سياسة

حلب.. مدينة تحاصرها الروايات والمدنيون وحدهم يدفعون الثمن!

حكاية حيَّين.. وخلافٍ أكبر من المكان!

الكاتب: أحمد علي

تتنفس حلب بصعوبة كلما ظنت أنها اقتربت من صفحة أهدأ. المدينة التي دفعت ما يكفي من الخسائر وجدت نفسها يوم أمس الأربعاء 7 كانون الثاني 2026 أمام مشهد يعرفه سكانها جيداً: قذائف متقطعة، طرق تُغلق، وعائلات تحمل ما تقدر عليه وتبحث عن مخرج. لكن ما جرى عملياً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن تفصيلاً محلياً، بقدر ما كان اختباراً عملياً لاتفاق نيسان 2025 الذي وُضع لضبط الأمن وتحييد المدنيين، ثم اصطدم بواقع التنفيذ المتعثر، وبسياسة تُدار أحياناً تحت ضغط السلاح.

أحداث حلب الأمنية تحت المجهر

عاد القصف والاشتباك حول الحيين، ثم أعلنت “هيئة العمليات” في الجيش السوري أن المواقع العسكرية التابعة لـ“قسد” داخل الشيخ مقصود والأشرفية تُعد “أهدافاً عسكرية مشروعة”، ودعت المدنيين إلى الابتعاد عن تلك المواقع، وأعلنت فتح معبرين إنسانيين حتى الساعة الثالثة عصراً، هما معبر العوارض ومعبر شارع الزهور.

وفي الوقت نفسه، نقلت تغطيات ميدانية أن الحيين أُعلنا “منطقة عسكرية مغلقة” مع بدء حظر تجوال، ما جعل قرار البقاء أو المغادرة قراراً قاسياً تُحكمه لحظة الخوف أكثر من الحسابات. وعلى مدار ساعات، تحركت حافلات لإخراج السكان، بينما بقي آخرون عالقين بين النداءات والقلق من القصف وصعوبة الوصول إلى ممتلكاتهم في أحياء مجاورة أيضاً.

حياد بين روايتين متقابلتين

البيانات الرسمية كانت ساحة مواجهة موازية للميدان، لأن البيان يحدد المسؤولية ويمنح الشرعية. الحكومة السورية قالت في بيان نشرته وكالة سانا إن ما ورد في بيان “قسد” يتضمن “مغالطات جوهرية” ولا يعكس الواقع، وإن الإجراءات حول الحيين تهدف إلى حفظ الأمن ومنع أي نشاط مسلح داخل مناطق سكنية وعدم استخدامهما “ورقة ضغط” على مدينة حلب، مع الدعوة إلى خروج المجموعات المسلحة من داخل الشيخ مقصود والأشرفية ورفض الخطاب التحريضي والمبالغات. وبحسب الجزيرة، قالت وزارة الداخلية السورية إن ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي أصيبوا خلال الأحداث.

في المقابل، حمّلت “قسد” دمشق المسؤولية المباشرة عن التصعيد الذي يهدد حياة المدنيين، ونفت وجودها العسكري داخل مدينة حلب، قائلة إن الملف الأمني في الحيين سُلّم لقوى الأمن الداخلي، وحذرت من أن استمرار العمل العسكري سيقود إلى تداعيات تتجاوز المدينة.

وهذا التباين لا يُحل باختيار رواية مريحة، بل بطرح سؤال واحد على الطرفين: كيف سيُمنع تكرار تحويل أحياء سكنية إلى ساحة اشتباك، وأين آليات التحقق المستقلة التي تستطيع مساءلة أي طرف عند الادعاء أو الانتهاك؟

اتفاق نيسان 2025 وحدود التنفيذ

لفهم جذور أحداث حلب الأمنية، لا بد من العودة إلى اتفاق 1 نيسان 2025 الخاص بالشيخ مقصود والأشرفية. محافظة حلب أعلنت حينها أن الاتفاق يشمل إبقاء المؤسسات الخدمية، وإنشاء مركز أمني تابع لوزارة الداخلية داخل الحيين، مع إبقاء الحواجز الرئيسية تحت إشراف الأمن الداخلي التابع للوزارة. وفي رواية قريبة من مجلس الحيين نشرتها ANHA، ورد أن الاتفاق تضمن بنوداً تتعلق بتنظيم الأمن الداخلي ومنع المظاهر المسلحة وتشكيل لجان للتنفيذ وتسهيل الحركة والتنقل.

على الورق، تبدو الفكرة منطقية: أمن أقل تسييساً، وسلاح أقل ظهوراً، وخدمات لا تُعاقَب بسبب الخلاف. لكن الخلل يظهر حين يصبح الاتفاق “مرجعاً” يستخدمه كل طرف لإدانة الطرف الآخر، لا “خريطة طريق” تُقاس بخطوات واضحة ومواعيد معلنة وقنوات شكاوى للمواطنين.

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى للجزيرة إن اتفاق نيسان يقتضي سحب الأسلحة الثقيلة من حلب، متهماً “قسد” بعدم التنفيذ وباستخدام المدفعية ضد منشآت مدنية. وعلى الضفة الأخرى، اعتبرت فوزة يوسف، القيادية في حزب الاتحاد الديمقراطي، أن الهجمات على الشيخ مقصود والأشرفية خرق لاتفاق 1 نيسان، ورأت أن أطرافاً تريد إشعال حرب أهلية، مؤكدة أن تجنب هذا المسار مسؤولية وطنية.

الأرقام على طاولة المساءلة

الأرقام هنا ليست للزينة، لكنها أيضاً ليست متطابقة. رويترز نقلت عن مديرية صحة حلب أن أربعة مدنيين قُتلوا يوم الثلاثاء، وأن أكثر من عشرين جُرحوا خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مع عدم تسجيل وفيات مدنية يوم الأربعاء وفق المصدر ذاته. كما نقلت أن مديرية الشؤون الاجتماعية تحدثت عن نزوح يزيد على 45 ألف شخص من مدينة حلب، واتجاه معظمهم نحو منطقة عفرين. وفي المقابل، نقل موقع Syria.tv عن “قسد” حصيلة غير نهائية تتحدث عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 52 في قصف الحيين.

أما على مستوى الإجلاء، فأفادت الجزيرة بإجلاء أكثر من ثلاثة آلاف مدني، معظمهم من الحيين، عبر معبري العوارض وشارع الزهور، مع نقل عائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة.

والاختلاف في الأرقام لا يمنع الاستنتاج الأساسي، أيّاً كانت الأرقام الدقيقة، فإن المدنيين هم الكتلة الأكبر في فاتورة الخسارة، وأن غياب جهة تحقق مستقلة يجعل كل رقم مادة قابلة للاستثمار السياسي، بينما تُهمل الأسئلة عن المدارس والخبز والعمل والدواء.

ماذا بعد التصعيد اليوم؟

خلف التفاصيل اليومية، يوجد مسار سياسي أوسع يتعلق بموقع “قسد” داخل الدولة السورية. المعطيات تتحدث عن جمود في مسار دمج القوات والمؤسسات، وعن وساطة دولية لتخفيض التصعيد، ونقلت عن إلهام أحمد، المسؤولة عن الخارجية في الإدارة الكردية، أن جهود الوساطة الدولية جارية.

وفي قراءة تحليلية، قال نانار هواج، كبير محللي الشأن السوري في مجموعة الأزمات الدولية، إن ما يحدث يمكن فهمه كـ“مفاوضات تحت النار” لرفع كلفة التفاوض دون انفلات كامل. وهذه القراءة لا تمنح صك براءة لأحد، لكنها تذكّر بأن الضمان الحقيقي هو خفض تكلفة المدنيين لا رفع تكلفة الخصم.

الخلاصة، وباللغة العربية الفصحى التي تليق بكرامة الناس، أن أحداث حلب الأمنية لا تُحل ببيان أقسى ولا بمدفعية أقوى، فليست هذه طريقة لحل الأمور، فالمدنيون الذين يدّعي الجميع حمايتهم هم دائماً من يدفع الثمن. فالمطلوب مسار تنفيذ علني لاتفاق نيسان 2025، مع جدول زمني، ولجان مشتركة واضحة الصلاحيات، وقنوات تواصل تمنع الانزلاق، وضمانات حقيقية للممرات الإنسانية، ومحاسبة أي طرف يجرّ الأحياء السكنية إلى دائرة النار.

وعلى المستوى السياسي الأعم، فإن المطلوب إنجاز اتفاق آذار ما بين قسد والحكومة السورية بأسرع وقت ممكن، مهما كانت الظروف، وبأي طريقة، عبر المزيد من التفاوض والحوار، فمن الخطأ أن يستنتج الطرفين أن عدم التوصل لاتفاق عبر الحوار يعطيهم ضوء أخضر للعمل العسكري المباشر. ينبغي أن يكون العمل العسكري محرّماً في فقه الطرفين، أولاً لأنه لا يحل أزمة البلاد، وثبت بالدليل القاطع أنه لا يحل أزمة البلاد، وثانياً لأن السوريين دفعوا عبره وخلال خمسة عشر عاماً دماءً وتهجيراً وخراباً ما يكفيهم…

اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى