ثقافة وتراث

أسواق حلب التراثية: لوحات تجارية مرسومة بريشة التاريخ

بقلم هلا يوسف

من بين حضارات العالم العريقة تبرز مدينة حلب في إحدى صفحات التاريخ كمدينة تجارية شاهدة على أمم وشعوب تعاقبت عليها. تراكمت فيها أحجاراً شكلت فيها أبنيتها العريقة التي تروي قصة مدينة الشرق العميق، وذاكرة التجارة، ومفترق القوافل، حيث امتزج العمران بالحرفة، والدين بالأسواق، فصنعت لنفسها هوية فريدة لا تشبه سواها.

تاريخ شاهد وممزوج بنكهة الحضارات

تقع مدينة حلب في الشمال السوري، على مسافة تقارب 310 كيلومترات من دمشق، ويعود أقدم دليل أثري موثق على وجودها إلى الألف الخامس قبل الميلاد. وعلى مدى آلاف السنين، مرت على هذه المدينة حضارات متعاقبة تركت بصماتها في عمرانها وثقافتها، بدءاً من الحثيين، فالآراميين والآشوريين، ثم الفرس، فالحقبة الهلينية، وصولاً إلى العصور الرومانية والبيزنطية، وانتهاءً بالحضارة الإسلامية بمراحلها المختلفة. ووفق تقديرات منظمة اليونسكو، يتجاوز عمر حلب 12200 عام، ما يجعلها من أقدم المدن المأهولة في العالم، بل وأقدم من مدينتي دمشق وأنطاكية، وشاهداً حياً على تحولات الشرق منذ عصور ما قبل الميلاد وحتى الزمن الحديث.

وقد أسهم موقع حلب الجغرافي في ترسيخ مكانتها كمفترق رئيسي لطرق التجارة القديمة، ولا سيما طريق الحرير، الأمر الذي جعلها مركزاً اقتصادياً مزدهراً ومقصداً للتجار من مختلف الجهات. ونتيجة لذلك ازدهرت فيها الأسواق والخانات، إلى جانب الأديرة والكنائس والجوامع. ويحتل الجامع الأموي الكبير مكانة بارزة في قلب المدينة، ويعرف أيضاً بجامع بني أمية أو جامع سيدنا زكريا، ويقع في حي الجلوم قرب سوق المدينة القديمة. وقد أدرج الجامع مع المدينة القديمة على قائمة التراث العالمي عام 1986، واعتبره المؤرخ ابن الشحنة الحلبي منافساً لجامع دمشق من حيث الزخرفة والفنون المعمارية والفسيفساء.

أما تسمية المدينة “بحلب”، فتعود إلى كلمتي “حل” و “لب” بحسب اللغوي والمؤرخ خير الدين الأسدي في إشارة إلى معنى موضع الاجتماع، في حين يرى بعض الباحثين أن الاسم مأخوذ من الكلمة السريانية “حلبا” التي تعني البيضاء. ومن هذا المعنى اشتُق لقبها المشهورة به “الشهباء”، المرتبط بلون حجارتها وتربتها، وإن كانت الذاكرة الشعبية قد أحاطته بروايات وأساطير مختلفة.

أسواق حلب التراثية

كما أطلق البريطانيون على حي لندن التجاري القديم اسم “السيتي” أطلق الحلبيون على منطقتهم التجارية التاريخية اسم “المدينة”، في إشارة واضحة إلى مركزية الأسواق والخانات في حياة حلب الاقتصادية والاجتماعية. وقد اشتهرت أسواق حلب بأنها الأطول من نوعها في العالم، إذ يبلغ طولها نحو 17 كيلومتراً، وتمتد على مساحة تقارب 16 هكتاراً داخل أسوار المدينة القديمة.

ويصل عدد أسواق المدينة القديمة إلى 37 سوقاً، ويذكر المؤرخ كامل الغزي أنها كانت تضم قرابة 15 ألف دكان، تميز كل واحد منها بتخصص محدد، شمل تجارة الأقمشة الحريرية والمطرزة، والعباءات، والسجاد اليدوي، والزجاجيات، والصابون الطبيعي والمعطر، إضافة إلى المشغولات المعدنية من الذهب والفضة والنحاس، والجواهر والعطور، وغيرها من الحرف التقليدية التي شكلت عصب الاقتصاد الحلبي عبر العصور.

ويعود تاريخ إنشاء أقدم هذه الأسواق إلى عام 312 قبل الميلاد، حين أسسها سلوقس الأول، إلا أن ملامحها المعمارية الحالية تبلورت في بدايات الحكم العثماني، بعد إعادة بنائها بالحجر إثر حريق كبير اندلع عام 1868. وقد صممت الأسواق بأقبية حجرية سميكة تتخللها فتحات للضوء والهواء، تؤمن بيئة معتدلة تحمي من حرارة الصيف وبرودة الشتاء، فوق أرضيات حجرية مرصوفة بدقة تعكس براعة العمارة التقليدية الشرقية.

وكانت الأسواق تخضع لنظام أمني صارم، حيث تغلق أبوابها عند غروب الشمس، ويتولى الحراس حمايتها، مطلقين الكلاب على أسطحها لمنع السرقة عبر النوافذ، في صورة تعبر عن أهمية هذه الأسواق ومكانتها في حياة المدينة.

تتشابك أسواق حلب في نسيج عمراني متداخل، مشكلة شبكة واسعة من الممرات المتوازية والمتعامدة، ويأتي في مقدمتها سوق السقطية، أحد أشهر وأهم أسواق المدينة، لما يتمتع به من موقع استراتيجي يربط بين سوق باب أنطاكية وسوق العطارين. يقع السوق إلى الجنوب من الجامع الأموي الكبير، وبالقرب من خان الحرير وخان البنادقة، ويتألف من ثلاث قباب مدببة من الداخل، ترتكز على عناصر معمارية ركنية، فيما رُصفت أرضيته بالحجارة البازلتية المصممة لتصريف مياه الأمطار. ويضم السوق أكثر من 53 محلاً تجارياً، تشتهر ببيع الحلويات والمكسرات والمأكولات الشعبية. وقد تعرض السوق لأضرار جسيمة خلال سنوات الحرب، قبل أن يستعيد حيويته بعد أعمال ترميم دقيقة أعادت إليه ملامحه التاريخية.

وتضم حلب إلى جانب ذلك أسواقاً عديدة، منها سوق الصابون المعروف قديماً بسوق البلاط، وسوق الزرب المتخصص ببيع المنسوجات اليدوية، وسوق العبي أو النشابين، وإلى شماله سوق الدهشة الذي سمي بهذا الاسم لاتساعه وارتفاع سقوفه.

كما نجد سوق الحور المخصص لبيع الجلود، وسوق الشام الملاصق لخان النحاسين، وسوق إسطنبول بشقيه الداخلي والخارجي، وسوق الطرابيشية الذي كان مخصصاً لبيع الطرابيش قبل أن تتحول تجارته إلى الأقمشة، وسوق الحراج المتخصص بالحطب والفحم، وسوق الصياغ، إضافة إلى سوق البالستان للألبسة المستعملة، وسوق العطارين الذي تشتهر أزقته بروائح التوابل، إلى جانب أسواق الحدادين والجوخ والفرايين وخان الحرير والسقطية.

الأسواق بين الدمار والنهضة

لم تكن أسواق حلب بعيدة عن آثار الحرب، إذ طال الدمار والتخريب والنهب أجزاء واسعة منها، كما أدى الإهمال وغياب الصيانة إلى تدهور حال العديد من معالمها التاريخية، ما دفع إلى إدراج المدينة القديمة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ عام 2013. ومع ذلك فإن هذه الأسواق، التي اعتادت تجاوز فترات الركود عبر تاريخها الطويل، عادت لتنهض من جديد، مستعيدة دورها الحيوي بفضل جهود الترميم التي سعت إلى الحفاظ على طابعها المعماري الأصيل وإعادة الحياة إلى أزقتها.

في النهاية، تبقى حلب بتاريخها العريق وأسواقها التاريخية عصية على كل معتدي. ورغم كل ما نابها من أزمنة الحرب لم تندثر أسواقها، ولم تتخلى عن تاريخها، ولا عن مكانتها التجارية. وعودة هذه الأسواق إلى رونقها دليل علىإرادة شعب لا يقهر. ورغبة بالحياة لا تموت.

اقرأ أيضاً: رحلة في سوق الحميدية.. بوابة الزمان إلى قلب دمشق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى