلى محطة الكسوة في ريف دمشق أدى إلى زيادة الضغط على الآليات، وانخفاض عدد مرات ترحيل الحاويات، خصوصاً مع وجود آليات قديمة كثيرة الأعطال.
ولمعالجة الوضع بشكل مؤقت، تم إرسال آليات هندسية إضافية، مع العمل على تأمين آليات حديثة والبحث عن موقع بديل دائم. وتبلغ مساحة محطة الكسوة نحو 2000 متر مربع، وهي مملوكة لمحافظة ريف دمشق، بينما كانت محطة الإدعشرية تؤدي دوراً وسيطاً في عمليات نقل النفايات قبل تغيير وجهة الترحيل.
اقرأ أيضاً: السندات الحكومية: طريقة للاستثمار أم إعادة تدوير الديون؟
الحاوية ليست النهاية.. الفرز يبدأ من المنزل
إذا كانت المشكلة تبدأ من طريقة جمع النفايات وترحيلها، فإن الحل الفعال قد يبدأ قبل ذلك بكثير، وتحديداً من المكان الذي نضع فيه النفايات للمرة الأولى.
لذلك بدأت عدة محافظات بتطبيق تجارب للفرز من المصدر، أي فصل أنواع النفايات قبل أن تختلط ببعضها. ففي حلب، أطلقت مديرية النظافة في شباط 2026 حملة لمعالجة التراكمات، خاصة في الأحياء الشرقية، مع تعزيز عمليات الجمع والترحيل وتأمين معدات جديدة. وفي 26 شباط، تسلمت بلدية حلب 700 حاوية و5 ضواغط نفايات و5 حافلات نقل، بهدف دعم خدمات النظافة وتحسين قدرة المدينة على التعامل مع النفايات.
بينما تعاني مدينة حمص من مشكلة أكبر من تجمع أكوام النفايات في الشوارع، إذ يستقبل مطمر تل النصر بين 1200 و1500 طن من النفايات يومياً. ولذلك يجري العمل على تطوير المطمر وتأهيل خلايا الطمر وشبكة الرشاحة وترميم السور وإنشاء طرق وشبكة إنارة وتشجير الموقع.
أما في مطمر دير بعلبة، فيجري العمل على تطبيق طريقة “فوكوكا” اليابانية، التي تعتمد على تحسين التهوية والتصريف داخل خلايا الطمر، بما يساعد على تعزيز التحلل البيولوجي وتقليل الانبعاثات وإطالة عمر المطمر.
لكن الأهم هو تقليل ما يصل إلى المطمر من الأساس. ففي 22 تموز 2026، بدأت حمص تجربة لفرز النفايات من المصدر في عدد من المجمعات السكنية بحي الوعر الجديد، بحيث تفصل المواد القابلة لإعادة التدوير عن النفايات الرطبة.
في حين كانت محافظة إدلب على موعد مع تجربة شيء مشابه باستخدام نظام “الكيسين”، حيث تفصل المواد العضوية الرطبة عن البلاستيك والورق والمعادن. وبدأت دمشق أيضاً تجربة للفرز من المصدر بالنظام نفسه، حتى يتم تقييم النتائج ومعرفة إمكانية توسيعها.
وعلى الرغم من بساطة الطرق السابقة، إلا أنها تحدث تأثيراً كبيراً، خصوصاً في كمية النفايات التي تصل إلى المطامر بعد عمليات الفرز، وبالتالي انخفاض استهلاك الوقود، وأصبح من الممكن إطالة العمر التشغيلي لهذه المطامر والاستفادة من المواد التي كانت تذهب إليها سابقاً.
وبالعودة إلى المحافظات، نجد أن محافظة دير الزور تسير على النهج نفسه، فقد أطلقت المحافظة ومجلس المدينة في 16 آب 2026 حملة لترحيل النفايات المتراكمة وتنظيف الشوارع والحدائق وإزالة الأنقاض، في الوقت الذي يعود فيه السكان إلى المناطق المتضررة، واستلام المدينة نحو 200 حاوية وعدد من الآليات الضاغطة في تشرين الأول 2025.
أما في ريف درعا، فيتم تنفيذ مشروع لإدارة النفايات الصلبة في بلدة الشجرة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتمويل ألماني عبر بنك KFW، ويستهدف تعزيل نحو 400 هكتار في الشجرة و30 هكتاراً في قرية القصير، وترحيل نحو 600 طن من النفايات الصلبة.
وفي اللاذقية، تم وضع خطة لتأمين 500 حاوية، تم توزيع 100 منها في المرحلة الأولى، في الوقت الذي يجري فيه استجرار آليات حديثة وزيادة عدد العمال وتركيب حاويات ذكية، بالإضافة إلى تصنيع بعض الحاويات محلياً.
“تدوير-تك”.. عندما تصبح النفايات فرصة للشباب والاقتصاد
كل التحركات السابقة كانت على الصعيد الحكومي، غير أن للمجتمع دوراً في المساعدة على تنفيذ الخطط، حيث إن معالجة المشكلة تبدأ من سلوكيات الناس وتفكيرهم، ثم تستكمل بالإجراءات الرسمية.
لذلك ظهرت مبادرة “تدوير-تك” من ضمن مبادرات المجتمع المدني في شباط هذا العام، بهدف التعامل مع ملف النفايات بطريقة مختلفة، تقوم على تقليل التلوث والاستفادة من المخلفات بدلاً من النظر إليها على أنها شيء يجب التخلص منه فقط.
وخرجت الفكرة، بحسب تصريح مؤسسها عزيز الدريد، من الحاجة إلى تسليط الضوء على أزمة النفايات، مع الاعتماد على رؤية طويلة الأمد وخطوات تدريجية للوصول إلى نتائج قابلة للاستمرار.
ولا تكتفي “تدوير-تك” بالتوعية، بل تضع أمامها أهدافاً عملية، أبرزها تقليل النفايات وفرزها وتحويلها إلى مواد أولية جديدة أو طاقة، بالإضافة إلى تغيير سلوك المواطنين، والعمل مع الجهات الرسمية لوضع خطة شاملة لإدارة النفايات، والمساهمة في تطوير الإطار القانوني والتنظيمي، وخلق فرص عمل خضراء للشباب السوري في مجال إعادة التدوير.
وتعتمد المبادرة على فرق تطوعية تعمل وفق اختصاصات مختلفة، كما تمكنت من بناء شراكات مع وزارة التربية وعدد من البلديات في ريف دمشق، عدا عن التعاون مع شركات ناشئة تعمل في مجال إعادة التدوير.
لكن هذه المبادرة، مثلها مثل الكثير من المبادرات الأخرى، تواجه صعوبات وتحديات في عملها، ومن أبرزها البيروقراطية ومحدودية التمويل والتعقيدات المرتبطة بالحصول عليه وإدخاله إلى البلاد. وهناك أيضاً تحدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو ضعف الوعي المجتمعي بحجم المشكلة.
لذلك تعتمد المبادرة اليوم على الدعم الذاتي والمبادرات الفردية والشراكات المباشرة مع المؤسسات للحفاظ على استمرار مشاريعها.
ولا تريد المبادرة أن تتوقف عند التجارب الصغيرة، إذ تخطط لإطلاق مشروع ميداني خلال عام 2027 في إحدى قرى الغوطة الشرقية، بهدف تقديم نموذج عملي لإدارة النفايات يمكن تطبيقه فيما بعد في مناطق سورية أخرى.
باختصار، حل مشكلة النفايات، سواء بمبادرات مجتمعية أو حكومية، يعتمد على تضافر الجهود بين المواطنين والجهات المعنية، بحيث تُفرز النفايات في المنزل، وتوضع في حاوياتها المناسبة، ومن ثم تقوم البلديات بدورها في معالجتها. ولا بد من التذكير بفكرة مهمة، وهي وجود دول ترفد اقتصادها بالأموال من خلال إعادة تدوير النفايات، وهذا ما يجب أن يجعلنا نحاول استغلال مشكلة النفايات لصالح بلدنا الذي يحاول بناء ذاته.
اقرأ أيضاً: من أزمة إلى مورد اقتصادي هام: كيف يمكن حل مشكلة النفايات؟









