أسعار العقارات في سوريا .. باب للادّخار أم الركود؟

بقلم: ديانا الصالح
تشهد أسعار العقارات في سوريا ارتفاعاً جنونياً متبايناً من منطقة إلى أخرى، فتحديد السعر يقوم على مواصفات المنطقة ومركزها، وما تحتويه من بنية تحتية تجعلها هدفاً للاستثمارات طويلة الأمد، وإذا أخذنا مدينة دمشق على سبيل المثال، نستنتج أنها تتربع عرش قائمة أكثر المناطق السورية ارتفاعاً بأسعار العقارات، خاصة في المناطق التي يسميها معظم الاقتصاديين أحياء النخبة كمنطقة المالكي وأبو رمانة.
كما يمكننا ملاحظة عدم استقرار أسعار العقارات في سوريا، نتيجة لسعر الصرف، فهي بحالة تغيير يومي يعكس صعوبة تحديد السعر الحقيقي إلا عند البدء بعملية البيع والشراء.
من جهة أخرى، تخلق هذه الزيادة الجنونية بالأسعار والتي طالت مختلف المدن السورية، ركوداً ملحوظاً في حركة البيع والشراء، ما يعكس انعداماً شبه كامل للقدرة الشرائية للمواطنين.
لتعرف أكثر عن سوق العقارات السورية وآثار الارتفاع الهائل، تابع مقالنا التالي..
تبعات أسعار العقارات في سوريا
لارتفاع أسعار العقارات الجنوني، آثار اقتصادية جمّة، وفق ما يرى الخبراء الاقتصاديون، أبرزها كما يلي:
ارتفاع الطلب المضاربي:
التدهور الاقتصادي السوري تجلى بانخفاض قيمة العملة السورية وارتفاع معدل التضخم، ونتيجة لذلك تحولت العقارات إلى الوسيلة الأكثر تداولاً وأماناً للمضاربة، إذ تمكن متبعو هذه الوسيلة من تجميد عوائدهم المالية إضافة إلى حفظ قيمتها من التآكل التدريجي، وهذا ما يعزو ارتفاع الطلب غير المسبوق مع الزيادة الخانقة في أسعار العقارات.
الركود الاقتصادي:
تأثر كلٌّ من إنتاج الاقتصاد المحلي والحركة التجارية بالزيادة الجنونية في أسعار المحلات التجارية والإيجارات، إذ بلغ الارتفاع في عدة مناطق وشوارع رئيسية نسبة 300% إلى 500%، ما أدى إلى عزوف صغار التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة عن العمل واضطرارهم للانتقال إلى أماكن أقل تكلفة.
تآكل القدرة الشرائية:
الارتفاع “الجنوني” لأسعار العقارات والإيجارات يجعل متوسط دخل الأسرة السورية لا يكفي لتغطية إيجار شهر واحد، مما يلتهم المدخرات ويقضي على أي قدرة على الإنفاق أو الادخار في قطاعات أخرى.
انعدام القدرة على الادّخار:
كما أن تحليق أسعار العقارات الجنوني مع الارتفاع غير المسبوق بالإيجارات، أفضَى إلى تآكل القوة الشرائية، وذلك كون متوسط الدخل الشهري للأسرة السورية، لا يغطي الإيجار الشهري الواحد، وهذا ما يفسر انعدام القدرة على الإنفاق في مجالات أخرى.
الآثار الاجتماعية
في سياق متصل، يؤكد الاقتصاديون تأثير ارتفاع أسعار العقارات على المستوى الاجتماعي أيضاً، متجلّياً بعدّة أشكال منها:
- تعدّت قضية الحصول على منزل كونها بعيدة عن متناول يد المواطنين السوريين، لتغدو حلماً لغالبيتهم، وهذا ما أفضى إلى أزمة سكنية معقدة وخانقة.
- كما نتج عن الزيادة الهائلة بأسعار العقارات في المدن تحوّل في التوزيع الديموغرافي، نتيجة لعزوف الأسر السورية عن الشراء والاستئجار في المدن، وتوجههم نحو الأرياف والأماكن الأرخص للسكن، وهذا ما خلق ضغطاً متزايداً في البنية التحتية بهذه المناطق.
- إضافة إلى الفجوة والمظلومية الاجتماعية، فالارتفاع الجنوني بأسعار العقارات في سوريا، يحصر القدرة الشرائية بيد فئة محدودة كالمغتربين والتجار، مقابل معاناة فئة كبيرة من الأزمة السكنية الخانقة.
- فضلاً عن الآثار الاجتماعية المتمثلة بخطر عزوف الشباب عن الزواج أو تأجيله نتيجة لصعوبة تأمين السكن، إضافة إلى تزايد ظاهرة السكن المشترك فالكثير من الأسر السورية تعتمد على تركيز أكثر من عائلة في بيت واحد.
العقارات في العاصمة
تتباين أسعار العقارات في المناطق الأكثر أهمية بمدينة دمشق بشكل كبير، ورغم ما مرت به هذه المدينة الحضارية من أزمات متلاحقة إلا أنها بقيت محافظة على جاذبيتها العقارية، وفق ما أشارت إليه الكثير من البيانات التقديرية.
تأتي أحياء المالكي وأبو رمانة في رأس القائمة للأسعار المرتفعة، حيث وصلت أسعار الشقق السكنية فيها إلى رقم صادم يقدر بأكثر من 500,000 دولار، كما أنها مصحوبة بانكماش العرض والطلب المتزايد، وهذا ما يجعلها محط أنظار المستثمرين كفرصة استثمارية آمنة على المدى الطويل.
كما تتزايد أسعار الشقق السكنية المتوسطة في منطقة المزة، كونها الواجهة الدبلوماسية للعاصمة، فضلاً عن كونها المركز الرئيسي للمؤسسات، حيث تبلغ ما بين 100,000 و240,000 دولار، مقابل وصول أسعار الفيلات إلى عتبة 1,000,000 دولار، وهذا ما يشير إلى ارتباط زيادة الأسعار بعوامل المركزية والاستقرار فضلاً عن الجهوزية الممتازة للبنية التحتية.
فيما تبدأ أسعار الشقق في مشروع دمر من 90,000 دولار، ليشكل خياراً مثالياً للفئات المتوسطة والأغنياء، بينما يعتبر كل من القابون برزة إضافة إلى جوبر الخيار الاستثماري الأكثر حذراً، وتبدأ أسعار الشقق السكنية فيها من مبلغ 20,000 دولار.
سوق متباين
يتفاوت متوسط سعر الشقة السكنية بمساحة 100 متر مربع، في الطابقين الأول أو الثاني من منطقة إلى أخرى حسب المدينة والموقع:
حيث يصل السعر في مدينة حلب ضمن أحياء الحمدانية وصلاح الدين 150 إلى 175 مليون ليرة سورية، بينما تصل أسعارها إلى 300 و500 مليون ليرة ضمن أحياء العزيزية والسليمانية.
بينما يبدأ سعر الشقة في أحياء اللاذقية كالشيخ ضاهر والمشروع السابع من 200 مليون ليرة وصولاً إلى 400 مليون، مقابل تفاوت الأسعار في مدينة حمص فأحياء الإنشاءات والميدان سجلت سعراً يتراوح بين 200 إلى 500 مليون.
كما أن ثمن الشقق السكنية في غالبية مناطق دير الزور يصل إلى 150 و 175 مليون ليرة سورية، بالتالي لوائح الأسعار بمختلف المناطق السورية تتبع معايير الإكساء الجيد والبنية التحتية الجيدة.
ختاماً، نرى أن الارتفاع الجنوني بأسعار العقارات في سوريا، يتخطى كونه مجرد مشكلة عابرة، بل هو أزمة خانقة حالت دون تحقيق الأمان الاجتماعي والاقتصادي لغالبية المواطنين السوريين، فامتلاك المنزل بات حلماً صعب المنال للكثيرين، فضلاً عن زيادة الفجوة والمظلومية الاجتماعية، بالتالي لا بد من الوقوف عند هذه الأزمة والعمل على حلها بشكل جدي لتحقيق التوازن العقاري.
اقرأ أيضاً: تقديم خدمة الممنوعين من التصرف في مركز خدمة المواطن العقاري









