أعمال واستثمار

أسواق الهال في درعا.. حين تتحول التجارة إلى إعادة توزيع الخسارة لا الثروة

بقلم: ريم ريّا

في محافظة درعا هناك مفارقة عميقة تكشفها الصور الميدانية لأسواق الهال في المدينة، فهي أبعد من مجرد جدل تقليدي بين الفلاح والتاجر حول الأسعار، بل متعلقة بأزمة بنيوية قوامها غياب أي حلقة وسيطة منظمة بين الإنتاج والاستهلاك، ما يجعل من مبدأ “العرض والطلب” غطاءً نظرياً لاقتصاد غير متوازن، يتم فيه توزيع الأرباح والخسائر بشكل غير عادل بين أطراف العملية الزراعية. والحلقة الأضعف المزارع دائماً فهو وحده من يتحمل تقلبات الطبيعة وارتفاع تكاليف المستلزمات من أسمدة ومحروقات وأجور نقل وقطاف وري، وتتوسط رحلته نحو سوق الهال حلقات تجارية متعددة، بدايةً من تجار الكمسيون إلى “الشقيعة” وصولاً حتى باعة المفرق، ليقل ربحه كلما اقترب المنتج من المستهلك النهائي. كل ذلك يدور ضمن حلقة مفرغة تتخذ من العدالة الاقتصادية شعاراً لكن من غير تطبيق.

اقتصاد الوساطة في سوق الهال.. من يربح الفجوة بين دمشق ودرعا؟

الارتباط الوثيق بين أسواق هال درعا وسوق هال دمشق المركزي ليس تفصيلاً عابراً في دوامة التسعير، بل هو مؤشر حقيقي على غياب استقلالية تسويقية حقيقية للمحافظات الزراعية عن العاصمة.

فقد أوضح أحد التجار، أن معظم إنتاج درعا من الخضار والفواكه يسوّق إلى العاصمة سواء عبر السوق المركزي أو من خلال التوضيب والفرز المخصص للتصدير، وهو ما يجعل من سعر المنتج في درعا مرتبط مباشرةً بخارج حدود المحافظة وتسيطر عليه العاصمة في الكلمة الفصل.

هذه الترابطات لها معنى واحد فقط أن المزارع لا يبيع مباشرةً للمستهلك، بل لسلسلة من الوسطاء تباعاً وبشكل إلزامي ولو بطريقة غير مباشرة، ويقوم آخر الوسطاء بتحديد السعر بناءً على بيانات سوقية بعيدة جغرافياً عن واقع الإنتاج المحلي ضمن المحافظة ما يخفض من هامش الربح.

والنتيجة، كما أوضح أحد العمال، هي أن أصحاب الأكشاك الصغيرة الذين يشترون من تجار الجملة بعد البيع بالجملة ثم يبيعون لتجار التجزئة، هم من يحققون هوامش ربح عالية نسبياً مقارنةً بأسعار الجملة. هذه حلقة وساطة صغيرة لكنها مؤثرة في تحديد السعر النهائي. وهذا الخلل الهيكلي يتطلب إصلاحاً جذرياً لسلسلة التسويق نفسها، وليس فقط في آلية التسعير، لأن كل حلقة إضافية تعني خصماً إضافياً من جهد المزارع دون إضافة أي قيمة حقيقية للمنتج.

اقرأ أيضاً: الدواجن في سوريا.. بين خسائر المربين وتقلبات السوق

الدور الرقابي غائب والدولة تنظر بعين السوق الحرة.. ولا مؤسسات بديلة

تحولت فلسفة إدارة السوق في سوريا مؤخراً من التدخل المباشر إلى الحياد الرقابي وفقاً لنظام السوق الحرة. فانسحاب مديرية التجارة الداخلية من التسعير المباشر، واقتصار دورها على مراقبة الأسواق من خلال دوريات حماية المستهلك والرد على الشكاوى بعد النشر الدوري السابق للأسعار، مثّل نقلة نوعية في حال الأسواق وقلب الأمور بشكل جذري.

لكن هذا الحياد جرّد المزارعين من أي قوة تفاوض جماعية تحميهم من تقلبات السوق. وسط غياب شبه تام لنقابات فعّالة للمزارعين أو مؤسسات تسويق تعاونية قوية. في ضوء ذلك كان هناك موقف لرئيس نقابة مزارعي درعا، المهندس فؤاد الحريري، إذ أقرّ بشكلٍ جليّ وواضح أن النقابة لا تملك دوراً حقيقياً في عملية التسعير، وأن القرار يبقى في أيدي تجار الجملة بناءً على حجم الطلب في دمشق.

هذا الإقرار الصريح والشفاف يكشف عن فجوة تمثيلية حقيقية تضرب عمق أسواق الهال في سوريا، فالمؤسسة التي يفترض أن تكون الصوت الجماعي للمزارعين تقف عاجزة أمام آلية السوق التي تتجاوزها. وهذا ما يفسر دعواته المتكررة لتشكيل لجنة مشتركة تضم المزارعين والتجار ووكالات التوريد والمستهلكين، في محاولة لاستعادة بعض التوازن المفقود خارج آليات السوق التقليدية.

التسويق والبنية التحتية المتهالكة .. علاقة تدور في حلقة مفرغة

لا تفصل أزمة التسعير عن واقع البنية التحتية المتهالكة في الأسواق نفسها. فعندما يشير أحد التجار إلى أن المدخل الشمالي الغربي لسوق “طفاس” متضرر ويهدد سلامة الشاحنات المحملة بالخضراوات، أو عندما يضطر التجار،إلى توظيف عمال نظافة على نفقته الخاصة لأن البلدية غير قادرة على جمع القمامة يومياً، فالسوقأمام  تكاليف خفية لكن وقعها ثقيل تضاف إلى تكلفة التسويق ولا تظهر في أي صيغة تسعير رسمية، لتجبى لاحقاً من أضعف حلقة في سلسلة الإنتاج، وهو المزارع ويتحمل تبعات التقصير الخدمي، حتى وإن كانت هذه المسؤولية تقع على عاتق السلطات المحلية وبعيدة عن حدود أرضه ومنطقة تصرفه. وفي تصريح لمدير الزراعة في درعا،  أوضح أن هناك حاجة متزايدة وماسة لمراعاة ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج عند تحديد الأسعار، حتى لا يتحمل المزارع عبء الخسائر التي لم يتسبب بها بمفرده.

الحل ليس في التسعير، بل في إعادة هيكلة سلسلة التوريد

غالباً ما تتجاهل الدعوات المتكررة لتشكيل لجان لتحديد “أسعار عادلة” حقيقة أن التسعير الإداري قد يفشل في بيئة السوق الحرة المرتبطة بسوق مركزية خارج المحافظة. يكمن الحل الأعمق، الذي تشير إليه ضمنياً مطالب التجار والمزارعين أنفسهم بفتح أسواق التصدير وتفعيل التقويم الزراعي مع الدول المجاورة، في تمكين المزارعين من إنشاء تعاونيات تسويقية حقيقية تُقصر سلسلة الوسطاء الطويلة وتفتح قنوات تصدير مباشرة، مما يقلل الاعتماد الكلي على سوق دمشق كنقطة عبور وحيدة.

وبالمثل، فإن المطالبة بموقع جديد لسوق درعا للجملة خارج المدينة، إلى جانب تخفيض الرسوم والضرائب وضمان عدم معاملة تجار الجملة الجزئية معاملة تجار العمولة، تعكس وعياً تجارياً متقدماً بأن إصلاح الهيكل التنظيمي للسوق لا يقل أهمية عن إصلاح آلية التسعير. فبدون إعادة توزيع أكثر عدلاً للقيمة المضافة بين الإنتاج والتسويق، ستظل دعوات “الإنصاف” مجرد شعارات بالية، بينما يستمر نزوح المزارعين من أراضيهم بحثاً عن سبل عيش أقل ربحية.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى