أسعار الوقود والغضب الاجتماعي.. ما الذي يجب فعله لدرء المخاطر؟

أحمد علي
لم يحتج الغضب السوري إلى وقت كي يلتقط صوته ويخرج للعن عبر أشكال عدة، فبعد ساعات من بدء العمل بأسعار الوقود الجديدة، ظهرت تجمعات وطرق مقطوعة وإضرابات نقل في محافظات سورية متعددة. ولم يكن ذلك طارئاً غريباً على القرار، بل جزءاً من كلفته السياسية التي كان يمكن توقعها قبل أن تصل اللوائح إلى المحطات…
رفعت الحكومة بعض الأسعار بنسب قاربت أربعين في المئة، وقالت إن الإجراء مؤقت وتفرضه كلفة الاستيراد وتعطل مصفاة بانياس وارتفاع النفط في زمن الحرب. وهذه أسباب ثقيلة فعلاً، غير أنها لا تحول شكلاً واحداً من التسعير إلى قدر لا بديل له، ولا تجعل الاعتراض عليه خللاً ينبغي تطويقه. فالغضب هنا إشارة كبيرة ومبكرة عن فجوة موجودة وينبغي ردمها.
الغضب جزء من المعادلة
توزعت الاحتجاجات من الحسكة ودير الزور والرقة إلى حلب وإدلب وحماة ودرعا، واتخذ بعضها شكل قطع طرق ومنع صهاريج أو توقف وسائل نقل. اختلاف المناطق وتشابه رد الفعل يقولان إن المسألة أوسع من تحريض محلي أو سوء فهم عابر. فحين يأتي قرار واسع بسرعة، من دون صيغة تسعير منشورة أو موعد مراجعة محدد، يصبح الاحتقان نتيجة قابلة للحساب.
لا يفيد التعامل مع هذه الفورة باعتبارها ملفاً أمنياً، فما دام الاحتجاج سلمياً، تستطيع الحكومة تحويله إلى قناة إنذار وتصحيح عبر الاعتراف بأن الناس لا يمكنها تحمّل رفع إضافي بأسعار الوقود وبأن هذه الأسعار لا تتناسب مع أجورهم. وهذا يمنحها فرصة كي تفصل بين إنفاذ القانون والإصرار على قرار ربما يحتاج إلى تعديل.
كلفة حقيقية وخيار غير وحيد
تقول وزارة الطاقة إن سوريا تحتاج إلى نحو ثلاثمئة ألف برميل يومياً، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي مئة ألف. وتستورد البلاد قرابة ستين في المئة من حاجتها اليومية إلى المازوت، كما تخضع مصفاة بانياس لإصلاح يمتد نحو شهرين. لا يمكن تجاهل هذه الفجوة أو تمويلها إلى ما لا نهاية بأموال غير موجودة.
لكن بين تثبيت السعر إلى الأبد وقفزة فورية مساحة واسعة للسياسة. كان ممكناً توزيع الزيادة على مراحل، أو امتصاص جزء منها لفترة قصيرة، أو ربطها بمتوسط متحرك يمنع انتقال كل قفزة عالمية في يوم واحد. كما يمكن التمييز بين كلفة الجزء المستورد والجزء المنتج محلياً، بدل وضع البرميلين في سلة واحدة.
تراجع منظم لا ارتباك
تبدأ المعالجة بإعلان مهلة مراجعة قصيرة ومعلومة، ثم نشر عناصر الكلفة التي بُني عليها السعر. كم تبلغ فاتورة الشراء والشحن والتأمين والتكرير، وما حصة كل عنصر، ومتى ينخفض السعر إذا تراجعت هذه البنود. فعبارة رفع مؤقت لا تكفي ما لم يرافقها تاريخ وآلية.
خلال المراجعة يمكن تجميد جزء من الزيادة أو خفضها مرحلياً، من دون العودة إلى دعم عام مفتوح. والتراجع المدروس ليس هزيمة أمام الشارع. بل إنه إقرار بأن السياسة الجيدة لا تختبر صلابة الناس، بل قدرتها هي على تصحيح نفسها قبل أن يصبح الخلاف أزمة ثقة وتحتقن الناس ثم تنفجر.
حماية الوظيفة لا السلعة
إذا كان المال لا يسمح بإبقاء الوقود رخيصاً للجميع، فالأدق حماية الوظائف التي لا يمكن للاقتصاد الاستغناء عنها. تستطيع الحكومة منح تعويض مؤقت ومحدد للنقل العام والشحن والري والأفران والمنشآت المنتجة، مقابل بيانات تشغيل قابلة للتدقيق. بذلك لا يعود الدعم خصماً يوزع على كل لتر، بل أداة تحمي خدمة أو إنتاجاً واضحاً.
وتشير تجارب إصلاح دعم الطاقة إلى أهمية التدرج، والتحويلات الموجهة، والتواصل السابق للقرار. ليست هذه وصفة تستورد كما هي، إنما معناها بسيط، وهو أن المواطن يقبل الكلفة بصعوبة أقل حين يعرف من يتحملها، وإلى متى، وما الذي ستفعله الدولة كي لا تتكرر الصدمة.
الخروج من دورة الطوارئ
الحل الدائم لا يوجد على لوحة الأسعار. تسريع إصلاح بانياس، وتنويع الموردين ومسارات الوصول، وبناء مخزون معلن القواعد، ورفع إنتاج الحقول وكفاءة المصافي وخطوط النقل، كلها تقلل عدد المرات التي تصبح فيها الحكومة أسيرة شحنة متأخرة أو ممر مضطرب.
كذلك، يمكن النظر إلى امتصاص جزء من فارق الوقود بوصفه إنفاقاً من الحكومة يحمي الدورة الاقتصادية، لا خسارة حسابية فقط. وهذا الطرح يستحق النقاش، فقوته الأساسية تكمن في كونه إشارة للحكومة بأن للسعر كلفة اجتماعية وسياسية أيضاً وينبغي على الحكومة تحملها كونها صاحبة القرار.
ختاماً، لا يوجد خيار بلا ثمن، فإبقاء الأسعار ثابتة يحمّل الخزانة كلفة لا شك، لكن رفعها دفعة واحدة يحمّل القرار كلفة أخرى قد تكون أخطر اجتماعياً وسياسياً في بلد يعيش أكثر من 90% منه تحت خط الفقر. وكون الأمر على هذا النحو، وبهذا المستوى من الخطورة لا يمكن إهمال مصالح الناس وحالهم خشية من انفجار اجتماعي جديد، وموجة من التصعيد لا تخدم سوى تجار الحروب وأعداء البلاد في الداخل والخارج. وضمن هذا الإطار، لا غنى عن دور أعلى لجهاز الدولة في تحمل جزء من التكلفة العالية للمواد الأساسية، بما فيها النفطية، على السواد الأعظم من الشعب.
اقرأ أيضاً: إغلاق الثانويات النفطية في سوريا يفتح سؤال البدائل ومصير الطلاب









