أذربيجان والغاز إلى سوريا ومنها… كيف تصبح معادلة ربح ربح للجميع؟

الكاتب: هلا يوسف
رغم بعض الانفراجات المحدودة في قطاع الطاقة السوري، إلا أن البلاد لا تزال بحاجة ماسة إلى الغاز الطبيعي لتلبية احتياجاتها، في هذا السياق، طرح الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، مبادرة لتزويد سوريا بالغاز الطبيعي عبر وساطة تركية، وقد أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن هذه المبادرة عقب عودته من زيارة رسمية إلى أذربيجان.
تأتي هذه الخطوة في ظل الأزمة المتفاقمة التي تواجهها سوريا في قطاع الطاقة، وخصوصاً في مجال الغاز الطبيعي، وقال أردوغان: “ثمة مشكلة في الطاقة، وسيأتي الغاز الطبيعي لسد هذا النقص، نحن أيضاً نسعى جاهدين لتقديم الدعم في هذا المجال ضمن حدود معينة، وقد شعرت براحة كبيرة عندما تلقيت هذا الخبر السار من الرئيس إلهام علييف”.
ومن المتوقع أن يتولى وزير الطاقة التركي مسؤولية التنسيق لتنفيذ هذه المبادرة، حيث من المقرر أن يلتقي بالرئيس السوري أحمد الشرع للاتفاق على آليات التنفيذ.
وقد تزامنت هذه التطورات مع تصريح للرئيس الأذربيجاني، أكد فيه أن بلاده تخطط لزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي بمقدار 8 مليارات متر مكعب بحلول عام 2030، مشيراً إلى أن هذه الكميات ستُستخرج من خمسة حقول، بين قديمة وجديدة.
وفي سياق متصل، التقى وزير الطاقة السوري نظيره الأذربيجاني، برويز شهبازوف، على هامش قمة إسطنبول للموارد الطبيعية، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون الثنائي، خصوصاً في مجالات توريد الغاز والطاقة المتجددة، وتبادل الخبرات الفنية، والاستثمار المشترك في مشاريع البنية التحتية للطاقة.
كما التقى مؤخراً الوزير السوري، المهندس محمد البشير، بالقائم بأعمال السفارة الأذربيجانية في دمشق، النور شاه حسينوف، لبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي، وخاصة في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة، وأكد البشير استعداد سوريا لتقديم التسهيلات اللازمة للمشاريع الأذربيجانية، في حين عبّر حسينوف عن رغبة بلاده في توسيع التعاون، مشيراً إلى الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها الجانبان.
طريقة التوريد المتوقعة
تمتلك تركيا شبكة متطورة من البنية التحتية لنقل الغاز، تعتمد على خطوط أنابيب رئيسية تمتد من روسيا وأذربيجان وإيران، إلى جانب محطات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال (LNG)، وفي عام 2023، بدأت تركيا رسمياً تصدير الغاز الطبيعي إلى بلغاريا، ومن ثم وسعت عملياتها لتشمل رومانيا ومولدوفا، وأخيراً مصر، من خلال استخدام وحدات إعادة التغويز العائمة (FSRU).
وقد شكّلت قمة إسطنبول للموارد الطبيعية نقطة انطلاق لعلاقات جديدة بين تركيا وسوريا وأذربيجان، حيث تمخضت عن اتفاق لتوريد الكهرباء والغاز من تركيا إلى سوريا بمعدل يومي يبلغ 6 ملايين متر مكعب، إلى جانب مؤشرات أولية لاتفاق آخر محتمل لتوريد الغاز الأذربيجاني إلى سوريا.
وعلى الرغم من شحّ المعلومات المتوفرة حول تفاصيل وتكاليف هذه الاتفاقيات، إلا أنه يمكن الاستدلال على آلية التوريد المرجّحة، فوفقاً لبيان صادر عن منصة الطاقة المتخصصة ومقرها واشنطن، تم تشغيل خط أنابيب “أغدير – ناخجوان” في مارس 2025، بحضور الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وقد أنشئ هذا الخط بجهود مشتركة بين شركتي “بوتاش” التركية و”سوكار” الأذربيجانية، ويمتد لمسافة تقارب 80 كيلومتراً، ويملك قدرة نقل تصل إلى مليوني متر مكعب من الغاز يومياً.
انطلاقاً من ذلك، يُرجّح أن يتم نقل الغاز من أذربيجان إلى تركيا عبر هذا الخط، ومن ثم إلى سوريا عبر شبكة خطوط الأنابيب التركية.
حقول الغاز السورية: بين الحكومة وقسد
تحتل سوريا المرتبة 42 عالمياً من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي، وتقدّر الهيئة الجيولوجية الأميركية احتياطيات البلاد في البحر المتوسط وحده بنحو 700 مليار متر مكعب، وهي احتياطات لم تُستثمر بعد، نظراً للتكاليف المرتفعة التي تتطلب استقراراً سياسياً وزمنياً لعدة سنوات، في حين يُقدّر إجمالي الاحتياطي في سوريا بنحو 250 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 0.12% من الاحتياطي العالمي.
قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج نحو 30 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، إلا أن الإنتاج انخفض إلى 10 ملايين متر مكعب يومياً نتيجة الحرب، ما لا يغطي حاجة البلاد لتشغيل محطات الكهرباء، التي تتطلب 18 مليون متر مكعب يومياً.
وبالتالي، أصبحت دمشق تعتمد على الاستيراد لتوفير 95% من احتياجاتها النفطية، وتُقدّر الكمية المستوردة بنحو 5 ملايين برميل شهرياً، أي أكثر من 160 ألف برميل يومياً، بينما كانت البلاد تُصدّر 150 ألف برميل يومياً قبل عام 2011.
ورغم البدء بإنتاج الغاز من بئر “تياس 5” في ريف حمص بطاقة 130 ألف متر مكعب يومياً، إلا أن هذه الكمية لا تزال غير كافية لتلبية الطلب المحلي.
تسيطر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على أهم الحقول الغازية والنفطية في البلاد، منها: حقل العمر (الأكبر في سوريا)، والتنك، وجفرا في دير الزور، إضافة إلى الرميلان في الحسكة، وحقول أخرى في الحسكة والرقة، كما تسيطر على حقلي كونيكو في دير الزور، والسويدية في الحسكة، واللذين يحتويان على كميات كبيرة من الغاز لم تُستثمر بعد.
أما الحكومة السورية، فتسيطر على حقول الورد، والتيم، والشولة، والنيشان في دير الزور، وحقل الثورة في الرقة، وحقل جزل في حمص، إضافة إلى حقل الشاعر (أكبر حقول الغاز)، وحقول صدد وآراك، وتشير التقديرات إلى إمكانية تقدم الحكومة نحو الحقول الشرقية في دير الزور، ما يتطلب تفاهمات أوسع مع “قسد”.
اقرأ أيضاً: ما معاني نماذج BOO وBOT المعتمدة في اتفاقية الطاقة السورية؟
إنتاج أذربيجان للغاز
تنتج أذربيجان نحو 29 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً (منذ 2013)، وتُعد من الدول الرائدة في صناعة النفط والغاز، حيث يعود تاريخ هذه الصناعة إلى قرون ماضية، وتستعد البلاد لتأكيد مكانتها كأحد أبرز المنتجين في هذا المجال.
مؤخراً، وقّعت تركيا وأذربيجان اتفاقية لتقاسم إنتاج الغاز في منطقة شفق – آسيمان في بحر قزوين، وأعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن مؤسسة البترول التركية “تباو” ستعمل مع شركة النفط الأذربيجانية “سوكار” وشركة “بي بي” على تنفيذ هذه الاتفاقية.
ووفقاً لوزارة الطاقة الأميركية، تبلغ الاحتياطات المؤكدة من الغاز في أذربيجان 1.7 تريليون متر مكعب، وقد صدّرت البلاد 25 مليار متر مكعب من الغاز خلال عام 2024.
تقلب العلاقات السورية الأذربيجانية
تعود العلاقات بين سوريا وأذربيجان إلى عام 1992، عقب استقلال أذربيجان، رغم التحالف السوري التقليدي مع أرمينيا، وبحسب موقع نادي فالداي الروسي، تحسنت العلاقات خلال العقد الأول من الألفية، خاصة بعد زيارة الرئيس السوري إلى باكو عام 2009، التي شهدت توقيع اتفاقيات اقتصادية.
غير أن العلاقات تراجعت بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، وتدهورت بشكل أكبر خلال حرب ناغورني قره باغ الثانية عام 2020، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بدعم جهات متنازعة، فرغم الموقف الحذر الذي اتخذته باكو من “الربيع العربي”، إلا أنها دعمت العملية العسكرية التركية في عفرين عام 2018 ضد “قوات قسد” وتنظيم “داعش”.
وخلال الحرب الثانية في قره باغ (من 27 سبتمبر إلى 10 نوفمبر 2020)، اتهمت أرمينيا وسوريا كلاً من تركيا وأذربيجان بإرسال مقاتلين سوريين إلى الجبهة، في حين اتهمت باكو وأنقرة دمشق وأرمينيا بدعم جماعات مثل “ASALA”، و”YPG”، و”PKK”.
الطاقة مقابل الدور الإقليمي
بعد تغير موازين القوى في سوريا، بات ملف الطاقة أداة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، ولا تقتصر أهداف أذربيجان على الاستثمار في قطاع الطاقة شرق سوريا، بل تسعى لاستخدامه كورقة تفاوضية لترسيخ دورها الإقليمي، من خلال توظيف الطاقة كأداة نفوذ.
والجدير بالذكر بأنه يمكن لأذربيجان الدخول من بوابة تطوير محطتي بانياس وحمص لتكرير النفط، وإذا تعذّرت الاستفادة من حقول النفط بسبب عائق المواد المسرطنة، فإنّ تطوير محطتي التكرير في بانياس وحمص سيؤدي على الأقل إلى تخفيض تكلفة الديزل والبنزين.
ويؤكد الخبير الاقتصادي السوري في شؤون الطاقة، حسن الشاغل، أن أذربيجان ستواجه عدة تحديات في تعاونها مع سوريا، ويضيف: “رغم امتلاك أذربيجان خبرة كبيرة توازي خبرة دول أوروبية في تطوير قطاع النفط، إلا أنها لا تملك القدرة الكافية على معالجة المواد المسرطنة الناتجة عن عمليات الاستخراج، وهي عمليات ضرورية تُجرى عادة كل ثلاث إلى أربع سنوات، بينما لم تُنفذ في سوريا منذ عام 2010″.
ويشير الشاغل أيضاً إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في عدم استقرار العملة السورية، مما قد يدفع الجانب الأذربيجاني للمطالبة بضمانات، كالحصول على نسبة من الإنتاج، وهو الخيار الأكثر ترجيحاً في ظل الظروف الراهنة.
ختاماً، نجد أن العلاقات السورية الأذربيجانية تأخذ منحى المنفعة المتبادلة وتتطور على أساسين رئيسيين هما السياسة والاقتصاد، والأيام القادمة ستكشف تفاصيل توريد الغاز بشكل أكبر.
اقرأ أيضاً: الغاز القطري نحو سورية عبر الأردن، وبموافقة أمريكية









