المجتمع السوري

أزمة مياه أم أزمة إدارة؟ أسئلة مفتوحة حول تحلية البحر وخصخصة المورد الأهم

بقلم هلا يوسف

لا شك أن أزمة المياه وصلت إلى أقصاها خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد محصورة فقط في تراجع الهطولات المطرية أو تأثيرات التغير المناخي، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لوجود خلل في إدارة الموارد المائية، وتراكم مشاريع مؤجلة لم يتم تنفيذها في وقتها وانعدام السياسات الصحيحة. ومع كل إعلان جديد عن مشروع مائي كبير، يتجدد السؤال الأهم: هل يجري البحث فعلاً عن حلول مستدامة، أم أن البلاد تتجه تدريجياً نحو خصخصة المياه بوصفها خياراً سهلاً، وإن كان الأعلى كلفة والأكثر خطورة اجتماعياً؟

هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة مع الإعلان عن مشاريع تحلية مياه البحر وجلب المياه من الساحل، في وقت يؤكد فيه خبراء أن هناك بدائل أقل كلفة وأكثر عدالة، لم تستخدم بعد.

إجراءات حكومية تمهد لمسار جديد

كشف وزير الطاقة محمد البشير، يوم السبت 7 شباط، أن الاتفاق مع شركة “أكوا باور” يهدف إلى إنشاء محطة لتحلية مياه البحر، لضمان إيصال المياه العذبة من الساحل إلى جنوب سوريا. وأوضح أن هذه المشاريع تندرج ضمن إطار دعم التنمية المستدامة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي في القطاعات الحيوية.

ووصف البشير لقاءه مع الجانب السعودي بأنه “خطوة مفصلية ونوعية لتوسيع آفاق الشراكة بين سوريا والسعودية”، مؤكداً التزام الحكومة بالمضي قدماً في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع الطاقة والمياه.

وجاء ذلك بالتزامن مع انطلاق مراسم الإعلان عن عقود استراتيجية في عدة قطاعات حيوية بين الحكومة السورية والمملكة العربية السعودية، في قصر الشعب بدمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع. وأكد رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، في كلمته خلال الفعالية، أن هذا اللقاء شكل إعلاناً عن بدء مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري، مما يعكس عمق العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.

وقبل هذا الاجتماع بأشهر، كانت هيئة التخطيط والإحصاء ووزارة الطاقة قد بدأتا التحضير لدعم مشروع نقل مياه الساحل وتحلية مياه البحر، ضمن ما وصف بجهود تعزيز الأمن المائي. وناقش رئيس الهيئة أنس سليم مع معاون وزير الطاقة لشؤون المياه، المهندس أسامة أبو زيد، الإجراءات الفنية للمشروع والبرنامجين الزمني والمادي المقترحين، في ظل تصاعد أزمة المياه الناتجة عن التغيرات المناخية وتراجع الهطولات المطرية والثلجية.

وأكد سليم أن المشروع يشكّل خطوة استراتيجية على المدى القريب والبعيد، لدوره في تنويع مصادر المياه وضمان الإمدادات، لا سيما في المناطق التي تعاني نقصاً مائياً أو جفافاً، معلناً استعداد الهيئة لتقديم الدعم الكامل، بما في ذلك إعداد دراسات الجدوى والبحث عن مصادر تمويل.

وأوضح أبو زيد أن تحلية مياه البحر تعد خياراً حيوياً لتلبية الطلب المتزايد على المياه، وتسهم في تحقيق الأمن المائي، مؤكداً أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية استراتيجية كشفت عنها الوزارة أواخر آذار من العام الماضي، تقوم على التعاون الإقليمي والدولي، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، وتغيير أنماط الاستهلاك المائي.

لماذا نتجه نحو خصخصة المياه؟

لكن خلف هذا المسار المعلن يبرز تساؤل جوهري: لماذا يجري التركيز على مشاريع التحلية والجلب المكلفة، التي لا يمكن تنفيذها إلا عبر شراكات طويلة الأمد مع شركات كبرى، في وقت توجد فيه حلول أخرى أقل كلفة، وأكثر سيادة، وأبعد عن منطق الخصخصة؟

لطالما كان مشروع جلب فائض المياه من الساحل السوري إلى دمشق، بطول يقارب 250 كيلومتراً، أحد الحلول التي طرحتها الحكومات المتعاقبة عند تفاقم أزمة المياه، لكنه بقي حبيس الأدراج بسبب كلفته المرتفعة وتعقيداته التقنية. الأمر ذاته طبق على مشاريع جلب المياه من نهر الفرات أو تحلية مياه البحر، التي درست مراراً ولم تنفذ.

المدير السابق لهيئة الاستشعار عن بعد أسامة عمار، أكد أن أي نقاش جدي حول جلب المياه يجب أن يبدأ بإعداد موازنة مائية دقيقة لحوض الساحل، وتحديد الفائض الحقيقي، وتأثير المشروع البيئي، إضافة إلى دراسة متطلبات ضخ المياه لمسافات طويلة ورفعها إلى ارتفاعات تتجاوز 1000 متر قبل وصولها إلى دمشق. وأشار إلى أن مرور أكثر من ربع قرن على الدراسات السابقة غيّر كثيراً من المعطيات المناخية والتقنية، ما يستوجب إعادة التقييم من الصفر.

وشدد عمار على ضرورة دراسة البدائل كافة، من المياه الجوفية في المناطق المحيطة بدمشق، إلى إعادة النظر في سياسات حفر الآبار، ودراسة إمكان تنفيذ السدود، وعدم تجاهل حقيقة أن كثيراً من مناطق الساحل نفسها تعاني اليوم شحاً بالمياه.

أما الخبير المائي ووزير الري السابق نادر البني، فاعتبر أن جلب المياه من الساحل إلى دمشق مشروع معقد للغاية، يتطلب كلفاً ضخمة وأعواماً طويلة، داعياً إلى التركيز أولاً على خفض هدر المياه الذي يصل إلى 40%، وإنشاء محطات معالجة الصرف الصحي، ودعم التحول إلى الري الحديث.

وأشار البني إلى أن دمشق تعاني أزمة حادة نتيجة انخفاض تدفق مياه نبع الفيجة، موضحاً أن هناك حلولاً كانت مطروحة منذ عام 2016 عبر مؤسسة “جايكا” اليابانية، شملت إعادة تأهيل أنفاق المياه، واستثمار آبار ريف دمشق، وإعادة هيكلة شبكة التوزيع لرفع الإنتاجية إلى أكثر من 80 مليون متر مكعب سنوياً، وهي مشاريع لو تم تنفيذها لخففت الحاجة اليوم إلى مشاريع الجلب والتحلية.

بينما أثار إعلان إحياء مشروع جلب المياه من الساحل ردود فعل واسعة، رأت أن الحل لا يكمن في مشاريع عملاقة بتكلفة تتجاوز 3 مليارات دولار، بل في تنمية مستدامة ومتوازنة، والحد من الهجرة الداخلية، خصوصاً أن حوض دمشق بلغ حدوده الاستيعابية من السكان.

وأشار متخصصون إلى مفارقة أساسية وهي: كيف يطرح جلب مياه الساحل إلى دمشق، في حين تعاني مئات القرى الساحلية من العطش؟ وكيف يمكن الحديث عن فائض مائي في الساحل، بينما تشير الدراسات إلى هدر واسع لمصادر مائية غير مستثمرة، من ينابيع برية وتحت بحرية، وآبار غير مستغلة؟

كما عاد طرح مشروع نقل مياه الفرات إلى الواجهة بوصفه خياراً أقل كلفة وأكثر منطقية، كونه لا يتطلب رفعاً للمياه، ولا يؤثر في المخزون الجوفي، ويمكن إعادة التفاوض حوله في ظل تحسن العلاقات الإقليمية.

والجدير بالذكر أننا تناولنا في تحقيق سابق موضوع أزمة المياه وكمية مياه الأمطار المهدورة في الجبل والبحر، والتي بحاجة إلى مشاريع لخزانات تحت أرضية تخرجنا من الأزمة التي نحن بها الآن.

باختصار، ما يتفق عليه معظم الخبراء هو أن أزمة المياه في سوريا لا يمكن حلها بمشروع واحد، ولا عبر حلول تقنية معزولة، بل تحتاج إلى خطة وطنية شاملة لإدارة الموارد المائية، تعطي الأولوية لخفض الهدر، وحماية المصادر، وتنمية الأرياف، قبل الانتقال إلى خيارات مكلفة قد تفتح الباب واسعاً أمام خصخصة المياه. فالماء ليس مجرد خدمة، بل حق أساسي، وأي مسار لا يضع هذا الحق في صلب سياساته، قد ينجح في تأمين المياه لفئة، لكنه سيعمق الأزمة على مستوى المجتمع بأكمله.

اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى