أزمة “الفراطة” توقف حافلات الرقة.. تحول الأجرة الصغيرة إلى مشكلة كبيرة

بقلم: ريم ريّا
في حافلات النقل الداخلي في الرقة، لم تعد رحلة الراكب تنتهي عند دفع الأجرة، بل تبدأ معها مشكلة جديدة، كيف سيحصل الراكب على الباقي؟ ومع صعوبة تأمين الفئات الصغيرة من العملة السورية الجديدة، وجد سائقو النقل الداخلي أنفسهم أمام معادلة يومية مربكة، فالراكب يريد دفع الأجرة المحددة، والسائق يريد تحصيلها، لكن “الفراطة” غائبة عن الطرفين. وتطور الأمر إلى توقف سائقين عن العمل واحتشادهم أمام مبنى المحافظة، مطالبين بحلول تسمح لهم بمواصلة عملهم من دون أن تتحول الفروقات الصغيرة إلى خسائر يومية أو خلافات متكررة مع الركاب.
“الفراطة”.. مشكلة تبدأ من أول الرحلة في الرقة
المشكلة تبدو بسيطة على الورق، لكنها تصبح أكثر تعقيداً في الشارع. أجرة النقل محددة بالعملة الجديدة، بينما لا يمتلك كثير من الركاب المبلغ المناسب تماماً، وفي المقابل لا يملك السائق الفئات الصغيرة التي تمكنه من إعادة الباقي. ومع تكرار العملية عشرات المرات خلال اليوم، لا يعود الفرق مبلغاً هامشياً بالنسبة إلى السائق. فكل ليرة لا يستطيع إعادتها للراكب قد تتحول في نهاية الدوام إلى جزء من خسارته، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة وأجور العاملين.
يقول سائقون في الرقة إنهم باتوا يبحثون عن حلول مؤقتة لتجاوز الموقف، لكن هذه الحلول لا تعالج أصل المشكلة، بل تؤجلها من رحلة إلى أخرى.
وصل الأمر ببعض السائقين إلى إعادة سلع صغيرة للركاب بدل المبالغ النقدية المتبقية. أحد سائقي النقل الداخلي في الرقة، يقول إن السائقين “يعيدون للراكب بسكويتاً وعلكة وغيرها” عندما لا تتوفر الفئات الصغيرة. ويشرح أن السائق لا يستطيع الاستمرار في تحمل الفروقات على حساب دخله، خصوصاً أن المشكلة تتكرر طوال ساعات العمل.
ويشير سائق آخر، إلى أنهم يشترون علب ولاعات وبسكويت وعلكة لإعادتها إلى الركاب بدل العملة، في مشهد يعكس كيف انتقلت أزمة النقد من المصارف ومراكز الاستبدال إلى تفاصيل الحياة اليومية. فحين تصبح قطعة علكة بديلًاً عن “الفراطة”، لا تعود المشكلة مجرد نقص في ورقة نقدية صغيرة، وإنما تصبح علامة على خلل في آلية الانتقال إلى العملة الجديدة.
بين رفع الأجرة ودعم المازوت
لا يرى السائقون أن رفع الأجرة هو الحل الوحيد، لكنه أحد الخيارات المطروحة أمام الجهات المعنية. ويقترح بعضهم رفع أجرة النقل إلى 50 ليرة سورية جديدة، بما يقلل الحاجة إلى الفئات الصغيرة، بينما يفضل آخرون الإبقاء على الأجرة عند 20 ليرة جديدة مقابل تقديم دعم للوقود يساعدهم على تحمل تكاليف التشغيل.
ويقول أحد سائقي النقل الداخلي، إن السائق قد يضطر إلى أخذ مبلغ أكبر من الأجرة بسبب عدم توفر الفئات الصغيرة، لكنه يواجه اعتراضاً من الركاب عندما يفعل ذلك. ويضع السائقون أمام الجهات الحكومية خيارين واضحين من وجهة نظرهم، تأمين الفئات الصغيرة اللازمة للتعاملات اليومية، أو تعديل الأجرة بما يتناسب مع الفئات المتداولة، إلى جانب إمكانية دعم المازوت لتخفيف الضغط عن القطاع.
في السياق ذاته، إن أي حل يتعلق برفع أجرة النقل لن يكون بلا كلفة على السكان. فالنقل الداخلي خدمة يومية بالنسبة إلى آلاف الأشخاص، من العمال والموظفين والطلاب إلى أصحاب المهن والمتسوقين. وأي زيادة في الأجرة تعني اقتطاع جزء إضافي من دخل الأسر التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي المقابل، فإن إبقاء الأجرة عند مستوى لا يتناسب مع تكاليف التشغيل قد يدفع السائقين إلى تقليل رحلاتهم أو التوقف عن العمل، ما يعني أن المواطن سيواجه مشكلة أخرى تتمثل في صعوبة الوصول إلى وسيلة نقل. وهكذا تبدو المعادلة عالقة بين طرفين: سائق لا يستطيع العمل بخسارة، وراكب لا يستطيع تحمل زيادات متكررة في أجور النقل.
اقرأ أيضاً: “حصراً بالعملة الجديدة” عبارة باتت تطارد السوريين.. وظهرت أزمة “الفكة” بين القديم والجديد
أزمة العملة تكشف مشكلة أوسع
بدأت سوريا في مطلع عام 2026 الانتقال إلى العملة الجديدة وفق معيار حذف صفرين، بحيث تعادل كل 100 ليرة سورية قديمة ليرة واحدة جديدة. ومع انتقال التعاملات تدريجياً إلى الأوراق النقدية الجديدة، ظهرت الحاجة إلى توافر فئات نقدية مختلفة تتناسب مع قيمة السلع والخدمات اليومية. وتبدو هذه الحاجة أكثر وضوحاً في وسائل النقل، حيث تتم عشرات عمليات الدفع خلال الرحلة الواحدة، ويحتاج السائق إلى إعادة الفروقات بشكل فوري.
وتزامنت المشكلة مع استمرار صعوبات تأمين العملة الجديدة في الرقة والحسكة ودير الزور، بحسب ما أفاد به عاملون في قطاع النقل، لتصبح عملية الحصول على الفئات الصغيرة جزءاً من أزمة أكبر مرتبطة بمرحلة الانتقال النقدي نفسها.
في سياق متصل، يقول معاون في إحدى حافلات النقل الداخلي، إن الخلافات مع الركاب ازدادت بسبب عدم توفر المبالغ المتبقية، مشيراً إلى أن الحافلة قد تنتهي يومها بخسارة. ولا تتوقف المصاريف عند الوقود، إذ يتحمل العاملون تكاليف الصيانة وأجور المعاونين ومصاريف التشغيل، إضافة إلى تأثير حالة الطرق في المدينة على المركبات. وبالنسبة إلى السائق، فإن “الفراطة” التي تبدو للراكب مبلغاً صغيراً قد تصبح عند تكرارها عشرات المرات رقماً مؤثراً في الدخل اليومي.
وهنا تكمن المفارقة، العملة الجديدة صممت لتبسيط التعاملات عبر حذف صفرين، لكن غياب بعض الفئات الصغيرة جعل عملية دفع أجرة الحافلة أكثر تعقيداً في بعض الحالات.
مخاوف تتجاوز أزمة الأجرة
ولا تقف مطالب السائقين عند أزمة الفئات النقدية، إذ يبدون أيضاً مخاوف من الحديث عن استثمار خطوط النقل ومنحها لشركات. ويرى بعض العاملين أن تغيير طريقة إدارة الخطوط قد يهدد مصدر رزقهم، خصوصاً في وقت يواجه فيه القطاع أصلاً ضغوطاً متزايدة تتعلق بالوقود وتكاليف التشغيل وأجور النقل.
وبذلك، يكشف توقف حافلات الرقة عن مشكلة أكبر من مجرد نقص “الفكة”. فالقطاع يقف أمام مجموعة من التحديات المتداخلة، عملة جديدة لم تستقر فئاتها الصغيرة في التداول اليومي، تكاليف تشغيل مرتفعة، أجرة لا تتناسب مع تكاليف العمل من وجهة نظر السائقين، وقدرة محدودة لدى المواطنين على تحمل أي زيادة جديدة.
وفي الشارع، تظهر كل هذه المشكلات في لحظة قصيرة جداً… راكب يدفع ورقة نقدية، وسائق يبحث في جيبه عن الباقي، ثم تبدأ المساومة. وربما لهذا السبب تبدو “الفراطة” اليوم أكبر من مجرد نقود معدنية أو ورقة صغيرة، إنها اختبار يومي لقدرة النظام النقدي الجديد على ملامسة تفاصيل حياة الناس.









