أسعار الكهرباء أثارت استياء المواطنين.. فهل يتم تخفيضها بعد الرفع؟

بقلم: ريم ريا
أعلنت وزارة الطاقة في سوريا في 30 تشرين الأول 2025 عن رفع أسعار الكهرباء وفق نظام شرائح استهلاكية جديدة تضم أربع فئات، في خطوة وصفت رسمياً بأنها تهدف إلى “إصلاح المنظومة الكهربائية” وضمان استدامتها. ووفقاً للقرار يبدأ التسعير من 600 ليرة سورية للكيلو واط للشريحة الأولى المخصصة لما سمته الوزارة “أصحاب الدخل المحدود”، وصولاً إلى 1800 ليرة للكيلو واط للمصانع والمعامل كثيفة الاستهلاك.
وزير الطاقة “محمد البشير“، أوضح أن ما جرى “ليس رفعاً للأسعار” بل “تعديلاً للتعرفة” يهدف إلى تحقيق توازن بين التكلفة والدعم، في حين اعتبر وزير الاقتصاد والصناعة “محمد نضال الشعار“، أن الأسعار السابقة كانت “مصطنعة”، استخدمت لسنوات طويلة كأداة سياسية لشراء الصمت، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تصحيح هذه الاختلالات “بشفافية وعدالة”.
أثار القرار ردود فعل واسعة بين المواطنين السوريين، وعبروا عن استيائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أنّ هذه الخطوة تزيد من أعباء المعيشة وسط تراجع القدرة الشرائية لديهم بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة. يرى مراقبون أن التعرفة الجديدة، رغم تقديمها على أنها دعم لأصحاب الدخل المحدود، إلا أنها قد تضع معظم الأسر السورية أمام فواتير للكهرباء تتجوز إمكانياتها، في وقت يعيش فيه أكثر من 90% من الشعب تحت خط الفقر وفقاً لتقارير أممية. في هذا المقال سنناقش التأثير الاقتصادي لهذه الأسعار، وهناك تخمينات بتخفيض الأسعار ماذا عنها؟
تأثير أسعار الكهرباء الجديدة على الاقتصاد في سوريا
ارتفاع أسعار الكهرباء في سوريا يعني تحميل المستهلكين العبء الأكبر، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من ضبط الهدر وتحسين الكفاءة قبل رفع الأسعار. فالكهرباء ليست فقط للمنازل بل تدخل في مختلف مفاصل الحياة ما يعني أن أثرها الاقتصادي سيكون كبير جداً. ففي المدى القصير سيكون التأثير سلبي على الاقتصاد السوري الذي يحاول أن يتعافى، سيعاني الاقتصاد شبه المنهار من صدمة الأسعار، وكل ذلك سينعكس على المواطنين البسطاء بالدرجة الأولى.
في سياق متصل، وعن تأثير ارتفاع أسعار الكهرباء على الاستهلاك والطلب، أوضح الخبير الاقتصادي “جورج خزام” أن الارتفاع الكبير بفاتورة الكهرباء يعني تراجع مقدار الجزء المخصص من الدخل للاستهلاك بمقدار الزيادة المدفوعة بفاتورة الكهرباء، ومعه تراجع الإنتاج، وذلك لأن الدخل محدود لغالبية الشعب السوري، حتى لكثير من أصحاب المصالح التجارية والحرة. مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء الصناعية يعني زيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع الأسعار. بالإضافة إلى زيادة تكلفة فاتورة الكهرباء التجارية في المحلات وزيادة التكاليف.
بالتالي تصبح زيادة أسعار البضائع هو الحل لتغطية تلك الزيادة بالتكاليف، ما يعني تراجع الطلب وتراجع الإنتاج، مع العلم أن أكثر الأضرار الجسيمة من زيادة تعرفة الكهرباء على الاقتصاد والشعب هي عدم قدرة المنتج الوطني على المنافسة مع المستوردات بجمارك منخفضة، ما يعني المزيد من إغلاق المصانع وزيادة البطالة والكساد وزيادة الطلب على الدولار بقصد الاستيراد، ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع سعره.
أما على المستوى الصناعي، رفع أسعار الكهرباء سيؤدي إلى زيادة مباشرة في تكلفة الإنتاج، تتراوح بين 10% و20% حسب نوع الصناعة وحجم استهلاكها وفق ما أفاد به خبراء، ما سينعكس بشكل تدريجي على أسعار السلع والخدمات. والمستهلك سيتحمل الجزء الأكبر من هذه الزيادة، إلا إذا قررت الشركات امتصاص جزء منها لتجنب فقدان الزبائن.
كما أن قرار الرفع المتخذ، قد يضعف تنافسية المنتج المحلي أمام المستورد، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة في سوريا مقارنة بدول الجوار وهذا ما ناقشناه في مقال سابق، ما سيهدد بعض المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالتراجع أو الإغلاق، ويؤثر سلباً على فرص العمل والقطاع الصناعي ككل.
يحدد الدكتور “زياد عربش”، الأكاديمي والمستشار في شؤون الطاقة والاقتصاد، (الصناعات المعدنية، الكيمياوية، مصانع النسيج والغذائية) كأكثر القطاعات تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على الكهرباء، مشيراً إلى أن هذه الصناعات تواجه خطر التقلص أو التوقف إذا لم تعالج آثار القرار بشكل عاجل.
المتضرر الأكبر يبقى الأسر السورية، تحديداً الأسر محدودة الدخل التي تستهلك حتى 300 كيلو واط خلال دورة شهرين، ستدفع نحو 180,000 ليرة سورية، وهو مبلغ مرتفع جداً مقارنة بمستويات الأجور الحالية في البلاد. ويؤكد الخبير “عربش” أن هذه الزيادة تشكل عبئاً مالياً إضافياً على الأسر، خاصة الفئات الهشة، مما يهدد قدرتها الشرائية ويستلزم وجود آليات دعم موجهة لتخفيف الأثر الاجتماعي.
هذا الارتفاع في ظل الظروف الراهنة وتدني الأحوال المعيشية يعني ازدياد الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، ما يعني تعميق حالة الضيق الاقتصادي وإضعاف القدرة الشرائية بدلاً من تقويتها، كل ذلك سينعكس على العمل والنمو الاقتصادي العام.
اقرأ أيضاً: كم كلفة فواتير الكهرباء على الناس العاديين بعد رفع الأسعار؟
تخمينات تحوم حول تخفيض جزئي لأسعار الكهرباء
تدور تخمينات في الأوساط الشعبية والإعلامية، وعلى بعض صفحات التواصل الاجتماعي تشير إلى أن رفع أسعار الكهرباء في البلاد ما هو إلا خطوة تمهيدية أو شكلية، هدفها امتصاص الغضب الشعبي وإعطاء نية حكومية للاستجابة إلى مطالب الناس، قبل إعادة خفض الأسعار في وقت لاحق بصورة محددة لتظهر وكأنها “تنازل” لصالح المواطن. هذه التخمينات المشاعة حتى اللحظة فلا شيء مؤكد، وهذا ما تتداوله الأوساط في عموم البلاد.
وفقاً لهذه الرؤية، فالهدف من القرار المتخذ تهيئة الرأي العام لتقبل الارتفاعات الجديدة كأمر واقع تمهيداً لخفضها لاحقاً بداعي تحقيق المطالب. في حال صحّت تلك التخمينات المطروحة، فإن خطورتها ستكمن في فقدان الثقة ما بين المواطن والمؤسسات الرسمية، فسينظر إلى القرارات على أنها أدوات للتلاعب النفسي أكثر من كونها حلولاً حقيقية للأزمات. ناهيك عن أن سياسة “الرفع ثم التخفيض الرمزي” ترسخ لدى المواطن شعوراً بالعجز إلى جانب ضعف الشفافية في إدارة الموارد، ما يمكن أن يزيد من الاحتقان الاجتماعي وتتراجع ثقة الناس بالجدوى من الإصلاح الاقتصادي المعلن عنه.
كذلك في حال صحت تلك التخمينات بأن رفع الأسعار مجرد خطوة شكلية وتكتيكية، فآثارها السلبية لن تقتصر على الجانب الاجتماعي بل ستمتد إلى الاقتصاد الوطني. لنوضح بشكل بسيط كيف تنعكس التخمينات من هذا النوع على الاقتصاد بشكل سلبي:
- غياب الوضوح في السياسات الاقتصادية يخلق حالة من عدم اليقين لدى شريحة من المستثمرين والمنتجين، ففي هذه الحالة لن يتمكنوا من بناء خطط طويلة الأمد في ظل هذا التقلب والتغير في الأسعار دون وجود منطق اقتصادي واضح توضع الخطط على أساسه.
- الارتباك في الأسعار على هذا الشكل، يؤدي إلى تباطؤ في النشاط الإنتاجي، ما يضاعف مخاطر الركود، تحديداً في القطاعات التي تعتمد على الطاقة كعنصر أساسي في التكلفة.
- التعامل في ظل هكذا قرارات اقتصادية إن صحّت التخمينات “قرارات شكلية”، قد تفقد السوق السورية الثقة بالتسعير الحكومي، ما يمكن أن يفتح أبواب المضاربات وارتفاع الأسعار غير المبرر في السلع والخدمات.
- الميزانية العامة لن تسلم كذلك، فالقرارات بالرفع ثم التخفيض سيعمق العجز بالميزانية العامة، في حال لم يترافق هذا الرفع مع إصلاحات هيكلية حقيقية في قطاع الكهرباء والدعم.
يشير الخبير الاقتصادي “جورج خزام” كذلك، أنه إذا كانت الغاية من مضاعفة أسعار الكهرباء هي تحضير سوق رابحة لبعض المبشرين بالأرباح الفاحشة لشركات خاصة محلية أو أجنبية للاستثمار في توليد الكهرباء وبيعها، فهذا يعتبر كارثة مالية بحق السوريين.
فإن مضاعفة تعرفة الكهرباء هو تحضير لخصخصة قطاع الكهرباء حتى يصبح دخول شريك من القطاع الخاص يحقق أرباح فاحشة له وخاصة عند تركيب المستثمر على سبيل المثال لتوربينات هوائية يابانية أو ألواح طاقة شمسية تكلفة الكيلو واط فيها منخفضة جداً ليبيع الكهرباء بأضعاف تكلفة توليدها، بالمقارنة مع تكاليف التوليد من المحطات الحرارية التي تعاني من الهدر وتقادم المولدات، فإن مضاعفة تعرفة الكهرباء هو مقدمة لتضاعف أسعار كل البضائع والخدمات ومنها الإنترنت.
بالمحصلة، في ظل الجدل القائم حول ارتفاع اسعار الكهرباء تظهر الحاجة الملحة إلى الاعتماد على مقاربة متوازنة تبنى على أرقام واقعية، تضمن حماية المواطن وتحفيز الاقتصاد في الوقت ذاته. فعند زيادة أسعار الكهرباء في سوريا على الشكل التالي من المفترض أن ترفع الأجور والمعاشات في البلاد بنسبة تتراوح بين 150% إلى 170% من نسبة الرفع في تعرفة الطاقة، لأن هذه النسبة تمكن المواطنين من تعويض جزء كبير من الزيادة في تكاليف المعيشة دون أن يحدث تضخم كبير في السوق. فالنسبة المقترحة تبتعد بالموازنة العامة عن العجز، أما في حال كانت زيادة الأجور موازية لزيادة الأسعار، فالموازنة ستكون أمام عجز لا محالة.
كذلك على الأسعار أن لا تتجاوز في الرفع نسبة 15% في كل مرة زيادة، فذلك ضروري لتجنب الصدمات الاقتصادية، فالارتفاع بالنسبة المذكورة يساعد القطاعات الزراعية والصناعية والانتاجية على التكيّف مع التكاليف الجديدة دون أن تتوقف عجلة الإنتاج، أو تقفز الأسعار بشكل جنوني. بهذه النسب المدروسة يمكن أن يتحول رفع أسعار الكهرباء في سوريا من عبء حقيقي يثقل كاهل المواطن والاقتصاد إلى إجراء إصلاحي حقيقي يضع نصب عينيه مصلحة الدولة والمواطن والموازنة بينهما، بدلاً من مفاقمة الضائقة المالية والمعيشية.









