سياسة

“أطفال الصراع”.. كيف يعيد العنف السياسي تشكيل الأجيال؟

بقلم: ريم ريّا

ضمن سياق النزاعات السياسية المعاصرة، لم يعد الأطفال مجرد ضحايا جانبيين للعنف، بل باتوا في كثير من الحالات جزءاً مباشراً من معادلة الصراع وأداةً فيه. العنف السياسي الموجّه أو الواقع عليهم، سواء عبر القتل، الاعتقال، التهجير، أو المعايشة اليومية للخوف وفقدان الأمان، يترك آثاراً تتجاوز اللحظة الآنية، ليمتد إلى عمق التكوين النفسي والاجتماعي للفرد.

يسعى المقال إلى تفكيك العلاقة بين التعرض المبكر للعنف السياسي وبين أنماط السلوك والتفكير التي تتشكل لاحقاً، مسلطاً الضوء على كيفية انتقال الصدمة عبر الزمن، وعلى الدور الذي تلعبه الذاكرة والخبرة غير المعالجة في إعادة إنتاج الهشاشة أو العنف داخل الأسرة والمجتمع. كما يناقش المقال حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية في حماية الأطفال، ويطرح أسئلة حول الكلفة طويلة الأمد للنزاعات حين يُترك أثرها النفسي يتراكم بصمت داخل الأجيال القادمة.

العنف السياسي بين التصعيد المباشر واستغلال الأطفال

العنف السياسي الموجّه ضد الأطفال له أشكال متعددة، تبدأ من التعرض المباشر للقتل والإصابة والاعتقال، ولا تنتهي عند حدود الاستغلال المنهجي لهم كأدوات في الصراع، سواء عبر التجنيد الإجباري أو شبه الطوعي، أو من خلال الزجّ بهم في أدوار لوجستية، أو رمزية، أو قتالية تتجاوز أعمارهم وقدرتهم على الاختيار والفهم.

في كثير من الصراعات يُستثمر الأطفال بفعل هشاشتهم النفسية، وربما سهولة تطويعهم أيدولوجياً وقدرتهم المحدودة وشبه المعدومة على مقاومة الجماعة أو القوة التي تريد توظيفهم. فيتحولون إلى وقود دائم للعنف بدلاً من تحييدهم عنه، لا باعتبارهم فاعلين واعين، بل باعتبارهم موارد قابلة للاستهلاك وسهلة الاستغلال.

هذا الاستغلال لا يقتصر على التنظيمات المسلحة، بل يشمل أحياناً بنى اجتماعية وأسرية تضفي شرعية أخلاقية أو سياسية على تعريض الأطفال للخطر، وتعيد تأطير العنف بوصفه واجباً وربما قدراً.

تناولت العديد من الدراسات الأكاديمية هذه الظاهرة بوصفها مساراً مركباً يتداخل فيه الفردي بالأسري والسياسي. من بين تلك الدراسات، يبرز البحث المنشور عام 2024 في مجلة “المراهقة” المجلد 96، العدد 6، الصادرة عن مكتبة “وايلي” الإلكترونية، للباحثين “منى خوري كسبري وبادي هاسيسي وإران إيتسكوفيتش”، فحصت الدراسة مشاركة الشباب في العنف السياسي والعنف الجسدي الخطير في القدس الشرقية.

تكشف نتائج الدراسة أن أكثر من نصف العينة التي جرت الأبحاث عليها هي من الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين “12 – 17” عاماً. وأغلبهم من الذكور الذين كانوا منخرطين فعلياً في أعمال عنف سياسي، وأن هذا الانخراط يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعوامل فردية مثل الاندفاعية نتيجة تلقي محتوى مُحرض على العنف، وبعوامل أسرية مثل ضعف الرقابة الأبوية، إلى جانب السياق البنيوي للنزاع القائم.

تكتسب هذه الدراسة أهميتها من انتقالها من تحليل آثار التعرض للعنف إلى تحليل المشاركة الفعلية فيه، ما يسلّط الضوء على كيفية تحول الطفل من ضحية إلى فاعل في دائرة العنف السياسي، وعلى الكلفة النفسية والاجتماعية بعيدة المدى لهذا التحول، ليس فقط على الطفل ذاته، بل على المجتمع الذي يعيد إنتاج الصراع عبر أجياله.

اقرأ أيضاً: عندما يتكلم الأطفال في السياسة.. بين البراءة والتلقين يحتار المجتمع

آثار العنف السياسي على الأطفال (غزة وسوريا) نموذجاً

تُجمع الدراسات البحثية الحديثة على أن العنف السياسي يعد من أخطر أنماط العنف الممنهج تأثيراً على الأطفال، بسبب طابعه الزمني الممتد وطبيعته الجماعية. إلى جانب تداخله العميق مع مفاهيم الهوية والانتماء والذاكرة.

قد أظهرت دراسات متعددة أجريت في مناطق نزاع مختلفة أن التعرض المباشر أو غير المباشر لهذا النوع من العنف يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب تغيرات سلوكية طويلة الأمد.

في هذا السياق، يّنت دراسة أجراها الباحث “ميريلز” عام 2022 حول “تأثير العنف السياسي والصراع الطائفي على الأطفال والمراهقين”، خصوصاً في مجتمعات ما بعد النزاع مثل أيرلندا الشمالية، على أطفال ومراهقي أيرلندا الشمالية، أن التعرض المستمر للعنف السياسي، حتى في غياب المواجهات المباشرة اليومية، يؤدي إلى تدهور ملحوظ في الصحة النفسية، ويضعف القدرة على التنظيم العاطفي وضبط الانفعالات.

وتدعم هذه النتائج ما توصلت إليه دراسات سابقة في سياقات نزاع أخرى، من بينها أبحاث أجريت في أوغندا، والتي خلصت إلى أن العنف السياسي يترك آثاراً عميقة ومستدامة على الأطفال، تتجاوز زمن الحدث العنيف نفسه.

في الحالة الفلسطينية، أظهرت تقارير متكررة لمنظمة “اليونيسف” أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من جولات العنف المتعاقبة. وخلال العدوان الأخير الذي بدأته قوات الاحتلال الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول عام 2023، وثقت المنظمات الحقوقية مقتل آلاف الأطفال، فيما أصيب عشرات الآلاف بإصابات جسدية أو صدمات نفسية. وتشير تقديرات “اليونيسف” إلى أن غالبية أطفال غزة يعانون من أعراض نفسية حادة، تشمل القلق المومن، واضطرابات النوم، ونوبات الهلع، والسلوك العدواني نتيجة القصف، وفقدان أفراد الأسرة، إضافةً إلى انهيار البيئة التعليمية والصحية.

أما في الحالة السورية، اتخذت آثار العنف السياسي بعداً تراكمياً أكثر تعقيداً. فبحسب تقرير اليونيسف الصادر في آذار 2024، فإن أكثر من 75% من أطفال سوريا البالغ عددهم نحو 10.5 ملايين طفل ولدوا خلال سنوات الحرب، ما يعني أنهم لم يعرفوا واقعاً خارج العنف والنزوح وعدم الاستقرار. وتشير تقارير الجهاز الصحي والتربوي السوري، إضافة إلى دراسات ميدانية مستقلة، إلى ارتفاع نسب اضطراب ما بعد الصدمة بين الأطفال في المناطق التي شهدت النزاع إلى ما بين 40% و60% خلال أعوام مختلفة من الصراع، مع تسجيل نسب أعلى في المناطق التي شهدت مواجهات متكررة أو قصفاً مباشراً.

مؤخراً، وحسب ما أشارت إليه صحيفة الثورة السورية الرسمية، فالأحداث الأخيرة في مدينة حلب في كانون الأول الجاري من العام الحالي 2026، أعادت تفعيل صدمات سابقة لدى الأطفال الذين سبق أن تعرضوا للعنف خلال سنوات الحرب الأولى. وأكد أكاديميون مختصون في التربية وعلم النفس أن الأطفال الذين عاشوا تراكب الصدمات “صدمات الماضي مع أحداث العنف الراهنة”، يظهرون معدلات أعلى من القلق، وتشتت الانتباه واضطرابات النوم، وصعوبات التعلم.

كما لوحظ ارتفاع في السلوكيات العدوانية والانطوائية، بسبب فقدان الشعور بالأمان، وانهيار الروتين اليومي المرتبط بالمدرسة والحياة الاجتماعية. وتشير تقارير محلية إلى أن الانقطاع المتكرر عن التعليم، سواء بسبب تدمير المدارس أو تعذر الوصول إليها، أدى إلى فجوات تعليمية عميقة، يصعب تعويضها لاحقاً، وهو ما ينعكس مباشرةً على الصحة النفسية للأطفال، وعلى شعورهم بقيمة الذات والانتماء.

الأثر العابر للأجيال.. من طفل متأثر إلى أب/ أم متأثرين

لا تتوقف آثار العنف السياسي عند حدود الطفولة مع الأسف. فالدراسات النفسية طويلة الأمد أشارت غلى أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات عنف سياسي، ولم يتلقوا الدعم النفسي الكامل والكافي، يحملون هذه الصدمات معهم إلى مرحلة الرشد والأبوة.

هؤلاء الآباء يكونون أكثر عرضة لإظهار أنماط تربية قاسية أو مفرطة في الحماية، وأكثر ميلاً للقلق المزمن، ويعانون من ضعف في ضبط الانفعالات. وكما هو واضح في مجمل تقارير ودراسات علم النفس الاجتماعي، إلى أن العنف غير المعالج يتحول إلى ما يعرف “الصدمة العابرة للأجيال”، حيث تنتقل أنماط الخوف والغضب وعدم الثقة إلى الأبناء، ليس عبر لأحداث، بل من خلال السلوك اليومي واللغة العاطفية داخل الأسرة.

ضمن هذا المُندرج، يتحول العنف السياسي ضد الأطفال، من مجرد حدث عابر إلى بنية نفسية واجتماعية تعيد إنتاج نفسها. فالطفل الذي تعلم في صغره أن العالم مكان غير آمن، وأن العنف والبطش “القوة غير المتوازنة” هي اللغة السائدة، قد يجد صعوبة فيما بعد في بناء علاقات مستقرة، أو في ممارسة دور الأب القادر على توفير الأمان العاطفي أو الأم القادرة على الحماية السليمة. فيتحول العنف من تجربة فردية إلى إرث اجتماعي صامت، يهدد استقرار المجتمعات الخارجة من النزاعات، ما لم يواجه بسياسات حماية ودعم نفسي طويل الأمد، تتجاوز منطق الإغاثة الطارئة باتجاه إعادة بناء الإنسان.

يبدو أن التعامل مع آثار لعنف السياسي لدى الأطفال، سواء في الطفولة أو لاحقاً، يتطلب مقاربة علاجية متعددة المستويات، لا تقتصر على التدخل الفردي المباشر. إذ يجب في الصغر توفير بيئة آمنة ومستقرة كشرط أساسي لأي علاج فعالن إلى جانب تدخلات نفسية مبكرة تركز على معالجة الصدمة، مثل العلاج النفسي الداعم والعلاج السلوكي المعرفي المكيف للأطفال، وإعادة بناء الإحساس بالأمان والثقة. إضافةً إلى أن الأسرة والمدرسة لهما دورهما في الحد من تطبيع العنف وتعزيز مهارات التنظيم العاطفي.

أما في مرحلة البلوغ، تكون آثار العنف قد ترسخت في الذاكرة والسلوك، فيتطلب العلاج مقاربات أعمق وطويلة الأمد، تشمل علاج اضطراب ما بعد الصدمة، والعمل على تفكيك أنماط الغضب المزمن أو الانسحاب أو إعادة إنتاج العنف في العلاقات الاجتماعية والأسرية.

بالمحصلة، يجب دمج العلاج ببرامج دعم مجتمعي وسياسات تعترف بتجربة الضحايا ولا تنكرها، إذ إن معالجة آثار العنف السياسي لا تنفصل عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي أنتجها في الأصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى