المجتمع السوري

الخضار بالحبة في دمشق: الخبراء يحذرون من القادم، هل تتحول السلطة إلى رفاهية؟

بقلم: ديانا الصالح

في مشهد يعكس خيبة أمل المواطن السوري، تتضاعف أسعار الخضراوات في دمشق وريفها بشكل حادّ مع اقتراب حلول عيد الفطر، وما بين تبريرات التصعيد في المنطقة وتكاليف الإنتاج وتعدد الوسطاء تبرز تحذيرات جدية من موجة تضخم غذائي هي الثانية من نوعها في سوريا، وفي هذا السياق يثور تساؤل ملحّ: من المسؤول الأول عن هذه الأزمة وما هي الحلول الواجب اتباعها لحماية ما تبقى من القدرات الشرائية؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

ارتفاع أسعار الخضراوات في دمشق

ارتفعت أسعار الخضراوات في دمشق وريفها بشكل جنوني خلال الأيام الأواخر من شهر رمضان، مما أدى إلى تغيير أنماط شراء المستهلكين لتقتصر على الحبة والحبتين، وسط حالة من الاستنكار الشعبي لما آلت إليه الأسواق رغم التوقعات السابقة بانخفاضها بعد اليومين الأولين للشهر الكريم.

وقد تكررت التطمينات التحليلية والرسمية بأن حالة الارتفاع متوقعة ويُرجّح انتهاؤها بعد أيام من رمضان، وهذا ما توقعه في وقت سابق، رئيس لجنة مصدري وتجار الخضراوات والفواكه في محافظة دمشق، محمد العقاد، الذي ربط الزيادة السعرية بالموسم الرمضاني والاندفاع الشرائي الأول، الذي سيتباطأ بعد أيام وتنخفض معه الأسعار.

وفي هذا السياق، أشار العقاد إلى أن المعروض في السوق يتفوق على حجم الطلب، فهناك وفرة كبيرة في المواد، بالتالي سبب الارتفاع يرتبط بالحركة الشرائية الموسمية المؤقتة، حسبما يعتقد، إلا أن تصريحاته اليوم اختلفت بتباين الحال وتعدد الأسباب الجديدة، وهذا ما سنتناوله في سطورنا القادمة.

ويأتي هذا الارتفاع في ظل تراجع القدرة الشرائية وتراكم الأزمات المعيشية التي تثقل كاهل المستهلكين والمزارعين على حدّ سواء، فالمزارع لا حيلة له مقابل جشع التجار الذين يتحكمون بالأسعار ويتلاعبون بها، حسبما يرى مراقبون.

إذاً لم تعد تبريرات بداية الموسم وزيادة استهلاك الخضراوات والاندفاع الشرائي الأولي كافياً لقراءة أسباب الارتفاع، فها قد اقترب الشهر الكريم على النهاية، وبدأ ضغط جديد على المستهلكين يلوح بالأفق مع قدوم عيد الفطر وما يرافقه أيضاً من غلاء فاحش بأسعار الملابس والحلويات.

وهذا ما تنقله لسوريا اليوم 24 السيدة عبير السالم من سكان المعضمية، حيث تؤكد أن تكلفة أقل طبخة تبدأ من 100 ألف ليرة سورية، مشيرةً إلى الغلاء الأكبر الذي بدأت ملامحه على محلات الألبسة مع اقتراب عيد الفطر، فتجهيز ولد واحد من أطفالها يحتاج إلى مليون ليرة سورية، وهذا ما يعادل راتب زوجها بالكامل تقريباً.

أما عن أسعار الخضراوات في دمشق، فتبين لنا السالم أن كيلو الكوسا وصل إلى 25 ألف ليرة، بينما الخيار 15 إلى 20 ألف، والباتنجان 25 ألف، فيما بلغ سعر من البطاطا 15 ألف وأحياناً 18 ألف، أما البندورة فوصلت إلى 22 ألف ليرة، كما تؤكد السالم التفاوت الملحوظ في الأسعار بين مكان وآخر، ما يعكس ضعف الرقابة التموينية والتلاعب السعري، مشيرة إلى الاستعاضة عن طبق الفتوش بخيارات أكثر اقتصادية.

المحروقات والحرب

يشير عدد من الباعة إلى أن تضاعف أسعار الخضراوات في دمشق مع نهاية شهر رمضان، مرتبط بسيطرة السماسرة ومزارعي البيوت البلاستيكية على الأسعار خلال فصل الشتاء، إلى جانب الطقس البارد وارتفاع أجور النقل، الأمر الذي أدى إلى تغير حركة السوق وضعف الشراء، حيث بات الأهالي يشترون بالحبة لإعداد وجبة تتناسب مع قدراتهم ودخلهم.

في حين يبرر التجار ذلك الارتفاع، بزيادة تكاليف المحروقات والنقل، وتضرر الإنتاج الزراعي بالجفاف، إلى جانب تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي زعزعت حركة الاستيراد وأدت إلى اضطراب التجارة، وفقاً لرأيهم.

كما ينوه عدد من التجار إلى تضرر الإنتاج الزراعي في الساحل السوري بموجة الصقيع، مما أثر بشكل سلبي على الكميات المتوافرة في السوق، وهذا ما يعكس فجوة بين تصريحات لجنة مصدري الخضار والفواكه محمد العقاد، والواقع الذي يتحدث عنه بعض التجار في التقارير المحلية.

وفي هذا الصدد، يوضح الباحث الاقتصادي رضوان الدبس، أن تداعيات الحرب الأخيرة من أبرز أسباب رفع أسعار الخضار والفواكه إلى جانب المواد الغذائية في البلاد، معلقاً على ارتفاع أسعار النفط، الذي أدى بشكل تلقائي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن بين المدن السورية والمناطق المجاورة.

وفي رأي موافق للدبس، يضع الخبير الاقتصادي يونس الكريم، الحرب في مقدمة أسباب ارتفاع الأسعار، عازياً ذلك إلى اعتماد سوريا الكبير على الاستيراد بنسبة 80% تقريباً، بالتالي التصعيد الأخير ضغط على الأسواق المحلية بعد ارتفاع أجور النقل والشحن وفقاً لقوله.

كما يؤكد الخبير الاقتصادي أن تأثير قرارات حكومية متعلقة بمرور الشاحنات نحو الدول المجاورة، له علاقة أيضاً بارتفاع أسعار الخضراوات في دمشق وسوريا عموماً.

في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي كرم الشعار أن ارتفاع الأسعار يرتبط بشكل وثيق بضعف القدرة على تنظيم السوق إلى جانب عدم وجود آليات محددة لضبط جماح الأسعار، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والبرودة، قد يزيد الأسعار ولكن بحدود معينة، وفقاً لرأيه، أي أنها ليست مبررات كافية.

ويرجّح الشعار أن السبب الرئيسي لموجة الغلاء التي يشهدها السوق، يكمن في تعدد حلقات البيع، فالمنتج يمرّ بأكثر من وسيط ويتعرض لتعديلات عديدة في سعره النهائي، قبل وصوله لمتناول يد المستهلك.

أما بالنسبة للحلول المقترحة، فيوضح الخبير أن الأمر يعود إلى التوجه الجدي نحو تنظيم حركة الأسواق، إلى جانب اختصار حلقات البيع وتعزيز دور الرقابة، لحماية المستهلكين وضمان عدم تحميلهم أعباء التقلبات الاقتصادية لتعويض خسائر التجار.

اقتصاد السوق الحر

ينتقد باحثون اقتصاديون سياسة تطبيق السوق الحر، وآثارها السلبية على السوق المحلي، لا سيما أنها تعطي فرصة أكبر لتحكم التجار بالأسعار مع غياب الدورة الاقتصادية الفعلية وفقاً لرأيهم.

وفي صعيد متصل، يؤكد الباحث الاقتصادي علي عبدالله، أن الاقتصاد الحر في سوريا يقوم في ظل دورة اقتصادية طفيلية، مؤكداً أن تطبيقها أرعن ولا يستند إلى قوانين مدروسة وعلمية، مما يؤدي إلى تخبط الأسعار وانعدام التوازن الطبيعي ضمن السوق، نتيجة لتسلّط وجشع التجار الذين تربطهم علاقات وثيقة بجهات حكومية تضمن لهم التأثير في قراراتها على حدِّ قوله.

كما يشير عبدالله إلى وجود عدة أسباب كامنة وراء ارتفاع الأسعار، أبرزها منع الاستيراد والسماح للتجار بالتلاعب السعري والاحتكار وسط ضعف الرقابة وانعدام التنافسية الذي يلعب دوراً كبيراً في رفع الأسعار لتحقيق مآرب التنسيق الجشع.

أسعار حادة

تضاعفت أسعار الخضراوات بشكل حادٍ مع نهاية رمضان واقتراب عيد الفطر، وبمقارنة سريعة عما كانت عليه في أوائل رمضان، تبين وصول سعر كيلو الكوسا إلى 18 و25 ألف، بعد أن كان يبلغ 11 و15 ألف، أما كيلو البندورة فقد تخطى حاجز 22 ألف بعد أن كان بحوالي 8000 ليرة، وهنا تجدر الإشارة إلى مقاطعة العديد من الأهالي لهذه المادة لحين انخفاض سعرها وعودة موسمها.

بينما يتراوح سعر الباذنجان بين 20 و25 ألف ليرة، مقارنة بحوالي 11 إلى 13 ألف، وكيلو الليمون بلغ سعره نحو 21 و25 ألف بعد أن كان يتراوح بين 11 و18 ألف ليرة، الخيار والبطاطا وصل سعرهما إلى حوالي 15 ألف، فيما لا يزال سعر الزهرة كما هو 5 آلاف ليرة.

بالنسبة للخضراوات الورقية، فقد شهدت أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً، حزمة النعناع وصلت في بعض الأسواق إلى 4 آلاف ليرة، بعد أن كانت حوالي 2000 إلى 3500 ليرة، والبقدونس نحو 2000 ليرة مقابل 1500 في بداية رمضان، فيما يبلغ سعر الخسة الواحدة نحو 5 آلاف ليرة.

أما أسعار الفواكه، فوفقاً للفواكه الأكثر شعبية بين الأسر ذات الدخل المحدود، تبيّن بقاء سعر الكرمنتينا على حاله 10 آلاف ليرة، بينما ارتفع سعر الموز إلى 15 و16 ألف ليرة مقارنة بسعر 10 آلاف و14 ألف في بداية رمضان، أما البرتقال فقد وصل الكيلو إلى 12 و13 ألف مقارنة بحوالي 9 آلاف.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الله أن ارتفاع أسعار الخيار والبندورة طبيعي في فضل الشتاء، كونها تزرع في غير موسمها ضمن بيوت بلاستيكية، مشيراً إلى استخدام المزارعين لمبيدات تسرّع عملية نضوجها لطرحها بشكل أسرع إلى السوق، مما يفقد طعمها.

وعن الحلول المقترحة لضبط أسعارها، يشدد عبد الله على ضرورة فتح باب استيرادها من الأردن لتنظيم وضبط السوق، والحد من ارتفاع الأسعار، إلى جانب قطع الطريق أمام المزارعين بطرحها قبل النضوج الكامل وسط المنافسة التي يمكن أن تفرضها البندورة الأردنية.

ولكن ذلك يتعارض مع قرار الأردن بمنع تصدير الخضار والفواكه، مما يفتح جدلاً واسعاً حول الخطط والوعود المليارية بتحسين وضع البلاد وإعادة إعمارها، حيث يشير خبراء اقتصاديون إلى وجود تقاعس حكومي واضح في دعم الإنتاج الزراعي، مما يجعل البلاد تتأثر بأي مطب خارجي، وهذا ما تترجمه الخطة الاستراتيجية الخمسية التي أطلقتها وزارة الزراعة، فغياب الأرقام وضبابية آليات التمويل والاستمرار في تخفيض الإنفاق الحكومي على المجال الزراعي، سيؤدي حتماً إلى اختلال التوازن وانعدام اليقين بمستقبل زراعي أفضل وفقاً لرأيهم.

الحرب ومنع التصدير الأردني

في تصريحات جديدة لرئيس لجنة الخضراوات والفواكه في محافظة دمشق، يعزو ارتفاع الأسعار لا سيما الخضر المستوردة إلى التصعيد في المنطقة، وقرار الأردن بمنع تصدير الخضار والفواكه، الأمر الذي زاد الوضع سوءاً ورفع من حجم الأعباء.

ويؤكد العقاد ارتفاع أسعار الخضر والفواكه إلى نحو 20% منذ أسبوع، مقابل بقاء أسعار الملفوف والزهرة إلى جانب بعض الخضراوات الورقية على حالها، كون إنتاجها يغطي حجم الطلب في القطر.

تضخم غذائي يتطلب حلولاً عاجلة

يوضح الخبير الاقتصادي محمد السلوم أن ما يحصل من زيادات سعرية يسمى اقتصادياً بالتضخم الغذائي الحاد، وهو بعيد عن الارتفاع الموسمي المعتاد نتيجة لدورات الطلب، وينتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب اختناق المعروض الناجم عن ضعف الإنتاج وتعقيدات رخص الاستيراد، مع ارتفاع الطلب الموسمي في رمضان في ظل هشاشة البيئة التضخمية، فضلاً عن الإرث التضخمي منذ عام 2019 مما أسفر عن إضعاف الليرة السورية وتآكل الأجور، بالتالي أي صدمة سعرية حتى لو كانت بسيطة ستؤدي إلى موجة غلاء.

كما يشير السلوم إلى إلى أثر التوترات الجيوسياسية على السوق المحلية، فالاقتصاد الهش الذي يعتمد على الواردات بشكل كبير لتغطية احتياجاته الأساسية من الأغذية والطاقة، سيتأثر بأي صدمة خارجية مما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، وفقاً لرأيه.

ويرى السلوم أن الدمج بين الحلول قصيرة المدى والإصلاحات العميقة بعيدة المدى، ضرورة للخروج من أزمة ارتفاع الأسعار الخانق، وذلك من خلال دعم السلل الغذائية الرئيسية، وإعادة النظر بقرارات وقوانين الاستيراد الخاصة باحتياجات المواطن اليومية ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب وضع قواعد ملزمة لتنظيم وتحديد هوانش الربح ضمن سلاسل التوريد، فضلاً عن السعي نحو تعزيز سعر الصرف والتعاون بين جميع الأطراف المعنية لإدارة ملف الأمن الغذائي السوري خاصة خلال الذروة.

وفي رأي موافق، يرى الخبير الأكاديمي عبد الرحمن محمد، أن سوريا تمر بموجة تضخم حادة هي الثانية من نوعها خلال فترة وجيزة، مما يستدعي تنفيذ إجراءات عاجلة لدعم الإنتاج والعمل على تنظيم السوق، أبرزها تفعيل الرقابة الجدية لسلاسل التوريد والحد من الاحتكار والمضاربة، إضافة إلى تحسين سعر الصرف واستقراره من خلال دعم احتياطات العملة الأجنبية وزيادتها، إلى جانب التحول من سياسة إدارة الأزمات إلى النمو عبر وضع استراتيجية وطنية شاملة.

بينما يحذر خبراء الاقتصاد مما يصفوه بموجة التضخم الغذائي الحاد، تتعدد تبريرات ارتفاع أسعار الخضراوات في دمشق التي تعاني من أزمة مركبة متعددة الأطراف، فمن تعدد حلقات البيع إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن نتيجة للحرب والأوضاع الخارجية، مروراً بضعف الرقابة التموينية، وصولاً إلى غياب السياسات بعيدة المدى، ليبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى سيحمل المواطن السوري أعباء التقلبات الاقتصادية؟

اقرأ أيضاً: انعدام الأمن الغذائي في سوريا .. هل دقّ ناقوس الخطر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى