أكشاك الطعام.. فكرة ناجحة عالمياً وسط غياب الشارع السوري

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح العالم يتابع باهتمام نمط الأكشاك حول الكرة الأرضية. فمن منا لم يشاهد أكشاك الطعام في اليابان بأطباق الرامن والمقليات الشهية؟ أو عربات الهوت دوغ وأطعمة الشوارع الأمريكية التي أصبحت مصدر دخل للعديد من العائلات؟
في المقابل، تبدو تجربة أكشاك الطعام في سوريا نادرة، حيث يكثر وجود أكشاك المواد الغذائية المعلبة بينما تكاد أكشاك أكل الشوارع تكون غائبة، رغم نجاح هذه الفكرة في كثير من دول العالم. في هذا المقال، سنستعرض فكرة أكشاك الطعام حول العالم، أسباب شعبيتها، والتحديات التي تواجهها في سوريا، مع تسليط الضوء على كيف يمكن للكشك أن يتحول إلى مصدر فائدة للعلامات التجارية، ولصاحب الكشك، وللزبائن في آن واحد.
أكشاك الطعام حول العالم
القرية العالمية: نموذج لتوحيد القارات عبر شارع واحد
لا بد وأنك سمعت بشارع الأكل في القرية العالمية بدبي، حيث تتوفر أكشاك طعام من مختلف الجنسيات والدول حول العالم. هذه الأكشاك لم تقدم فقط تجربة طعام متنوعة، بل وفرت أيضاً مصدر دخل للعديد من العاملين في الإمارات، إذ يحمل كل شخص أشهر أطباق بلده إلى كشكه الخاص ويقدمه بأفضل الطرق.
وتشتهر القرية العالمية بعدة شوارع مخصصة لأكشاك الطعام، مثل شارع السعادة، أكشاك سوق السكك الحديدية، السوق العائم المتخصص بالمأكولات البحرية، وشارع فييستا الذي يحتوي على أكشاك مكونة من طابقين، ما يجعل التجربة ممتعة وغنية للزائرين.
ياتاي اليابان: أكشاك الطعام المتنقلة
في اليابان، يطلق على أكشاك الطعام اسم “ياتاي”، والتي كانت في الماضي عبارة عن محل صغير مركب على عربة بعجلتين، تُسحب بواسطة الإنسان أو الدراجة الهوائية أو النارية. في الوقت الحالي، تطورت هذه الأكشاك لتصبح عربات متحركة مجهزة بمطابخ صغيرة لإعداد وجبات سريعة ومتنوعة.
كانت أكشاك ياتاي تفتح تقليدياً في المساء فقط، إلا أن الأنماط الحديثة توسعت لتشمل بيع وجبات الأبنتو في الأحياء المكتظة بالمكاتب، وكذلك تقديم الطعام في الأماكن الشعبية خلال المناسبات والأعياد مثل مهرجانات الألعاب النارية الصيفية أو “الهانامي” لمشاهدة الساكورا. وتنتشر هذه الأكشاك بوضوح في أحياء طوكيو الشهيرة التي يقصدها الشباب مثل شيبويا وشينجوكو، مع إضافة أكلات تركية مثل الكباب والشاورمة في عدة مناطق.
كما ظهرت مؤخراً “ياتاي مورا” أو قرى الأكشاك، خصوصاً في المناطق التي تأثرت بكارثة تسونامي في مارس 2011. أغلب الأكشاك في هذه القرى تقدم أكلات محددة مثل اللحوم والمأكولات البحرية المحلية، وتباع بأسعار منخفضة نسبياً، ما يجعلها خياراً شعبياً للجميع.
أمريكا: عربات الأكل والطعام السريع المحلي
في الولايات المتحدة، تُعرف عربات الأكل بأنها جزء من الحياة اليومية، حيث تُرى حول الحدائق العامة والمدن الكبرى عشرات المطاعم المتنقلة التي يصطف أمامها الزبائن بصبر لتذوق مختلف أنواع الطعام، من الأطباق البيروفية إلى الشرق أوسطية والمكسيكية، وصولاً إلى العربات المتخصصة في البسكويت.
بدأ انتشار هذا النوع من المطاعم بشكل واسع منذ عام 2010، حيث لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تعريف المستهلكين بمواقع العربات يومياً. حالياً، يقدر عدد هذه المطاعم المتنقلة بأكثر من أربعة آلاف حول الولايات المتحدة، مع مبيعات سنوية تتجاوز مليار دولار.
تقدم هذه العربات طعاماً سريعاً ورخيصاً، لكنه طازج ومحضر يدوياً، ما يميزه عن سلاسل المطاعم الضخمة. كيرت فرانسيس، مؤسس عربة البسكويت “كابتين كوكي”، يرى أن هذه الظاهرة تعكس تغييراً في التوجهات الغذائية الأميركية، حيث يفضل المستهلك معرفة من أعد طعامه والاطمئنان إلى جودته وطزاجته.
ويُمثل ما يُعرف بـ “الفاست كاجوال” أفضل مثال على هذا التوجه الجديد، مثل تجربة مايك لينورد في واشنطن، الذي افتتح عام 2010 عربة تقدم مزيجاً من الطعام المكسيكي والكوري باسم “تاكوريان”، لتجمع بين السرعة والجودة والنكهات المتنوعة.
شارع الأكل في سوريا: تجربة أفسدتها الرسوم
قد تتساءل: أين المواطن السوري في ظل النجاح الكبير الذي يحققه الناس حول العالم من وراء أكشاك الأكل؟ الحقيقة أن تجربة أكشاك وشوارع الأكل في سوريا تكاد تكون معدومة، لكن كانت هناك محاولة وحيدة لاستحداث هذه الفكرة، إلا أن شيئًا ما أفسد التجربة.
فقد فرضت الجهات المنظمة لفعالية “شارع الأكل” العام الماضي في أرض المعارض القديمة بدمشق رسوم دخول بلغت 20 ألف ليرة سورية للشخص الواحد، ما أثار موجة من السخرية والاستياء على وسائل التواصل الاجتماعي.
وشملت الفعالية عشرات أكشاك المطاعم بمختلف أنواعها، بالإضافة إلى العصائر، بعض الحلويات، وألعاب الأطفال المختلفة. لكن إذا قمنا بحساب تكلفة زيارة المكان لعائلة مكونة من خمسة أشخاص، فإنهم سيدفعون 100 ألف ليرة كرسوم دخول فقط، دون أن يتناولوا أي طعام أو يجربوا أي لعبة، ما جعل التجربة باهظة الثمن وغير مشجعة للزوار.
لاقى الحدث استهجاناً واسعاً، إذ اعتبر البعض أن رسم الدخول مبالغ فيه مقارنة بالدخل الشهري للمواطن، بينما سخّر آخرون من الفعالية بالقول: “كل دول العالم تُنظم معارض وتخفض أسعار الأكل لجذب الزوار، أما في سوريا، يضطر المواطن لدفع 20 ألف ليرة كرسم دخول”. كما قال البعض بسخرية: “السير على الأقدام أصبح أمراً مكلفاً”، معبرين عن استيائهم من أن هذه الفعالية تزيد من أعباء الحياة اليومية على الأهالي.
دور وسائل التواصل الاجتماعي في شهرة أكشاك وشوارع الأكل
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في التسويق لأكشاك وشوارع الأكل حول العالم، من خلال المؤثرين الذين يزورون هذه الأكشاك، يتذوقون الطعام، ويشاركون ردود أفعالهم حول مذاقه مع متابعيهم. مثال على ذلك، جو حطاب، المؤثر الأردني الذي ينقل ثقافات الشعوب من خلال الطعام والحياة اليومية، مما يعكس تجربة ثقافية ممتعة لجمهوره.
إلى جانب ذلك، يستخدم العديد من أصحاب الأكشاك قنواتهم على اليوتيوب للتسويق بأنفسهم، من خلال تصوير طريقة تحضير الطعام خطوة بخطوة، وعرض الأطباق الجديدة والنكهات المميزة لديهم، ما يجعل التجربة جذابة للمتابعين ويزيد من شهرة الأكشاك بشكل كبير.
أكشاك الأكل كنقطة اختبار لنجاح المطاعم المستقبلية
قد يبدو غريباً، لكن شاحنات الطعام أصبحت نقطة دخول فعّالة لرواد الأعمال الذين يرغبون في اختبار مفاهيم مطاعم جديدة دون تحمل تكاليف المساحات التقليدية. تكمن جاذبيتها في سهولة التنقل، انخفاض تكاليف الإعداد، والقدرة على العمل في مواقع متنوعة، من أحياء المدينة والمناطق المكتبية إلى المهرجانات والفعاليات في الضواحي.
برزت صناعة شاحنات الطعام كنموذج أعمال قابل للتطوير ومصدر للإيرادات، حيث يتميز بالمرونة في التكيف مع الاتجاهات وتغيير المواقع حسب الطلب، وتقليل المخاطر مقارنة بالمطاعم الكبيرة. هذه المرونة كانت سبباً رئيسياً لارتفاع عدد شاحنات الطعام النشطة في السنوات الأخيرة. يُقدّر حجم سوق شاحنات الطعام في الولايات المتحدة بأكثر من 1.09 مليار دولار لعام 2025، مع توقعات بنمو سنوي مركب يبلغ 6.6٪ حتى عام 2030.
في المتوسط، تتراوح تكلفة إطلاق مشروع شاحنة طعام بين 50,000 و250,000 دولار، وتشمل السيارة، معدات المطبخ، التصاريح، التأمين، العلامة التجارية، المخزون، وإعدادات التكنولوجيا. وقد تختلف التكاليف حسب لوائح المدينة، حجم الشاحنة، نوع المطبخ، ونموذج التشغيل، ما يجعل هذه المشاريع مناسبة لرواد الأعمال الباحثين عن تجربة مرنة وفعّالة.
العلامات التجارية تستخدم الأكشاك للترويج لنفسها
قد يبدو الأمر مفاجئاً، لكن في الواقع، يقوم العديد من رواد الأعمال بتمويل أكشاك للأكل أو المشروبات أو حتى منتجات أخرى، وذلك بهدف الترويج لعلاماتهم التجارية واختبار الأصناف المفضلة لدى الناس. ومن هنا نشأ مفهوم تسويق الأكشاك، الذي أصبح أداة فعالة في الأسواق التنافسية والديناميكية، حيث يوفر طريقة مبتكرة للوصول إلى العملاء وإشراكهم مباشرة.
تسويق الأكشاك هو شكل من أشكال التسويق المباشر، يستخدم محطات أو أجهزة تفاعلية لعرض وبيع المنتجات أو الخدمات. ويقدم العديد من الفوائد لكل من رواد الأعمال والعملاء، أهمها:
فعالية التكلفة: يقلل تسويق الأكشاك من التكاليف المرتبطة باستئجار متجر تقليدي وتوظيفه وصيانته. كما يمكن للأكشاك العمل على مدار الساعة، مما يزيد إمكانات المبيعات والعائد على الاستثمار. على سبيل المثال، كشك القهوة يمكن أن يخدم العملاء على مدار اليوم، بينما قد يقتصر عمل المقهى التقليدي على ساعات محددة وعدد محدود من الموظفين.
الملاءمة: يوفر الكشك تجربة تسوق مريحة وسريعة، حيث يمكن للعملاء الوصول إليه في أي وقت ومكان، دون انتظار طويل أو الحاجة للتفاعل مع مندوبي المبيعات. ويمكن لأكشاك البيع تقديم الوجبات الخفيفة والمشروبات في المواقع المزدحمة مثل المطارات، مراكز التسوق، أو الجامعات.
التخصيص: يسمح الكشك لرواد الأعمال بتخصيص منتجاتهم وخدماتهم لتلبية احتياجات وتفضيلات العملاء بشكل أفضل.
الإبداع: يمنح الكشك أصحاب الأعمال فرصة عرض ابتكاراتهم وتميز منتجاتهم، سواء من خلال تصميم جذاب، ميزات تفاعلية، عروض جديدة، أو هوية مميزة للعلامة التجارية تساعد في تمييزها عن المنافسين.
ماذا يستفيد المواطن السوري من هذا؟
من خلال المعلومات السابقة، يمكن استخلاص أفكار لاستثمار الأكشاك بشكل مربح، خصوصاً بعد إعلان محافظة دمشق فتح التسجيل للراغبين بفتح أكشاك. يمكن لأي سلسلة مطاعم أو شركات استثمار أصنافها عبر الأكشاك، وفي الوقت نفسه توفير فرص عمل للمواطنين العاطلين عن العمل.
كما يمكن لأي شخص فتح كشك خاص به لتقديم أطعمة مميزة، أو منتجات غذائية وغير غذائية بأسلوب مبتكر وجذاب. لكن التحدي يكمن في فكرة التميز: الأكشاك تحتاج لتقديم أصناف مختلفة بأسعار مناسبة، والخروج عن التقليدية المتمثلة بتحويل الكشك إلى بقالية صغيرة أو تقديم فنجان قهوة عادي.
باختصار، مشروع الأكشاك مشروع رابح ومربح إذا تم استغلاله بطريقة صحيحة، مع الترويج له على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جذاب. وقد ركزنا على أكشاك الأكل لكونها الأكثر رواجاً، لكن لا يقل أهمية أكشاك المشروبات والمنتجات الأخرى التي يمكن تقديمها بأسعار مخفضة وجاذبة.
اقرأ أيضاً: البسطات في سوريا خطوة نحو التنظيم وإيجاد الحلول









