أعمال واستثمار

أفق بحري جديد من طرطوس إلى تركيا.. أول خط لنقل الركاب

بقلم: ريم ريّا

يبدو أن حلم ربط سوريا بشبكة موانئ دولية من خلال أول خط بحري منتظم لنقل الركاب بين طرطوس، وجونيه في لبنان، ولارناكا في قبرص، ومرسين في تركيا بدأ يأخذ شكله الواقعي، بعد سنوات طويلة من الركود في قطاع النقل البحري المدني. هذا المشروع ليس مجرد عبارة عن سفينة تبحر من هنا لهناك، بل هو بوابة لفتح آفاق جديدة للتبادل السياحي والاقتصادي والثقافي بين سوريا وجيرانها عبر البحر، في وقت يتطلب فيه تعزيز الروابط الإقليمية وتخفيف الاعتماد على الطرق البرية.

في قلب هذا المشروع تكمن رؤية تتجاوز النقل البسيط، لتشمل تنشيط السياحة الساحلية، ودعم التجارة الإقليمية، خلق فرص عمل وتشجيع الاستثمارات في البنى التحتية البحرية. إذا نجح هذا الخط البحري، فهل يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتجارب أكثر تقدماً في موانئ سورية أخرى مثل اللاذقية؟ وهل تمتلك سوريا الإمكانيات الحقيقية لتحويل هذه الفكرة إلى نجاح دائم؟

ما هو هذا الخط البحري الناقل للركاب

كان قد أعلن رجل الأعمال اللبناني مرعي أبو مرعي عن تشغيل خط بحري منتظم يربط بين جونيه وطرطوس ولارنكا ومرسين، من خلال رحلات يومية لنقل الركاب بين لبنان وسوريا وقبرص وتركيا، لافتاً إلى أن هذا الخط سيسهم في تعزيز التواصل الإقليمي وتسهيل حركة السفر بين المناطق المذكورة.

لافتاً إلى أنه جرى إنجاز تراخيص المرفأ والوكالة البحرية، إضافةً إلى دراسة الأسعار، وخط الرحلة، وموافقات دخول السوريين الأمنية إلى مرسين وجونيه، مشيراً إلى أن هناك تسهيلات كبيرة من الجانب السوري لإنجاح هذا المشروع متمثلة بالهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، وجهاز الأمن الداخلي، والجمارك السورية.

الهدف من الخط البحري لنقل الركاب حسب القائمين عليه، تنشيط السياحة الداخلية والخارجية بين سوريا ولبنان وقبرص وتركيا، واستقطاب السياح إلى سوريا عبر مرفأ طرطوس، وخدمة التجار السوريين عبر السفر، وتأمين احتياجاتهم من السلع خاصةً القادمة من تركيا. وصنفت هذه الخطوة أنها الأولى من نوعها في تاريخ النقل البحري السوري، ومن المتوقع إطلاق الخط مع بداية نيسان المقبل.

اقرأ أيضاً: بين سوريا وإيطاليا.. الخط البحري قد عاد فما الجديد؟

التكاليف التي يوفرها الخط على المسافرين

حسب القائمين على هذا الخط، فإن الرحلات سوف توفر على المسافرين أجور تذاكر السفر ومعاناة النقل البري والتأخير على الحدود، إضافة إلى تسهيلات في المرفأ، إذ ستكون الإجراءات سريعة وديناميكية وخالية من البيروقراطية الورقية.

يخفّض هذا الخط التكاليف مقارنة بالطرق البرية أو الجوية، بحسب المستشار والخبير الاقتصادي زياد عربش، متوقعاً أن يوفر نسبة قد تصل إلى 30-50% مقارنة بالرحلات الجوية، خاصةً مع ارتفاع أسعار الوقود والرسوم الجوية، إضافةً إلى تقليل الازدحام البري عبر الحدود. وكذلك أن يخفف من عناء المسافرين بفضل الرحلات اليومية القصيرة عبر توفير جدول زمني منتظم (4 إلى 6 ساعات بين الموانئ)، مع مرافق مريحة على متن السفن للركاب والسلع الشخصية.

كما يركز الخط على نقل الركاب بشكل أساسي، مما يسمح بزيادة تبادل السلع الشخصية أو البضائع التي يحملها المسافرون، دون قيود جمركية معقدة، إضافةً إلى تبادل السلع المصطحبة مثل المنتجات الزراعية والحرفية، مما يعزز التجارة غير الرسمية بنسبة محتملة 20 – 40%.

في سياقٍ متصل، يعزز الخط من تكامل النقل البحري السوري مع البري والجوي، إذ يربط مرفأ طرطوس بشبكات لبنان وقبرص وتركيا، مما يفتح منافذاً للربط مع الطرق السريعة والمطارات الإقليمية. كذلك من فوائد هذا الخط البحري المرتقبة، أنه سوف يدعم إعادة إحياء النشاط التجاري في محافظة طرطوس كبوابة بحرية رئيسة، ويقلل الاعتماد على المسارات البرية المتضررة من العقوبات والنزاعات.

الجدوى الاقتصادية من هذا الخط وأهميته بالنسبة لسوريا

تنبع الجدوى الاقتصادية لخط نقل الركاب البحري بين طرطوس وتركيا من تكلفته التشغيلية المنخفضة، بحسب تقديرات الخبراء، مقارنةً بالعائد المحتمل الناتج عن كثافة حركة النقل والركاب، لا سيما مع انخفاض تكلفة الرحلات مقارنةً بالبدائل البرية والجوية.

من خلال المعطيات أعلاه، ربما هناك قابلية محتملة لتوسع خط النقل وعلى ما يبدو هكذا مشروع يحتاج إلى عناية خاصة أكثر من كونه بحاجة إلى استثمارات ضخمة. وبالنسبة لسوريا على وجه الخصوص يشكل هذا الخط فرصة لإعادة دمج موانئها في الدورة الاقتصادية الإقليمية من خلال بوابة مدنية ذات طابع سياحي وخدمي لا تصطدم مباشرةً بحساسيات التجارة الثقيلة أو القيود اللوجستية المعقدة.

في حال نظرنا لهذا المشروع، نرى بأن العوائد لا تقتصر على بيع التذاكر فحسب، بل تمتد إلى تنشيط قطاعات مرافقة مثل السياحة والنقل الداخلي، إلى جانب الخدمات الفندقية والمطاعم والتجارة الصغيرة غير الرسمية. ما قد يخلق حركة نقدية مستمرة وفرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الساحل السوري.

على المدى المتوسط، يمكن لهذا لخط أن يتحول إلى منصة أوسع تشمل ربما الرحلات السياحية ذات الطابع المنظم بالتعاون مع هذا الخط البحري، وربما يكون فرصة لربط مرافئ سورية أخرى مثل مرفأ اللاذقية. ما يشكل شبكة بحرية إقليمية مُوسعة. في حال نجاح هذا الخط، فإنه سيعزز موقع سوريا كممر بحري شرقي المتوسط، وليس كمجرد محطة عابرة.

أما اقتصادياً، يُصنف على أنه مشروع سيعيد تشغيل الجغرافيا السورية بدلاً من انتظار المعجزات، وسوف يستثمر ما تملكه البلاد فعلاً، الموقع والمنفذ البحري والأهم الجانب الحركي المؤجل في نقليات البحر.

صلاحية مرفأ اللاذقية للانضمام إلى المرافئ المشغلة للخط

من خلال معطيات جمعناها عن مرفأ اللاذقية من حيث المساحة والتجهيزات، وبالمقارنة مع مرفأ طرطوس، تبيّن لنا أن إدخال ميناء اللاذقية ضمن شبكة موانئ نقل الركاب الإقليمية ليس خياراً نظرياً مستبعداً، لكنه ليس خياراً بديهياً في ذات الوقت.

يحتاج هذا الطرح إلى مقاربة مختلفة عن تلك المعتمدة في ميناء طرطوس. فميناء اللاذقية وعلى الرغم من كونه الشريان البحري الرئيسي لسوريا ومرور أكثر من 70% من حركة الاستيراد عبره، يتمتع بطابع تجاري كثيف ووظيفة لوجستية ضاغطة، تعكسها مساحته البرية البالغة نحو 150 هكتاراً، وتركزه الكبير على المستودعات وصوامع الحبوب بسعة 35 ألف طن، ومستودعات التبريد.

في المقابل، يتميز ميناء طرطوس ببنية أكثر اتساعاً وتنوعاً، إذ تبلغ مساحته الإجمالية 3 ملايين متر مربع مع 22 رصيفاً وأعماق تصل إلى 13 متراً، ما يمنحه مرونة تشغيلية أعلى تسمح بتخصيص أرصفة ومسارات تشغيلية لنقل الركاب دون التأثير الجوهري على وظيفته التجارية الأساسية.

من المنظور العملي، دمج مرفأ اللاذقية ضمن شبكة نقل الركاب يتطلب فصلاً تنظيمياً وتشغيلياً واضحاً بين حركة البضائع الثقيلة وحركة المسافرين، تفادياً لتحويل مرفأ مثقل أصلاً بالاستيراد إلى نقطة اختناق إضافية.

وفي ضوء ما قدمناه، فاللاذقية تمتلك المقومات البشرية والجغرافية للانخراط بالمستقبل في هذه الشبكة في حال الأخذ بعين الاعتبار مقومات المرفأ وتأهيلها كما يجب لاستيعاب الركاب، لكن مرفأ طرطوس  في المرحلة الحالية يبقى الأكثر جاهزية لاحتضان هذا الدور. فيما يشكل إدخال مرفأ اللاذقية خياراً استراتيجياً لاحقاً مشروطاً بإعادة هيكلة وظيفية، لا مجرد إضافة خط جديد إلى مرفأ يعمل عند حدوده القصوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى