أعمال واستثمار

أسعار الدولار والذهب: انخفاض قبل الصعود أم استقرار دائم؟

بقلم هلا يوسف

تفاؤل حذر يسود السوق السورية بعد الانخفاض الكبير نوعاً ما في أسعار الذهب والدولار، وسط تراجع عالمي الذي تزامن مع التهدئة التي تعيشها الاوضاع الإقليمية. لكن جرت العادة أن يعيش السوريون الانخفاض الكبير قبل الارتفاع الأكبر. وهذا ما يدفعنا لسؤال مهم: هل هذا التراجع حقيقي وثابت، أم سنشهد عودة لارتفاع الأسعار في المحركين الأساسيين للأسواق؟ وهل ما زال الدولار والذهب مصدر أمان لادخار الأموال؟

لفهم المشهد الكامل نحتاج أن نرتب الأحداث، وأن ننظر إلى العوامل الداخلية والخارجية التي تلعب في الأسعار، مثل السيولة والطلب، وأيضاً أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد العامل الأساسي في ارتفاع وانخفاض الدولار.

حركة الدولار بين السوق الموازية والسعر الرسمي

سجل الدولار في السوق الموازية خلال الفترة الأخيرة 13,500 ليرة سورية للشراء و13,600 للمبيع (بالليرة السورية القديمة)، وهذا يعني وجود نوع من التراجع عند مقارنته بالفترة السابقة. بينما قام مصرف سوريا المركزي برفع السعر الرسمي للدولار من 116 إلى 119 ليرة سورية جديدة، مع قلص هامش التذبذب من 15% إلى 9%.

عند تحليل هذه الخطوة لا يمكن أن نعتبرها عادية، بل هي إشارة إلى محاولة تقليل الفرق بين السوق الرسمية والموازية، أي الاقتراب أكثر من الواقع الفعلي لحركة السوق. فيصبح تصريف الدولار في السوق السوداء قريب من المركزي، وبالتالي قد يفضل الكثيرون التوجه نحو السوق الرسنية للتصريف بدلاً من السوداء.

على الرغم من النظرة الإيجابية للخطوة السابقة، إلا أن الخبير الاقتصادي محمد إياد حجة يرى أن هذا التحسن في سعر الليرة لا يمكن اعتباره اتجاهاً ثابتاً بعد. لأن الأسواق بحسب رأيه لا يمكن قياسها خلال يوم أو أسبوع، فالتغيرات السريعة قد تكون نتيجة عوامل مؤقتة وليست تحولاً اقتصادياً حقيقياً.

ويشرح حجة أسباب التراجع الأخير للدولار بثلاثة عوامل رئيسية أولها انخفاض الطلب على الدولار داخل السوق المحلية، سواء من التجار أو الأفراد، الذي ترافق مع زيادة المعروض من القطع الأجنبي نتيجة تدفق الحوالات الخارجية وقيام بعض الأفراد ببيع الدولار لتأمين السيولة. بالإضافة إلى تراجع المضاربات التي كانت تضغط على سعر الليرة وتسبب ارتفاعات سريعة في السابق.

ويضيف أن استقرار الليرة بشكل حقيقي يحتاج إلى عوامل أعمق، مثل تحسن الإنتاج والصادرات، وتدفق مستمر للعملة الأجنبية، وليس فقط تغيرات قصيرة الأمد في العرض والطلب.

لماذا يتراجع الذهب في سوريا؟

بالنسبة للذهب، فارتباطه وثيق بالدولار، وكحال الدولار شهد تراجعاً واضحاً في السوق المحلية. فقد بلغ سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 15,500 ليرة سورية للمبيع و15,100 للشراء، بينما سجل عيار 24 نحو 17,800 ليرة للمبيع، وعيار 18 حوالي 13,300 ليرة.

وهنا لا يمكن تحليله بمعزل عن العوامل الخارجية التي تؤثر بأسعاره بشكل كبير. فبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور معروف الخلف يسير الذهب في طريقين متوازيين، الأول السعر العالمي للأونصة، والظروف المحلية داخل سوريا.

فيرى الخلف أن أي انخفاض في السعر العالمي ينعكس على السوق السورية، لكن هذا الانعكاس لا يكون فورياً دائماً، بل يتأثر بعوامل داخلية مثل العرض والطلب والسيولة.

والذهب بالنسبة للسوق السورية يتأثر بحركة العرض والطلب، فعندما يزداد عرض الذهب في الأسواق أو يقل الطلب عليه، تنخفض الأسعار بسرعة. أما عند ارتفاع الطلب فيرتفع السعر حتى لو كان السعر العالمي مستقراً.

كما يلعب حجم السيولة النقدية المتوفرة لدى الناس دوراً مهماً، فعندما يزيد الإقبال على شراء الذهب، وعندما تتراجع السيولة يتراجع الطلب بشكل مباشر، حتى لو كان الذهب عالمياً مستقراً.
أما بالنسبة لواقع السعر الحالي للذهب، فإنه يمر بحالة تقلب قد تكون متوسطة إلى مرتفعة، مع احتمال استمرار التراجع على خلال الفترة القصيرة القادمة، قبل أن يعود للصعود إذا تحسنت الظروف العالمية.

ماذا يحدث عالمياً؟ ولماذا يضغط الدولار على الذهب؟

عندما نقول حركة الذهب العالمي يجب أن ننظر إلى قوة الدولار الأمريكي على الساحة الاقتصادية. فالمعروف أن الذهب مرتبط بأسعار الفائدة التي تقرها الولايات المتحدة الامريكية بالدولار.

وللتوضيح أكثر، عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة، تصبح السندات الأمريكية أكثر جاذبية للمستثمرين، لأنها تعطي عائداً مباشراً. في الوقت الذي لا يعطي فيه الذهب عائداً، لذلك تقل جاذبيته. أما قوة الدولار تجعل شراء الذهب أكثر كلفة على المستثمرين خارج الولايات المتحدة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي عليه.

وعند العودة إلى التقارير الاقتصادية مثل بلومبرغ ورويترز فنلاحظ أنها تشير إلى أن الأسواق لم تعد تنظر إلى الذهب فقط “كملاذ آمن” كما في السابق، بل أصبحت تربط تحركاته بشكل أكبر بتوقعات الفائدة والتضخم.

حتى التوترات الجيوسياسية التي كانت تدفع الذهب للصعود بسرعة، أصبح تأثيرها اليوم أقل مباشرة، لأن المستثمرين يركزون على ما ستفعله هذه الأزمات بالسياسة النقدية وليس على الخوف فقط.

هل هذا التحسن في الليرة والذهب مستمر؟

على الرغم من كل المؤشرات الإيجابية التي ترافق انخفاض أسعار الدولار والذهب، إلا أنه لا بد من التأكد بأنها تحسن حقيقي وليس مجرد موجة مؤقتة. وهنا يشير محمد إياد حجة أنه من المبكر أن نحكم على السوق، لأنه بالأصل قد يكون متأثر بزيادة الحوالات أو انخفاض مؤقت في الطلب.

ويضيف حجة أن الاستقرار الحقيقي لليرة السورية يحتاج إلى زيادة الصادرات السورية، وتحسن الناتج المحلي، وتدفق مستمر للعملات الأجنبية، مع تقليل الاعتماد على الاستيراد بالدولار.

من جهته، يرى مدير أحد المصارف الخاصة في سوريا  أن التراجع الحالي في الدولار يحتاج إلى مراقبة دقيقة، لأنه لا يستند حتى الآن إلى بيانات اقتصادية واضحة. ويرى أن الإجراءات الأخيرة لمصرف سوريا المركزي، مثل تعديل السعر الرسمي وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى دعم اقتصادي حقيقي لتتحول إلى استقرار دائم.

بينما اتخذ الخبير الاقتصادي جورج خزام رأياً حاداً للتحسن الحالي. وأكد أن ما يجري في السوق لا يمكن اعتباره تحسناً اقتصادياً حقيقياً، بل حركة مضاربات مؤقتة قد تعطي انطباعاً غير صحيح عن قوة الليرة.

يرى خزام أن كثيراً من الناس قد ينجذبون إلى ما يبدو أنه “انتصار مؤقت” للعملة المحلية، لكن دون الانتباه إلى أن هذا الانخفاض في سعر الدولار لا يرتبط بتحسن فعلي في الإنتاج أو الاقتصاد، بل بعوامل ظرفية مثل تغييرات تسعير المحروقات أو الأخبار الاقتصادية المؤقتة أو حتى حركة السوق غير المنظمة.

ويحذر خزام من أن جزءاً من هذه التحركات قد يكون مدفوعاً من صرافين ومضاربين في السوق، خصوصاً عبر صفحات غير رسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم بحسب رأيه شراء الدولار من المواطنين بسعر منخفض في لحظات الهبوط، مما يؤدي إلى خسائر على من يبيع مدخراته دون فهم اتجاه السوق الحقيقي.

ومع غياب منصة رسمية منظمة لتداول الدولار تزيد حالة الاضطراب، وتترك المجال مفتوحاً أمام المضاربات، بدلاً من وجود سوق واضحة يمكن من خلالها حماية مدخرات الناس من التقلبات الحادة.

ويشرح الفكرة بطريقة بسيطة قائلاً أن المضاربين يحققون أرباحهم من فرق الأسعار، فكلما انخفض الدولار مؤقتاً، قاموا بشرائه بسعر منخفض ليعيدوا بيعه عند ارتفاعه، مما يعني أن انخفاض 50% مثلاً في السعر قد يتحول إلى أرباح مضاعفة للمضاربين عند عودة السعر للصعود، وبنسبة قد تصل إلى ضعف نسبة الهبوط.

في الختام، التحسن الحالي لسعر الدولار والذهب محكوم بالعوامل الداخلية أكثر من العوامل الخارجية، فعندما يكون الاقتصاد قائماً على دعم الإنتاج ومحاربة المضاربات، تصبح الليرة أقوى أمام الدولار، ويصمد التحسن لفترة أطول. أما أن يترك السوق في مهب التغييرات، لن تطول مدة الاستقرار الحالي، وقد تعود أسعار الدولار والذهب للارتفاع بشكل أكبر مما كانت عليه.

اقرأ أيضاً: سوق العملة في سوريا: الدولار يقفز مجدداً… ما انعكاساته الاقتصادية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى