أزمة الكازيات في سوريا.. لماذا يغيب البنزين وما الحلول الحقيقية؟

الكاتب: أحمد علي
عاد ازدحام محطات الوقود إلى الواجهة في نهاية حزيران 2026، مع طوابير امتدت في أكثر من محافظة، وتفسير رسمي يقول إن المواد متوافرة وإن المشكلة مرتبطة بضغط مؤقت على التزويد. فما حقيقة ما يجري؟
أزمة الكازيات في سوريا ماذا حدث؟
قالت وزارة الطاقة السورية في 30 حزيران إن ما تشهده بعض محطات الوقود هو حالة اختناق مؤقتة في عمليات التزويد، وأكدت أن المخزون الاستراتيجي متوافر وأن عمليات التخزين والنقل والتوريد مستمرة. وعزت الوزارة الازدحام إلى تغير مفاجئ في سلوك السوق بعد تداول إشاعات حول أسعار المحروقات، ما أدى إلى انخفاض مخزون عدد من المحطات ثم ارتفاع الطلب خلال فترة قصيرة. هذا هو السبب المباشر كما عرضته الوزارة. لكنه لا يفسر وحده هشاشة السوق أمام كل خبر عن السعر أو الكمية.
قبل أيام من الازدحام، أقرت وزارة الطاقة تخفيضاً في أسعار عدد من المشتقات النفطية تراوح بين أكثر من 14 و20 بالمئة. وبحسب البيانات المنشورة، انخفض سعر ليتر بنزين أوكتان 95 إلى 130 ليرة سورية جديدة، وبنزين أوكتان 90 إلى 125 ليرة، والديزل إلى 107 ليرات، كما انخفض سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1500 ليرة والصناعي إلى 2400 ليرة. هذه التخفيضات جاءت بعد اعتماد آلية مراجعة دورية للأسعار، مرتبطة بأسعار النفط وسعر الصرف وكلف الاستيراد أو الإنتاج والنقل والتشغيل.
السوق قرأ القرار قبل صدوره بطريقته الخاصة. بعض المستهلكين أجّلوا التعبئة بانتظار السعر الجديد، وبعض المحطات ترددت في طلب كميات إضافية حتى لا تتحمل خسارة عند هبوط السعر. بعد إعلان التسعيرة، عاد الطلب دفعة واحدة. عند هذه النقطة ظهر الازدحام، لأن المخزون الموجود في بعض المحطات لم يكن كافياً لامتصاص هذه العودة السريعة إلى الشراء.
الشركة السورية للبترول أوضحت، وفق ما نقل الإعلام المحلي، أن بعض أصحاب المحطات أحجموا عن سحب الطلبيات وفرغت مخزوناتهم بعد الإشاعات، ثم عاد الطلب بعد صدور التسعيرة الرسمية. وقال إن باب التزويد للمحطات فُتح دون سقف مع استمرار النقل والتوزيع. هذه الإجراءات قد تخفف الضغط سريعاً إذا كان الخلل محصوراً في سلوك الطلب والتوزيع القريب. أما إذا تكرر المشهد مع كل تعديل سعري، فالمشكلة تصبح في طريقة إدارة السعر والمخزون معاً.
أين تبدأ المشكلة؟
الخلل القريب واضح. الناس تخاف من انقطاع المادة، فتتجه إلى التخزين أو التعبئة قبل الحاجة. المحطات تخاف من خسارة سعرية، فتؤجل الطلبات عندما تسمع بقرار قريب. الوزارة تضخ كميات إضافية بعد ظهور الازدحام. هذه السلسلة تصنع طابوراً حتى عندما يكون الوقود موجوداً في المخازن أو في طريقه إلى المحطات.
لكن خلف هذا الخلل اليومي توجد مشكلة أعمق. قطاع المحروقات السوري يعمل بعد سنوات طويلة من الحرب وتضرر البنية التحتية وتراجع الإنتاج وصعوبة التمويل والاستيراد. البنك الدولي أشار إلى أن الحكومة السورية استعادت في شباط 2026 السيطرة على مناطق رئيسية للنفط والغاز، ما رفع حصتها من الإنتاج الوطني من نحو 20 إلى 88 بالمئة.
وهذه نقطة مهمة، لكنها لا تعني أن الوقود المحلي صار كافياً فوراً. وكالة رويترز نقلت في كانون الثاني عن رئيس الشركة السورية للبترول أن إنتاج الحقول كان أقل من 100 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 400 ألف برميل يومياً قبل 2011، وأن حقل العمر كان ينتج 5 آلاف برميل يومياً فقط بعدما كان قادراً سابقاً على 50 ألفاً.
هذا الفارق يشرح جانباً من حساسية السوق. عندما يكون الإنتاج المحلي محدوداً، وتحتاج المصافي إلى صيانة وتحديث، وتبقى البلاد مرتبطة بجزء من حاجتها عبر الاستيراد والنقل البحري والبري، يصبح أي اضطراب في السعر أو السلوك أو الشحن مؤثراً بسرعة. أسعار الطاقة العالمية نفسها تحركت بعنف في 2026 مع توترات الشرق الأوسط وإغلاق أو اضطراب بعض المسارات البحرية، وتحدث البنك الدولي عن توقعات بارتفاع أسعار الطاقة 24 بالمئة في 2026. بلد مثل سوريا لا يستطيع عزل سوقه المحلي عن هذه الكلفة.
لهذا لا يكفي أن تقول الجهات الرسمية إن المخزون متوافر. المطلوب أن يكون هذا المخزون قادراً على الوصول إلى الكازيات في الوقت المناسب، وأن تكون المحطة ملزمة بسحب الكميات وبيعها وفق آلية واضحة، وأن يعرف المواطن متى يصل الدور إلى منطقته ومحطته. غياب المعلومة الدقيقة يفتح الباب أمام الشائعات، والشائعة في سوق الوقود تتحول سريعاً إلى طلب زائد.
حلول أبعد من زيادة الضخ
الحل الإسعافي يبدأ بزيادة التوريد إلى المحطات التي شهدت ازدحاماً، وفتح باب السحب عند الحاجة، ومراقبة المحطات التي تتوقف بلا سبب واضح أو تؤجل الطلبات. هذه إجراءات ضرورية في الأيام الأولى، لكنها تبقى معالجة قصيرة إذا لم تتغير طريقة إدارة السوق. كل تعديل سعري يجب أن يرافقه إعلان واضح عن كميات التزويد، وجدول توزيع للمحافظات، وآلية تحمي المحطات من خسارة المخزون عند خفض السعر، أو تمنعها من الاحتكار عند رفعه.
تحتاج السوق أيضاً إلى حد أدنى إلزامي من المخزون التشغيلي في المحطات والمستودعات المحلية. وجود هذا الحد يقلل أثر الطلب المفاجئ. ويمكن ربطه بنظام متابعة رقمي يوضح كميات الاستلام والبيع والرصيد المتبقي، على أن تستخدمه الجهات الرقابية قبل ظهور الطابور، لا بعده. المواطن لا يحتاج إلى خطاب طويل عن الوفرة، بل إلى محطة تعمل، وسعر معلن، وكمية متاحة، ومعلومة موثوقة عندما يحدث تأخير.
في المدى المتوسط، تبدأ الحلول من تنويع عقود التوريد، وترميم المصافي، وتسريع إعادة تأهيل الحقول التي عادت إلى سلطة الدولة، وتثبيت مسارات نقل آمنة من الحقول والمرافئ إلى المستودعات. هذه خطوات تحتاج إلى مال واستقرار واتفاقات طويلة نسبياً. لكنها الطريق الوحيد لتقليل تكرار الأزمة. أما الاكتفاء بضخ كميات إضافية عند الازدحام، فيجعل الدولة تتحرك بعد أن يكون السوق قد سبقها.
هناك جانب آخر يتعلق بالطلب. النقل العام الضعيف يجعل البنزين حاجة يومية لأعداد كبيرة من الناس، ويزيد الضغط على السيارات الخاصة. تحسين النقل داخل المدن وبين المحافظات لا يظهر عادة في أخبار المحروقات، لكنه واحد من الحلول التي تخفف الاستهلاك وتقلل حساسية السوق. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تنظيم أولويات المازوت للزراعة والمخابز والمشافي والنقل العام، مع إعلان هذه الأولويات للناس حتى لا يتحول الغموض إلى قلق.
أما السؤال عن المدة، فجوابه منقسم. الازدحام الحالي قد يخف خلال أيام إذا استقرت الطلبات ووصلت الكميات الإضافية إلى المحطات، وهذا ما تراهن عليه التصريحات الرسمية. لكن تكرار أزمة الكازيات في سوريا سيبقى وارداً ما دامت آلية السعر تفاجئ السوق، وما دام المخزون التشغيلي غير معلن، وما دام الإنتاج المحلي لم يصل إلى مستوى يغطي حاجة البلاد بثبات. الحل الحقيقي يبدأ عندما تصبح المحروقات خدمة قابلة للتوقع، لا مادة ينتظرها الناس على باب محطة لا يعرفون إن كانت ستفتح أو تغلق.
الخلاصة أن أزمة البنزين الأخيرة لا تحتاج إلى تهويل، لكنها لا تحتمل الاستخفاف أيضاً. هناك سبب مباشر مرتبط بالسعر والطلب، وهناك سبب أعمق مرتبط بضعف منظومة التوزيع والإنتاج والاستيراد. معالجة الطوابير اليوم مطلوبة، لكن منع عودتها يحتاج إلى سياسة واضحة في التسعير، ومخزون تشغيلي معلن، ورقابة على المحطات، واستثمار فعلي في الحقول والمصافي والنقل العام. من دون ذلك ستعود الكازيات إلى المشهد مع كل إشاعة أو قرار جديد.
اقرأ أيضاً: أسعارٌ كاوية وجيوبٌ مُستنزَفة .. إلى متى فوضى الوقود السوري؟









