المجتمع السوري

أطفال التوحد.. رحلة علاج تبدأ من أبواب المراكز ولا تنتهي عندها

بقلم هلا يوسف

لا تتساوى الضغوط والهموم على السوريين بنفس القدر، فعلى الرغم من أن جميعهم يخوضون معركة الحصول على كفاف يومهم، إلا أن جزءاً منهم يخوض معركة علاج أبنائهم من اضطرابات قد لا يعيها المجتمع بشكل كبير. فالتوحد اضطراب ينقل الطفل وأهله من حالة التشخيص إلى رحلة علاج مرهقة لأسباب عديدة تبدأ بقلة المراكز ولا تنتهي بغياب الاستراتيجيات الفعالة للعلاج وقلة الاختصاصيين المؤهلين.

والأصعب في هذا الاضطراب أن العلاج لا ينتهي عند أخذه، بل ينتقل لصعوبة أخرى أمام الأهالي تتعلق بتوفير التعليم المناسب الذي يراعي الحالات، وتعليم الطفل على التواصل والاعتماد على نفسه والاندماج مع الآخرين، وسط مجتمع لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوعي بطبيعة اضطراب طيف التوحد.

حين يصبح الوصول إلى الجلسة رحلة بحد ذاتها

لا يمكن حصر القصص والمعاناة التي تعيشها أمهات الأطفال المصابين بطيف التوحد. فمثلاً في قصة لأم من جبلة بريف اللاذقية، قالت إنها تأخذ طفلها إلى مدينة اللاذقية مرتين في الأسبوع للحصول على جلسات التأهيل، لأن الخدمات التي يحتاج إليها غير متوفرة في مدينتها.

وتضيف الأم أن السفر تحول لجزء من حياتها، بالرغم من التعب والتكلفة الكبيرة، فعلاج طفلها يحتاج إلى الاستمرارية والمتابعة. أما عن التكلفة فقالت إن تكلفة الرحلة الواحدة مع أجرة الجلسة والمواصلات تصل إلى نحو 700 ليرة سورية جديدة. ومع رحلتين أسبوعياً، ترتفع الكلفة إلى نحو 1400 ليرة في الأسبوع، أي ما يقارب 5600 ليرة شهرياً بحساب أربعة أسابيع، من دون احتساب الجلسات الإضافية أو أي ارتفاع في أجور العلاج والمواصلات.

وعلى الرغم من ارتفاع التكلفة والإرهاق الجسدي والنفسي للأسرة بشكل عام، لا تزال هذه الأم تواصل رحلة علاج طفلها، وترى أن أي تقدم بسيط يستحق كل هذا التعب.

أكثر من جلسة.. وأكثر من تكلفة

قد يحتاج الطفل المصاب باضطراب طيف التوحد إلى أكثر من نوع من التأهيل، بحسب احتياجاته وحالته. فقد يحتاج إلى علاج النطق واللغة، أو العلاج الوظيفي، أو التدريب السلوكي، أو برامج تساعده على التواصل واكتساب مهارات الحياة اليومية والاستقلالية.

وهنا تبدأ المصاريف بالتراكم، حيث يحتاج الطفل لجلسات متعددة خلال الأسبوع مع حساب تكلفة المواصلات، عدا عن الاستشارات والفحوصات، وأحياناً أدوات تعليمية وتدريبية يحتاج إليها في المنزل. كل ذلك يجعل من العلاج مرحلة صعبة جداً.

وفي قصة أخرى تروي أم تقيم حالياً في ولاية هاتاي التركية، أنها جاءت إلى سوريا خلال إجازة بهدف البحث عن مركز مناسب لابنتها المصابة بالتوحد، لأنها كانت تفكر في العودة والاستقرار بعد سنوات من الغربة.

لكن ما وجدته جعلها تؤجل فكرة العودة. حيث تقول إنها فوجئت بقلة المراكز المتخصصة وارتفاع تكلفة معظم المراكز الخاصة، عدا عن نقص بعض التجهيزات والاختصاصيين المؤهلين، في الوقت الذي تحصل فيه ابنتها في تركيا على دعم مالي وعلاج مجاني، لذلك وجدت أن العودة في الظروف الحالية ستكون صعبة.

وتكشف هذه التجربة جانباً آخر من المشكلة، فالأهل لا يبحثون فقط عن مركز موجود، بل عن مكان يستطيع متابعة الطفل بشكل مستمر، ويضم الاختصاصات التي يحتاج إليها، ويكون قادراً على التعامل مع حالته بطريقة مناسبة.

وهذا مهم لأن أطفال طيف التوحد ليسوا متشابهين. فما يناسب طفلاً قد لا يناسب آخر، ولذلك تحتاج كل حالة إلى خطة تأهيل تراعي قدرات الطفل واحتياجاته.

كما تتحمل الأسرة أعباء أخرى لا تظهر في فاتورة العلاج. فبعض الأمهات يضطررن إلى تقليل ساعات العمل أو ترك الوظيفة لمرافقة أطفالهن، خاصة عندما تكون الجلسات متكررة أو بعيدة عن المنزل. وهكذا يمكن أن تخسر الأسرة جزءاً من دخلها في الوقت الذي تزداد فيه مصاريفها.

مراكز جديدة تخفف الطريق.. لكن الحاجة أكبر

لا يمكن أن نتحدث عن المشكلة دون النظر إلى الإنجازات التي حققتها الجهات المختصة بالرغم من قلة الإمكانيات. فقد ظهرت خلال الفترة الماضية مراكز ومبادرات جديدة تمنح بعض العائلات مساحة من الأمل.

ففي بانياس ساهم إعادة افتتاح مركز “أنا وطفلي”، بدعم من منظمة اليونيسف في أيار الماضي، في تخفيف معاناة الأهالي الذين كانوا يضطرون للسفر إلى مدن أخرى. لكن في الوقت ذاته يحتاج المركز لوجود اختصاصات متعددة لتناسب حالة كل طفل.

وفي حماة تم افتتاح مركز “أنا وطفلي” التابع لمديرية الصحة، ويقدم خدمات علاجية وتأهيلية مجانية للأطفال ذوي الإعاقة، ومن بينهم أطفال طيف التوحد ومَن لديهم مشكلات في النطق واضطرابات نمائية. أما في دمشق فقد افتتح مركز صحي متخصص في كفرسوسة، يضم غرفة للعلاج الوظيفي، وأخرى لتقويم الكلام واللغة، بالإضافة إلى ثلاث غرف للتدخل الفردي.

بينما في ريف دمشق يقدم مركز “خذ بيدي” خدمات لتأهيل أطفال طيف التوحد، تشمل تحليل السلوك، والنطق واللغة، والدعم التعليمي، وتنمية التواصل ومهارات الحياة اليومية، إلى جانب إرشاد الأسرة.

هذه الخطوات مهمة بالتأكيد، لكنها لا تعني أن المشكلة انتهت. فما تزال بعض الأسر بعيدة عن هذه المراكز، وما يزال توزيع الخدمات بين المدن والمناطق غير متساوٍ، بينما تحتاج حالات كثيرة إلى متابعة طويلة ومتخصصة.

من جلسة العلاج إلى مقعد المدرسة

بعد تلقي العلاج المناسب والبدء بمرحلة التأهيل، تبدأ مشكلة أخرى تظهر أمام الأهالي، وهي المدرسة. فبعض الأطفال المصابين بطيف التوحد يحتاجون إلى بيئة تعليمية مختلفة، وطريقة تدريس تراعي قدراتهم، ومعلمين يعرفون كيف يتعاملون مع احتياجاتهم وسلوكياتهم.

وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن نقص المراكز، وهي نظرة المجتمع. فقد تواجه بعض الأسر تعليقات أو أحكاماً مسبقة بسبب سلوك الطفل، خصوصاً عندما يمر بنوبة غضب أو يتضايق من الضوضاء أو الازدحام أو الضوء القوي.

وتوضح مختصات في اضطرابات التطور أن فهم سبب انزعاج الطفل يساعد في تهدئته. فإذا كان الازدحام أو الضجيج هو السبب، فمن الأفضل إبعاده عن المكان المزعج وإعطاءه مساحة هادئة. ويمكن بحسب استجابة الطفل، استخدام لعبة مألوفة أو نشاط يحبه لتشتيت انتباهه، أو وسائل حسية مناسبة، مع طمأنته بأنه في مكان آمن.

وهذا يقودنا إلى نقطة أساسية وهي أن التوحد ليس حالة واحدة متشابهة عند الجميع. فالأعراض تختلف من طفل إلى آخر، وكذلك قدرات الأطفال واحتياجاتهم. لذلك لا يمكن وضع جميع الأطفال في قالب واحد أو توقع طريقة استجابة واحدة منهم.

وهنا تؤكد اختصاصية في التربية الخاصة أن كل طفل يحتاج إلى خطة تناسبه، وأن الهدف هو مساعدته على تطوير قدراته إلى أفضل مستوى ممكن. كما تشير إلى إمكانية الاستفادة من الألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي في بعض جوانب التعلم والتأهيل، إلى جانب أهمية توفير بيئة داعمة ومتفهمة.

وتبقى مشكلة نقص البيانات من التحديات الأساسية أيضاً. فقد بدأت هيئة التخطيط والإحصاء العمل على قاعدة بيانات شاملة وموحدة لاضطراب طيف التوحد، بالتعاون مع وزارتي الصحة والتعليم العالي، والاستفادة من المسوح والبيانات المتاحة، بالإضافة إلى مسح ميداني تنفذه اليونيسف. ومن المفروض أن تساعد هذه البيانات في معرفة حجم الحاجة ووضع خطط أفضل للعلاج والتعليم والتأهيل.

في النهاية، طيف التوحد اضطراب مثل الكثير من الاضطرابات، لكن ما يحتاجه الطفل للعلاج منه هو مراكز تأهيل تضم جميع الاختصاصات المطلوبة لرحلة الشفاء، بالإضافة إلى مدارس أو حتى صفوف ضمن المدارس تجمع مرضى التوحد ضمنها مع أسلوب تعليم يراعي حالتهم. وعلى الرغم من الإنجازات التي عملت عليها الجهات المختصة، لكن تبقى قليلة مقارنة بمتطلبات هذا الاضطراب.

اقرأ أيضاً: الضغوط النفسية في جوارح السوريين بين الوطن والمنفى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى